اليمين المتطرف واللاجئون السوريون في الدنمارك: واقعٌ صعب ومرارة الانتظار للمّ شمل أسرهم

danish_police_refugees1.jpg

ربما لا يتذكر الكثيرون تاريخ 19 يونيو 2015 أو لا يشكل ذلك فارقاً بالنسبة لهم، لكنه يمثل حداً فاصلاً بالنسبة للاجئين السوريين في الدنمارك وسيبقى محفوراً في ذاكرتهم إلى حين. يومئذ نجح ائتلاف الأحزاب التي تمثل اليمين في الانتخابات الدنماركية، وتولت مقاليد السلطة حكومة جاهرت بعدائها للاجئين، حتى إن برنامجها الانتخابي كان يحفل بوعود وإجراءات ستتخذ بحقهم لجعل الدنمارك بلداً غير جذاب بالنسبة لهم.

ويبدو أن التضييق على اللاجئين كان الشغل الشاغل لهذه الأحزاب، فما إن تولت الحكومة الجديدة مهامها حتى بادرت بإجراءات غير مسبوقة ضد اللاجئين بدءًا من تقليص الدعم المادي للنصف، مروراً بزيادة غير مسبوقة في أعداد اللاجئين الحاصلين على ما يسمى “حق الحماية” لمدة عام واحد، وهم اللاجئون غير المعرضين للخطر بشكل شخصي، وكانت الحكومة السابقة قد أقرت هذا القانون ووصفته منظمة العفو الدولية بأن “له انعكاسات مدمرة على الأسر”، وأخيراً وليس آخراً مصادرة الممتلكات الثمينة للاجئين. وقد استفز القانون الأخير الرأي المحلي والعالمي، وشبهه كثيرون بمصادرة المقتنيات الثمينة من اليهود إبان الحرب العالمية الثانية، مما اضطر وزيرة التضامن إنغر ستوجبيرغ لإعلان أن المقتنيات التي تمثل أهمية خاصة لن تصادَر، ورفعت سقف الأموال والأصول المسموح للاجئ امتلاكها من 3000 كرون (نحو 400 دولار) إلى 10000 كرون.

وهناك قائمة طويلة من مشاريع القوانين التعسفية التي تعتزم الحكومة اليمينية المعادية للاجئين اتخاذها،  كمشروع قانون لفصل أبناء اللاجئين عن أقرانهم الدنماركيين في المدارس الحكومية، واقتراحات لمنع أبناء اللاجئين من التكلم بلغتهم الأم فيما بينهم في المدارس، إضافة للتصريحات حول عزم الحكومة إسكان اللاجئين في كانتونات منفصلة بعيدة عن مناطق سكن الدنماركيين.

وقدّم حزب الشعب اقتراحاً للبرلمان بسحب إقامة وإعادة كل الذين أقاموا في الدنمارك أقل من  10سنوات (أي الذين يحملون إقامة مؤقتة) إلى بلدانهم الأصلية باختيار مناطق آمنة في بلدانهم والدول المجاورة، لكن الوقاحة بلغت ذروتها باقتراح نائب عن حزب الشعب الدنماركي في لقاء تلفزيوني على أحد القنوات الدنماركية، أن تشترط سلطات بلاده تبرع طالب اللجوء بأحد أعضاء جسمه (كبد، كلية) قبل السماح له بدخول الدنمارك.

syrian-refugees-denmark

وانتقدت العديد من منظمات حقوق الإنسان القوانين الجديدة التي أقرها البرلمان إضافة إلى مشاريع القوانين غير الإنسانية التي يدرس بعضها بجدية، ورأت أنها تهدف إلى اضطهاد اللاجئين وإفقارهم وإبقاء أسرهم مشتتة، وكأن ما مر به اللاجئون من مخاطر ونزوح وتشرد وأهوال عايشها الصغار قبل الكبار غير كاف لمنحهم واحداً من أبسط حقوقهم المشروعة بموجب القانون الدولي. فاللاجئون الحاصلون على حق الحماية لعام واحد سيحرمون من حقهم في لم شمل أسرهم حتى انتهاء العام الأول، ثم يُقيَّم الوضع الأمني في بلادهم، وعلى أساس ذلك إما أن يكون لهم الحق بالتمديد عامين آخرين وبذلك يحق لهم التقدم بطلب لم شمل عائلاتهم، أو يعادون إلى بلدانهم إن استتب الأمن فيها، لكن الحكومة الجديدة أبت إلا أن تزيد المأساة وتحرم اللاجئ من لم شمل أسرته فترة تصل حتى ثلاثة أعوام. ولم يأخذ القانون في الاعتبار أن بقاء الأسر متفرقة هذا الوقت الطويل سيكون له انعكاسات نفسية سلبية وخطيرة على اللاجئ، مما يعوق قدرته على الاندماج في المجتمع الجديد، ويشدد الخناق على أسرته التي تعاني في مكان غير آمن.

ولم يقف الأمر عند اللاجئين الحاصلين على حق الحماية، فحتى أولئك الذين حصلوا على اللجوء الإنساني، ويمتلكون الحق في لم شمل أسرهم يتعرضون لاضطهاد غير معلن من نوع خاص. فمن المعروف أن الدنمارك كانت تتميز بفترة معالجة قصيرة لقضايا لم شمل أسر اللاجئين، إذ كانت الفترة تتراوح ما بين ثلاثة أشهر وخمسة، وكانت تلك الإجراءات فاعلة في عام 2014 حتى النصف الأول من عام  2015 اللذين تميزا بتدفق عدد كبير من اللاجئين، مما جعلها مقصداً للعديد منهم وخاصة الراغبين في لمّ شمل أسرهم بسرعة، لكن الأمور تبدلت مع وصول الحكومة الجديدة إلى سدة الحكم، فبدأت المسائل تتعقد وأصبحت قضايا لم الشمل تأخذ وقتاً أكثر من ضعف الوقت المحدد لها، وكأن هناك توجيهات خفية بتعمد التأخير. ولا تعترف إدارة الهجرة الدنماركية بإطالة أمد معالجة هذه القضايا عن عمد، وإنما تتعلل بكثرة قضايا لم الشمل الموضوعة قيد الدراسة والتمحيص. وغالباً ما يردد موظفو إدارة الهجرة عبارة حفظها المراجعون عن ظهر قلب… “التأخير ناجم عن الضغط الهائل فوق الاعتيادي في طلبات لم الشمل”.

وقد استدعى هذا التأخير غير المبرر في نظر كثير من اللاجئين السوريين قيامهم بالعديد من الاعتصامات أمام إدارة الهجرة، مطالبين بالإسراع في معالجة أمورهم والعمل على لم شمل أسرهم التي تقطعت بها السبل في شتى الدول، أو لاتزال تقبع تحت القصف والدمار في سورية.

واعتصم عدد منهم في 15 سبتمبر 2015 أمام إدارة الهجرة تحت شعار “اعتصام مفتوح حتى حل جميع القضايا المعلقة”.

syrian-denmark

واعتصم آخرون في أوقات متفرقة للغرض ذاته، في حين أضرب بعضهم عن الطعام ونصبوا خيام الاعتصام أمام مدخل إدارة الهجرة، ولِمَ لا فالدنمارك كغيرها من الدول الغربية، دولة تدّعي الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان وهذا ما جعل اللاجئين يلجؤون للاعتصام كحل سلمي وحضاري لإسماع أصواتهم للمسؤولين في البلاد. وربما لن يكون الاعتصام الحالي الذي بدأ به فراس ريشة ومحمد جمال في 14 يوليو 2016 وانضم إليه آخرون أمام إدارة الهجرة هو الأخير. وتتلخص مطالباتهم  بتسريع دراسة ملفات أسرهم التي انقضى على نهاية المهلة المحددة لدراستها ما يزيد على خمسة أشهر أو ستة وتلقى بعضهم مواعيد تأجيل جديدة، مما جعل قضية لم شمل كلٍّ منهم تستهلك وقتاً يقارب العام دون أي بوادر انفراج قريب، على الرغم من سرعة معالجة قضايا زملاء لهم قدموا معاملات لمّ شمل عائلاتهم في الوقت نفسه.

denmark-syrian-refugees

وهنا يتساءل اللاجئون السوريون: لماذا تعالَج قضايا “البعض” بالوقت المحدد، في حين يتلقى آخرون التأجيل تلو التأجيل، ولا يسمعون من موظفي الهجرة سوى المماطلة والتسويف، على الرغم من استكمالهم جميع الأوراق والثبوتيات المطلوبة؟ هل هي فوضى إدارية أم بيروقراطية أم تأجيل متعمد تفوح خلفه رائحة عنصرية؟ أم أن شعارات الإنسانية سقطت أمام تنامي مد اليمين المتطرف في الدنمارك؟

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن