الحرب الإلكترونية بين الدول: كيف ابتكرت أمريكا وإسرائيل فيروساً لمهاجمة قدرات إيران النووية؟

zero-days

قدم المخرج ألكيس غيبني أفلاماً وثائقية عن إنرون وكنيسة السيانتولوجي والصحفي الرائد هنتر تومبسون و جاك أبراموف ملك جماعات الضغط الذي يؤثر على السياسة الأمريكية أكثر من أي فرد غيره. وقد حاز غيبني على الأوسكار لكشفه سياسات التعذيب التي اعتمدتها إدارة بوش في فيلم  تكسي إلى الجانب المظلم (Taxi to the Dark Side) الذي أثار الرأي العام بقوة.

لكن فيلم أيام الصفر (Zero-Days) الوثائقي الجديد الذي عُرض في نيويورك ولوس أنجلوس ثم أطلق في أنحاء العالم، غاص عميقاً في عالم الأسرار الاستخباراتية، فقد أراد غيبني أن يصنع فيلماً صغيراً يتحرى فيه أخباراً غريبة لاحظها الكثيرون عام 2010 وسرعان ما نُسيت. تحدثت الأخبار عن اكتشاف نوع من البرمجيات الخبيثة أطلق عليه مهندسو البيانات اسم “ستكسنت”، تميز بأنه أكثر تطوراً من تلك البرمجيات المستخدمة في جرائم الهجمات الإلكترونية العادية، وقد ظهر حينها في أنظمة الحواسيب في كل العالم.

وسرعان ما اتضح أن “ستكسنت” صممته وكالة استخبارات في مكان ما لأداء هدف محدد. لكن من الفاعل وما الغرض من ذلك؟ يعرض غيبني في فيلمه أيام الصفر مقطعاً لجلسة استماع حيث السيناتور جو ليبرمان يسأل شون ماكجورك، الذي رأس لاحقاً وحدة الأمن الإلكتروني في وزارة الأمن الداخلي السؤال ذاته؟ ويؤكد ماكجورك لغيبني أنه كان صادقاً عندما أجاب بعدم معرفته من صمم الفيروس وما الهدف منه. ولم يكن ماكجورك يعرف لأن “ستكسنت” كان سلاحاً سرياً صنعته وكالتا الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية، بهدف إصابة أنظمة الحاسوب في منشأة تخصيب اليورانيوم في إيران. وقد استهدف “ستكسنت” علامة تجارية محددة ونوعاً من وحدات التحكم الإلكترونية تسمى PLC، والغاية منه جعل أجهزة الطرد المركزي تخرج عن السيطرة حتى تتحطم أو تنفجر.

وربما أخّر الفيروس برنامج إيران النووي سنة أو أكثر، في حين حاول المهندسون جاهدين اكتشاف السبب وراء الأعطال المتكررة. وألمح جنرال إسرائيلي في الفيلم، أنه كان سلاحاً بتصميم مبتكر، وكانت الغاية منه أن يكون غير مرئي ليجعل الإيرانيين يَشُكون بقدراتهم الذاتية، لكن الإسرائيليين وبحسب المصادر المجهولة بوكالة الأمن القومي التي تحدثت في الفيلم، صمموا وأطلقوا نسخة مطورة من الفيروس سُمّي “نترو زيوس”، وهو ينشر نفسه من آلة لأخرى ومن شبكة لأخرى، وذلك خلافاً لرغبات شركائهم الأمريكيين وربما دون معرفتهم.

الحرب الإلكترونية ليست رواية خيالية

خرجت النسخة الإسرائيلية المعدلة عن السيطرة، وأصابت شبكات الحاسب في كل أنحاء العالم، وأظهرت للجميع أن الحرب الإلكترونية هي أكثر من مجرد رواية علمية خيالية. وبعد لقاء مع مهندس حاسوب في أوكرانيا صرح بأنه والتقنيين في شركة سيمانتك أمضوا أشهراً يزيلون آثار الفيروس. أما بالنسبة للأسلحة النووية والكيميائية والطائرات بدون طيار، فما إن يخرج المارد من قمقمه فلن يعيده شيء.

في غضون أشهر، كانت الاستخبارات الروسية والصينية والإيرانية تستخدم وحي ستكسنت لتصميم أسلحتها الإلكترونية الخاصة. ومنذ عام 2012 حدثت موجات من الهجمات الإلكترونية على البنوك الأمريكية والأوروبية، أُلقي اللوم فيها على الإيرانيين وكوريا الشمالية والجهات غير الحكومية التي قد تكون أو لا تكون متحالفة مع هذه الحكومات أو الجماعات الإرهابية.

وتستخدم أموال دافعي الضرائب في الولايات المتحدة لتطوير برامج أسلحة سرية لم تطرح للنقاش العام، ثم تستخدم ضد بلد لا تخوض الولايات المتحدة حرباً ضده، دون مراعاة العواقب الناجمة عن ذلك.

لا تعد الحرب الإلكترونية الشكل الأكثر جاذبية للحرب، ولا يفهمها عامة الناس بشكل صحيح، لكن فيلم “أيام الصفر” كشف النقاب عن هذه القضية الخطيرة التي من المحتمل أن تحدد شكل الصراعات الدولية في القرن الحالي.

موقع Salon كان له هذا الحديث مع مخرج الفيلم أليكس غيبني.

2015 Sundance Film Festival Portraits - Day 4

أليكس غيبني

من الواضح أنك صادفت صعوبة في إقناع العاملين بالاستخبارات بالحديث عن “ستكسنت”… فكيف كانت ردة فعل العاملين في هذا المجال بخصوص الفيلم؟

– لدى طرحي الأسئلة عليهم لم يكن لديهم جواب سوى الصمت. أحياناً أظن أنهم خائفون من تسرب آخر، وأحياناً أخرى أظن أنهم يفضلون هذا النوع من التسرب، وتحديداً إدارة أوباما، فهذا الأمر أظهرها بمظهر صارم.

ويمثل موضوع الفيلم قضية من أهم القضايا التي سبق أن طرحتها في فيلم، لكن يصعب تلخيص القضية، وبالنسبة للأشخاص الذين يحاولون فهم الموضوع، هل تظن أن المسألة حقيقية؟

– أظن ذلك. عندما يفكر الناس بشيفرة حاسوب قد لا يبدو لهم الأمر حقيقياً، على الرغم من آثاره العميقة. يبدو الأمر كالدخول إلى أرض غريبة عندما ندرك فجأة كم نحن متصلون، وأننا معرضون للخطر بشكل لم يفكر فيه أحد من قبل. لقد سمعت أنهم يدرسون جنود البحرية كيفية الإبحار باستخدام آلة السدس مجدداً. والسبب في ذلك الخوف من انقطاع الاتصالات المتطورة أو التشويش عليها عبر برمجيات خبيثة أثناء الصراعات، لذا عليهم العودة لأساليب المدرسة القديمة.

أظن أنك تجعل القضية هنا حول التفاعل بين شبكات الحاسوب والعالم الحقيقي، لكن رد فعل الناس سيكون “يا إلهي سيسرقون بياناتي، لا مشكلة سأحصل على بطاقة ائتمان جديدة غداً، ومن يهتم إن قرأت الحكومة رسائلي الإلكترونية”. لكن الموضوع أكبر من ذلك وأكثر خطورة.

– هذا صحيح وهذا ما كان عليه “ستكسنت”. كان هناك أنواع من الهجمات الإلكترونية والأسلحة الإلكترونية قبل “ستكسنت”، لكن “ستكسنت” يمثل يوم الصفر، أي اللحظة التي عبرت فيها الشيفرة عتبة العالم الإلكتروني إلى العالم الحقيقي وبدأت بالسيطرة على الآلات. وهذه نقطة ضعف لم يفكر فيها أحد من قبل. فنحن نتملك بنية تحتية وآلات متصلة بالإنترنت، لأن هذا باعتقادنا يجعلها أكثر كفاءة لكن ذلك يجعلها أيضاً أكثر عرضة لخطر الاختراق.

إن الارتباط بين العالم الرقمي والحقيقي هو ما يجعل هذه الأسلحة فعالة جداً. وقد أوضح مايكل هايدن رئيس وكالة الاستخبارات السابق هذه النقطة في الفيلم، وهناك وجهة نظر واقعية تقول إن الأسلحة يجب أن تكون سرية ففي النهاية هي أدوات تجسس وأسلحة.

Zero-Days electronic war

هناك نقطة وضحها ريتشارد كلارك، الذي تولى مهمة مكافحة الإرهاب في عهد جورج بوش الابن وبيل كلينتون. في نهاية المطاف قررنا كمجتمع أن الأسلحة البيولوجية والكيميائية والنووية خطيرة جداً وتتطلب السيطرة السياسية ودرجة عالية من الشفافية. كيف تعاملت مع ذلك في هذه القضية، عندما تطرقت إلى تسليح برامج الحاسوب؟

– كان الأمر صعباً جداً في هذه القضية، فبالنسبة لما أشار إليه العاملون في سيمانتك (في الفيلم)، يصعب عمل إسناد في العالم الافتراضي، لكنه ليس بالأمر المستحيل، وأظن أن وجهة نظر ريتشارد كلارك جيدة. يردد الكثيرون أن الاتفاقات الأخرى (حول أنواع الأسلحة الأخرى) كانت مستحيلة أيضاً، لكن ماذا سيحدث إذا خرق الناس هذه الاتفاقات؟ هناك حلول تقنية، لكن المشاكل الكبرى هنا أخلاقية وقانونية. يمكنك أن تنظر إلى “ستكسنت” وتقول إنها فكرة عبقرية أن تدمر المشروع النووي الإيراني باستخدام تقنية ذكية وسرية جداً وفوق هذا تجعل الإيرانيين يظنون أنه خطأهم.

لكنها ليست عبقرية عندما تضعها في سياقها، ستكون قد أطلقت سلاحاً واستخدمته في لحظة ثم يتمكن الجميع من فعل ذلك. لا أدري إن كنتم لاحظتم ذلك في الأخبار، لكن وزارة العدل وجهت التهمة لعدد من الإيرانيين بالمسؤولية عن مهاجمة بنوك أمريكية. ويبدو أن الكثيرين في الحكومة الأمريكية توقعوا أن توجه إيران الاتهام لأشخاص محددين في وكالة الأمن القومي لضلوعهم في هجمات “ستكسنت”.

كيف تردون على الأشخاص الذين يقولون “إن الولايات المتحدة وإسرائيل شنتا هذا الهجوم على إيران لتعطيل برنامج أسلحتها النووي، فما المشكلة في ذلك؟”

– المشكلة دائما في العواقب غير المقصودة. كانت عملية تسليح المجاهدين لإسقاط المروحيات الروسية فكرة رائعة، لكنها لم تعد كذلك عندما وقعت هذه الأسلحة في أيدي طالبان.

وكذلك الأمر بالنسبة للطائرات بدون طيار، فهي أسلحة شديدة الدقة يمكنها استهداف الأفراد. واستخدمناها ضد الأشرار الذين ينوون إيذاءنا. ثم بدأت باستهداف المدنيين مما خلّف موجة مضادة لسياسة الاغتيالات، وأصبح هذا أداة تجنيد ضدنا.

لا نجادل في عبقرية فكرة “ستكسنت”. لكن ذلك سيشجع الدول الأخرى على القيام بالمثل، فتصنع برمجياتها الخاصة لتزرعها عندنا، وسنكون الأكثر تضرراً لأننا أكثر اتصالاً بالإنترنت. لقد كان حلاً تقنياً  جيداً، لكنه لم يكن دبلوماسياً أو قانونياً أو حلاً استراتيجياً طويل الأمد.

ربما كان الجزء الأكثر تشويقاً في الفيلم هو المزاعم التي أدلى بها أحد مصادرك المجهولة في وكالة الأمن القومي، وأظن أنها عدة مصادر، فكم عددها تقريباً؟

– حسناً. لن أفصح عن عدد هؤلاء الأشخاص.

هل هم أكثر من شخص؟

– بل أكثر من شخصين. وأعتقد أن الجهاز الذي اخترعناه، كان من الأسباب التي جعلت عدداً من الأشخاص يشعرون بالراحة لما سيقدمون عليه.

zero-days-b1

أريد أن أسأل عن المزاعم بأن الإسرائيليين طوّروا  نسخة أكثر قوة من “ستكسنت”، دون معرفة الجانب الأمريكي بذلك، وأن نسختهم هي التي تسربت من الاحتواء وأصابت شبكات الحاسوب حول العالم. هل تمكنت من التحقق من هذا الأمر؟ وهل هو ادعاء قابل للتحقق منه بكل الأحوال؟

– نعم، إنه ليس كذلك. لم أصل إلى أي شخص قد يقوله بشكل يُنسب إليه، لكننا تحققنا عبر عدة المصادر، هنا وفي إسرائيل. وأظن أننا عرضناه بالطريقة التي حدث بها بالفعل.

إذاً تشعر بأنك أوضحت هذه النقطة؟ وأن وكالة الأمن القومي أو الاستخبارات المركزية لا يحاولان إخفاء آثار وإلقاء اللوم على آخرين؟

– أظن ذلك. أعني هناك من قال إن الأمر لم يحدث بهذا الشكل، لكننا تيقنّا عبر مصادر رئيسية وموثوق بها، دون وجود تنسيق بينها، مما جعلنا متيقنين من معلوماتنا. الأمر الآخر الذي اكتشفناه، أن بنود الاتفاقية حول هذه العملية السرية، تتيح لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل الحق في إجراء تغييرات في الشيفرة من تلقاء نفسه. لذا كان لإسرائيل الحق فيما فعلته، وبحسب معلوماتنا كانت الولايات المتحدة تحثها ألا تفعل.

عندما وقع الهجوم على أجهزة الطرد المركزي الإيرانية، قامت الولايات المتحدة ببعض التنظيف للشيفرة التي خرجت للعالم وألحت على الإسرائيليين عدم إنتاج نسخة أكثر عدوانية. لكن هناك وجهة نظر تقول إن الإسرائيليين أرادوا أن يقولوا للإيرانيين إنهم يستطيعون استهدافهم بهذه الطريقة تماماً كما استهدفوا علماءهم النوويين، إذ يسود اعتقاد بأن الموساد كان وراء اغتيال عالم نووي إيراني ومحاولة قتل آخر. لذا أثيرت تساؤلات حول قضية العمل الاستخباراتي المشترك والتكنولوجيا المشتركة مع بلد ليس لديه أهدافنا الاستراتيجية.

نعم – لا أريد أن أضع الكلمات على لسانك- ، لكن لنقل إنها دولة أظهرت استعداداً لمحاولة تشويه سياساتنا وأهدافنا الاستراتيجية لتتوافق مع سياساتها وأهدافها.

– بالضبط، وهذا ما قاله مايكل هايدن في الفيلم، وذلك فاجأني بالفعل. فعندما كانوا يقدمون لجورج بوش الابن السيناريوهات بعد أن تورط بالفعل في العراق وأفغانستان، اكتشفوا أن الإسرائيليين ليس لديهم القدرة على تدمير منشأة نووية إيرانية، بل لديهم القدرة فقط على جرنا إلى حرب مع إيران، لا نرغب في خوضها.

من الواضح من الطريقة التي بنيت فيها الفيلم واستجابتك ضمنه، وجود جوانب محددة من القصة فاجأتك أو لم تتوقعها، فما أبرزها؟

– أبرزها كان الكشف عن “نترو زيوس”. وهو الاسم الرمزي لبرنامج أكثر طموحاً أطلقته وكالة الأمن القومي والقيادة الإلكترونية في الولايات المتحدة بهدف إغلاق الكثير من البنى التحتية الإيرانية. (تصحيح: اقترحت في مسودة مبكرة أنه كان مطابقاً للنسخة الإسرائيلية من “ستكسنت”، لكن ذلك لم يكن صحيحاً) الواقع أن الأمور تجري بسرعة حتى الآن، حتى إن هذا الفيروس الذي كان حكراً على PLC المتعلقة بأجهزة الطرد المركزي النووية، أصبح اليوم قطعة هائلة من البرمجيات الخبيثة القادرة على إيقاف شبكة البلاد، وكان هذا صادماً بالنسبة لي. وهو يعني كما تحدث أحدهم في الفيلم، أن سيناريو الخيال العلمي للحرب الإلكترونية قادم.

الأمر الآخر الذي سبب مشكلة كبيرة الآن، هو فوقية التصنيف الخرقاء. فعندما يكون هناك الكثير من الأسرار المحفوظة بجشع، يجب ألا يكون مفاجئاً ظهور أشخاص مثل إدوارد سنودن. إن ذلك يضعنا أكثر في وجه الخطر، ويجعل المسؤولين في الحكومة خارج إطار المساءلة. لقد كانت عملية سرية وكان لها عواقب وخيمة.

إنها تشبه حالة تحفظ العاملين في مجال الاستخبارات، عن الحديث عن البرنامج النووي الإسرائيلي. ذلك السر الأسوأ حفظاً في تاريخ الأسرار، إذ يمكنك الحصول من أي مكتبة عامة على معلومات حول كيف ومتى وأين طور الإسرائيليون قنبلتهم النووية، لكن عميلاً متقاعداً للاستخبارات المركزية يتظاهر بأنه لم يسمع بشيء من هذا القبيل.

– صحيح. ولذلك قمت بإظهار لقطات لمفاعل ديمونة في إسرائيل، الذي يمكنك أن تقود سيارتك على الطريق السريع المار بجواره. إنه سر مفتوح، لكن رسمياً، لا يسمح لك بتصويره. وهذا يذكرني بما حدث عندما ذهبت إلى غوانتنامو في 2006، فعندما كنا بصدد تصوير بعض اللقطات ووجهنا الكاميرا في اتجاه معين، أخبرنا أحدهم بأنه لا يمكن لنا تصوير ذلك الجبل،  والسبب أنه مصنف. وأكد لنا ضابط الاتصال ذلك. لذا فتحنا الحاسوب وبحثنا عنه على “غوغل إيرث”.

maxresdefault (1)

المصدر: Salon

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.