على قيد الموسيقى: هل بإمكان الموسيقى معالجة أمراض عجز عنها الطب؟

Violin-love_guy

عبدالحكيم الدخيل

عازف الموسيقى لا يخبرنا أثناء عزفه عن مشاعره، إذا فعلها فسيفقد الملكة الإبداعية، وقطعاً سيتحول الأمر إلى شيء آخر.

تناول الموضوع من الناحية العلمية صعب، وبالنسبة لي قريب من المستحيل، لكنني لا أستطيع التوقف عن طرح السؤال: ماذا يحدث بالضبط؟ ماذا تفعل الموسيقى في العازف وفي المستمع؟

“تشارلز ليمب” جراح وطبيب وموسيقي، وله باع طويل في مجال الأبحاث العلمية عن الموسيقى وتأثيرها، تعمق في فهم مصدر الإبداع الموسيقي ومكمنه وأخضع أدمغة عدد من نجوم الموسيقى للتصوير بالرنين المغناطيسي أثناء ابتكارهم لمعزوفات موسيقية. ولا أعرف ماذا اكتشف بشكل كامل، لكنه قال:

“وجدت شيئاً يبعث على الدهشة، وجدت آلية حيوية كثيرة التشعب لكل تفصيل موسيقي يحاول المبتكر استدعاءه مما اختمر في عقله الباطن وتداخل مع زمنه الحاضر، والنشاط العصبي والدماغي يزداد مع استمرار العزف، مما يدل على أن العازف يغوص في ذاته ويذوب في لا وعيه”

(ربما لهذا السبب فإن العازف وهو يتفاعل مع عزفه – يتسلطن – يغمض عينيه ويقوم بحركات غير مفهومة لا يفعلها عادة في وقت آخر).

ومن الأشياء المدهشة التي اكتشفها تشارلز أن الموسيقى التي تصل إلى الدماغ بوسيلة السمع الطبيعية تختلف عن الموسيقى التي يستقبلها الدماغ عبر القوقعة السمعية التي تزرع في أذن المصاب بالصمم، وعادة هؤلاء لا يحبون الموسيقى لأنهم يسمعونها بشكل غير جميل، مما يجعلها تتشوه أثناء نقلها إلى أدمغتهم بوسيلة سمع غير طبيعية، سبحان الله.

وأضاف تشارلز أن الإبداع الموسيقي ليس عملية عشوائية، والتعقيد الذي رأيته لا يمكن اختزاله في بضع جمل.

وهو نفسه نصح بالاستمتاع إلى الموسيقى دون التعمق في أسرارها.

ويرى أن الحياة مليئة بالمبدعين والمبتكرين في الموسيقى وفي غيرها من كل ميادين الحياة، والمجتمع البشري مدين لهم، ولولاهم لما تمكن الناس من الصمود والبقاء والاستمرار.

ايقاظ الوعي بالموسيقى

music-cure

تأثير الموسيقى أعمق بكثير مما يمكننا تصوره، حسب رأي عالم الأعصاب “جامشيد باروشا”، تأثير يتجاوز مجرد الاستمتاع، ويتوغل ليصل إلى أماكن في الدماغ يعتقد أن الوصول إليها مستحيل.

وبدأ المختصون الاهتمام بالموسيقى كبديل طبي لأنها تتمكن من النفاذ لأعماق المريض، وما من دواء يفعل ذلك.

تقول الناقدة الموسيقية والطبيبة المتخصصة في العلاج بالموسيقى “كونسيتا تاماينو” إن بنية الموسيقى ومحتواها الشعوري ومخزونها العاطفي المتدفق، قادرة على النفاذ إلى الوظائف الجسدية والعصبية والذهنية للمريض وبعثها بعد أن تكون مطفأة.

ويهتم علم النفس الآن أكثر من أي وقت باستخدام الموسيقى كأداة علاجية في أمراض الوظائف الإدراكية والوظائف الاجتماعية والسلوكية والمهارات الحركية والنمو العاطفي، وتقليص الاعتماد على العقاقير ما أمكن ذلك، باعتبارها في حالات تقطع آخر فرصة للتواصل مع المريض، فلا يعرف أحد ما يحصل في داخله ولا بما يشعر.

الموسيقى في التاريخ

Ancient_Arab-Music.jpg

وسجل التاريخ أسماء اعتنت بالموسيقى وتأثيرها واستخدامها في العلاج.

ويعرف أن الفيلسوف الفارابي اشتهر بالطب وأنه أحد أكبر المنظرين عن العلاج بالموسيقى وهو موسيقي، واشتهر بنظريتَي الفيض ومعاني الفكر اللتين ناقش فيهما الآثار العلاجية للموسيقى، وتأثيرها المبهر على الروح.

وهو الذي ابتكر آلة القانون الموسيقية، وكان عالم مسلم آخر اتخذ نفس الاتجاه، وهو الفيلسوف الكِندي.

أمنحتب المصري القديم أول من استخدم الموسيقى في العلاج وفق دراسات معنية، وأنشأ أول معهد طبي في التاريخ للعلاج بالذبذبات الموسيقية.

وأبقراط كان يعزف الموسيقى على مرضاه وهو أبو  الطب اليوناني.

وأرسطو كان يتعامل مع الموسيقى على أن لها قوة سحرية تطهر العواطف والمشاعر.

وأفلاطون كان يؤكد تأثيرَ الموسيقى على أعضاء الجسم وأجهزته.

وفي الوقت الراهن توجد مراكز عديدة حول العالم تعتمد الموسيقى وسيلةً من وسائل علاج السرطان والإدمان.

وشهد عام 1950 تأسيس الجمعية الوطنية للعلاج بالموسيقى في الولايات المتحدة، وكان هذا تتويجاً لجهود فردية لاقت نجاحاً وأصداء واسعة في حينها تمثلت بعزف الموسيقى على الجنود الذي نجوا من الموت في الحرب العالمية الثانية ولكن بإصابات نفسية وجسدية.

وكانت تلك أولى الخطوات لاتخاذ العلاج بالموسيقى اتجاهاً علمياً أكثر تخصصاً.

من أين بدأت العلاقة بين المرض والموسيقى؟

Baby_Mother.jpg

المرض يجعل الإنسان ضعيفاً لكن بإحساس عالٍ، والموسيقى موجودة في داخل الإنسان، فلا شيء يجيء من العدم، لكننا لا نبدأ بالتفكير، ولا نطرح الأسئلة.

ويبكي الطفل وتضمه أمه لصدرها فيسكن وينام، لأنه ينصت وقتئذ إلى نغم إيقاع دقات قلب أمه وأنفاسها، وهي الأصوات التي ارتبط بها تسعة أشهر في جوفها.

والطفل لا يصف شعوره في كلمات، لكنه يحول مشاعره إلى أفعال.

تضمه أمه في حضنها فيقول: إلى هنا أنتمي. يقول ذلك بطريقته فينام.

وجاءت نتيجة دراسة لأصوات المولودين حديثاً لتكتشف أن في بكائهم نمطاً من طريقة حديث الأم. وذلك يعني أنه قبل أن نولد فإننا نتعلم الغناء مع إنسان آخر.

ما الذي يحدث؟

لا يمكن أن ننكر وجود موسيقى ما في داخلنا، والأغنيات الجميلة التي تشدو بها الأمهات لينام الأطفال تؤكد ذلك.

هل انتبهنا إلى الصغار قبل أن يكبروا، وهم يلهون ويصدرون أنغاماً وإيقاعات خاصة أثناء لعبهم؟

“رسول حمزاتوف” الشاعر الداغستاني الراحل قال في ذلك شعراً:

hamzatov.jpg

“لم أعد أتذكر اليوم

أغنيتي التي بدت لي أمس أعزّ ما لديّ

وهذه الأغنية التي أترنمُ بها اليوم

ربما سأنساها أيضاً بعد انقضاء النهار

غير أن أغنية واحدة تظل منطبعة في قلبي

غنتها لي أمي في اكتئاب مكنون

إن أغنية حب وليدة كهذه

أبداً لا يمكن أن تنسى”.

الموسيقى والأصوات والنغم تحرك أشياء ساكنة، لكننا ما كنا نفهم لماذا؟

ومنذ أن عاش البشر في مجتمعات وهم يتحركون وفق نداءات نغمية وإيقاعات وأناشيد.

الصيادون والجنود المشاة والمزارعون والحطابون، وغيرهم يستخدمون أنغاماً لتزيد قوتهم وإنتاجيتهم.

المدهش أن التفاعل مع النداءات النغمية لا يخص البشر وحدهم، الأمر يستحق بعض التأمل، لكننا في الغالب لا نفعل.

وإعلان (قليل من يدلل أبقاره) لم يكن إعلاناً سخيفاً كما بدا لبعضنا، بل نتيجة علمية، وأثبتت التجارب أن إنتاج البقر من الحليب يزيد أثناء سماع الموسيقى.

إنها لسحر، الطيور.. ماذا تفعل في الحياة؟

وما صوت البحر وأصوات الليل سوى أنغام حياة.

قصة الموسيقى والذاكرة

AliveInside_shot1.jpg

صدر فيلم وثائقي في عام 2014 اسمه “ALIVE INSIDE” وتفاعل معه الملايين داخل الولايات المتحدة وخارجها.

الفيلم فكرته بسيطة لكنه مؤثر جداً.

“دان كوهين” متطوع يعمل في دار لرعاية مرضى الخرف والزهايمر، وبعد أن أمضى ست سنوات في مجاله، اكتشف شيئاً أراد أن يثبته للناس، وطلب من مصور أن يصحبه من أجل تصوير يوم واحد، لكن الذي حصل هو أن المصور لازمه ثلاث سنوات.

اكتشف كوهين أن الموسيقى التي كان يحبها المريض قادرة على أن تعيد إليه تواصله مع الحياة وترجعه إلى طبيعته الإنسانية.

وعرض الفيلم حالات لمرضى يفتقدون الحركة والتجاوب ويعيشون في عالم منعزل مغلق وموحش، مرضى وجدوا أنفسهم مضطرين أن يكونوا في مكان لا ينتمون إليه على نحو مفاجئ، ويشعر المريض منهم أنه منعزل عن الآخرين وبعيد عن عائلته.

فكرة كوهين لا تحتاج غير جهاز تشغيل موسيقى موصل بسماعات عادية كتلك التي يستخدمها الجميع، وتبدأ من معرفة الأغنيات والموسيقى التي كان يحبها المريض في وقت ما. النتائج أبهرت المختصين وأدهشت الجميع.

Aliveinside_shot2.jpg

شيء لا يمكن وصفه في كلمات، الموسيقى مرتبطة بالذكريات والمشاعر وتسجل نفسها في مكان قصي من الدماغ وهو آخر الأجزاء التي يصل إليها الزهايمر.

الألم الجسدي والنفسي بسبب المرض وخسائر الحرب والحب والحياة تغطي الموسيقى التي بداخل المريض ويقتنع أن العالم الخارجي شنيع فيغلق عينيه.

وينسحب تدريجياً ويذهب إلى داخله في عزلة، في محاولة بائسة مع انعدام الخيارات لاستعادة التوازن، وبمرور الوقت يصيبه الخمول أكثر فأكثر ويموت وهو حي، ويجب ألا يحدث ذلك.

واكتشاف الموسيقى المغطاة تحت الألم يدفعهم للغناء مجدداً.

يغني؟ فهذا يعني أنه حي بشكل مؤكد!

وبالموسيقى التي يحبون انتعشت ذاكرتهم وكانت سعادتهم كبيرة، حسناً نحن الآن مثلكم تماماً. قالوا ذلك بطريقتهم.

Aliveinside_shot3.JPG

وطرح الفيلم تساؤلاً مهماً وحساساً: لماذا بإمكاننا إطعام المرضى وإعطاؤهم الماء والدواء، دون أن نستطيع منحهم الحاجة الإنسانية العميقة؟) اكتشاف كوهين يخبرنا أن هذه الحاجة يمكن الوصول إليها.

وأجمع الأطباء المختصون في رعاية مرضى الخرف والزهايمر على أن الطب ليس في وسعه أن يحدث التأثير الذي فعلته الموسيقى في مرضاهم.

شيء لا يمكن تشغيله ولا إدارته بل يعمل تلقائياً، يفتح منفذاً في الذاكرة وتتسع المساحة، وتنفتح الحوارات والمشاعر والأفكار، وتنتعش الذكريات فمن نحن أصلاً بدون ذاكرة؟

الموسيقى تلامس القلب، لكن إلى أي عمق نسمح لها أن تصل بداخله؟

لمسة تظل معنا مدى الحياة، وإبعادها تماماً كتجريدنا من أنفسنا.

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.