من المكتبة البريطانية: كيف استغل التاج البريطاني موارد البحرين بينما تخلى عن البحارنة؟

278b3a956189

لوي أولداي - متخصص في شؤون الخليج والعالم العربي

في عام 1783، استولت عائلة آل خليفة، التي تعود أصولها إلى منطقة نجد الواقعة الآن ضمن المملكة العربية السعودية، على جزر البحرين من الشيخ نصر آل مذكور، الذي حكم تلك الجزر نيابة عن أسرة قاجار من بلاد فارس. وفي عام 1926، بعد أكثر من مئة وخمسين عامًا، كان وضع سيادة البحرين لايزال مسألة خلافية. وفي ديسمبر من ذلك العام كتب ستيوارت وارنر، وهو دبلوماسي بريطاني في لندن، لزميل له في الهند مشيرًا إلى أنّه لأسباب سياسية، ثمة أهمية كبيرة لتجنب أي عمل من شأنه أن يؤدي إلى إعادة الجدل حول سيادة البحرين.

وعلى الرغم من أنَّ البحرين كانت مستقلة اسميًا في هذا الوقت، فإنّها كانت دولة تابعة للحماية البريطانية وكانت بريطانيا تسيطر على علاقاتها الخارجية منذ القرن التاسع عشر. وكان السبب في قلق وارنر هو أنَّ الحكومة الفارسية رفضت الاعتراف باستقلال البحرين، وادّعت أنها مقاطعة فارسية. وتوفر لنا الطريقة التي تعامل بها المسؤولون البريطانيون في المنطقة مع هذا التوتر نظرة كاشفة عن طبيعة دور بريطانيا في البحرين في ذلك الوقت.

مضايقة البحارنة

muhammara gulf bahrain old

المحمرة ـ حاليا خرمشهر- في صورة تعود إلى مايو 1917 التقطها القسيس إيدوين ستورز فوكس

في فترتي العشرينيات والثلاثينيات من القرن المنصرم، تَعرّض المواطنون البحرينيون المقيمون في مدينة المحمرة (خرمشهر – في بلاد فارس شمال الخليج) للمضايقة والترهيب من قِبل السلطات المحلية. العديد من هؤلاء البحرينيين، الذين كان معظمهم من البحارنة (الطائفة الشيعية العربية الأصلية في البحرين) أُجبروا على اختيار الجنسية الفارسية.

وكان البحارنة الذين يرفضون هذه الجنسية يُعتقلون ويُطردون من البلاد، وفي بعض الحالات، يتعرضون لأعمال عنف خطيرة،  وقد يكون مصيرهم الموت. وردًا على ذلك، استنجد البحارنة بحاكم البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، ومختلف المسؤولين البريطانيين الذي شغلوا منصب الوكيل السياسي في البحرين خلال هذه الحقبة، لكن البريطانيين القلقين من تزايد التوترات مع بلاد فارس بشأن البحرين ترددوا في وضع حدّ لتصرفات الحكومة الفارسية.

البريطانيون “يتلاعبون بموارد البحرين”

british document bahrain 1

الصفحة الأولى للرسالة التي بعثها جي آر وارنر من وزارة الخارجية البريطانية إلى مكتب الهند

وعلى الرغم من عرائض الالتماس المتكررة التي تدعو إلى المساعدة، استمرت مضايقة البحرينيين في بلاد فارس، وأدى عجز بريطانيا أو عدم رغبتها في تقديم المزيد من المساعدة لمواطني بلد يقع تحت حمايتها ظاهريًا إلى إثارة الذعر بين البحارنة.

وفي عام 1923، أجبر البريطانيون حاكم البحرين الشيخ عيسى بن علي آل خليفة على التنازل عن العرش وحلّ محله ابنه الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة. وفي أعقاب ذلك، أجرى المعتمد السياسي البريطاني في البحرين، كلايف كيركباتريك دالي، سلسلة من “الإصلاحات” الواسعة النطاق في البلاد. وفي هذا السياق، قدّم سيريل تشارلز جونسون باريت، المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي، ملاحظة صريحة في رسالة إلى مكتب الانتداب البريطاني في طهران في أغسطس 1929، كتب فيها:

ما يثير عجب المقيمين في البحرين أنَّ حماية بريطانيا لجزيرتهم تمتد إلى خلع حاكمهم، وتنفيذ سلسلة من الإصلاحات وصناعة طائرة مائية وقاعدة جوية لنفسها، لكنها ليست ذات قيمة في التقليل من وطأة المؤامرة ضد البحارنة في بلاد فارس.

وفي سبتمبر عام 1929، فسّر تشارلز جيفري برايور، المعتمد السياسي البريطاني في البحرين، هذا التناقض، في فقرة صريحة في رسالة إلى باريت، رئيسه في بوشهر، وصف فيها برايور فكرة أنَّ البحرين كانت دولة مستقلة بأنها محض خيال قانوني، وقال إنّه يعتقد أنه ليس هناك أي عربي خُدع لحظةً بالسياسة التي تتلاعب بموارد البحرين من أجل مصلحة بريطانيا، وفي الوقت نفسه تتقاعس عن حماية رعاياها.

وأوضح برايور أنّه لو أن البريطانيين تدخلوا في أي ولاية هندية خلال العقد الماضي مثلما تدخلوا في البحرين، لأحدث ذلك عاصفة من الاحتجاج، قائلاً:

British Document Bahrain 2

رسالة من سيريل تشارلز جونسون باريت، المقيم السياسي في الخليج، إلى المفوضية البريطاينة في طهران مؤرخة في 21 أغسطس 1929

لقد خلعت بريطانيا حاكم البحرين، ورحّلت كل مَن له علاقة به، وحدّدت التعرفة الجمركية لتناسب مصالحها، وأجبرت الدولة ضد إرادتها لمنح خصم الجمارك لحليفنا ابن سعود [] وحرمان جميع الأجانب من حق تولي منصب حاكم الولاية، كما قررت الوظائف التي ربما يتبوأها الأوروبيون.

وذهب برايور إلى القول بأنّنا رفضنا منح الدولة حرية التصرف في مواردها المعدنية، التي سخرناها كلها لخدمة مصالحنا، وأشار إلى أنَّ حاكم البحرين كان ممنوعًا من التواصل مع شركة النفط إلّا من خلال المعتمد السياسي البريطاني.

وقدمّ برايور أيضًا اعترافًا مدهشًا أنّه بغض النظر عن المساهمة الصغيرة من الجمعيات الخيرية التي لها قيمة سياسية كبيرة، فإنَّ الحكومة البريطانية لم تتحمّل أي نفقات في البحرين على الإطلاق.

أصوات تدعو للحماية

British Document Bahrain 3

الصفحة الثانية من رسالة تشارلز جوفري برايور، المقيم السياسي في البحرين، إلى سيريل تشارلز جونسون باريت، المقيم السياسي في الخليج، 27 سبتمبر 1929

في هذا التقييم الذي يدين السياسة البريطانية في البحرين، أكّد برايور اعتقاده بأن بريطانيا يجب أن تفي بالتزاماتها من خلال بذل المزيد من الجهد لمساعدة البحارنة. وقال برايور إنَّ البحرين كانت دولة مستقلة، ومن أجل سُمعة بريطانيا بشأن التعامل العادل ينبغي عدم التقصير في الالتزامات تجاه سكّانها. وكرر برايور هذا القول في رسالة كتبها بعد ذلك بعامين في عام 1931.

وفي هذه الرسالة، أوجز برايور مدى تورط بريطانيا وشرح كيفية تلاعب بريطانيا بشركة النفط بما يناسب مصالح الإمبراطورية. وقال إنَّه منذ أن تدخلنا في شؤون البحرين إلى حد لم يسبق له مثيل في الهند البريطانية، علينا منح هؤلاء الناس نفس الدعم والحماية التي نقدّمها لسكان الولايات الهندية البريطانية.

ومع ذلك، بعد ثلاث سنوات، لم تفتر المضايقات التي يتعرض لها البحرينيون في بلاد فارس. وفي عام 1934، كتب تشارلز بلجريف، مستشار حكومة البحرين، أنَّ الفرس دمروا أوراق جنسيتهم، وأجبروهم على توقيع أوراق الجنسية الفارسية، ولكن البحارنة فضلوا الموت على أن يصبحوا من رعايا الفرس.

السياق الامبريالي

British Document Bahrain 4

مقطع من رسالة تشارلز جوفري برايور، المقيم السياسي في البحرين، 10 ديسمبر 1931

صراحة برايور المذهلة عند تقييم أنشطة الحكومة البريطانية في البحرين، تُظهر بجلاء طبيعة دورها في البلاد؛ وهو الدور الذي كان، وفقًا لروايته، منسجمًا مع منطق الإمبراطورية، وعلى حد قوله، المصلحة الذاتية لبريطانيا. ولم تكن رفاهية المواطنين في البلاد مصدر اهتمام ثانوي في أحسن الأحوال.

في عام 1898، كتب جورج كيرزون، الوالي والحاكم العام للهند آنذاك:

“تركستان وأفغانستان، وبلاد فارس، بالنسبة للكثيرين تتنفس هذه الأسماء شعور البُعد المطلق أو ذاكرة من التقلبات الغريبة أو الرومانسية المحتضرة. بالنسبة لي، أنا أعترف، إنها مثل قطع على رقعة الشطرنج لُعبت عليها لعبة من أجل السيطرة على العالم.

بغض النظر عن الهواجس الشخصية لبرايور، لم تكن البحرين استثناءً من النظرة الإمبريالية لجورج كرزون، وكانت مجرد قطعة أخرى على رقعة الشطرنج، مجرد وسيلة للحفاظ على موقف بريطانيا في الهند وتعزيز مصالح إمبراطورتيها العالمية.

British Governor India

سعادة جورج كيرزون الوالي والحاكم العام للهند

المصدرBritish Library

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.