لماذا يحتاج المبدعون إلى الراحة؟

sleeping

ليان الغصين

نحن نعيش في ثقافة تشتهر بالكسل. حرارة الصيف لدينا تجعلنا نميل إلى الاسترخاء على الأرائك والأسرَّة والشواطئ أو نستلقي على الأرض، مستمتعين بمقاعد “الديوانية” الملونة، بطبيعة الحال. نحن غالبًا ما نحكم على أنفسنا بسبب الخمول، ونقول: “أنا شخص كسول جدًا” عندما يتعلق الأمر بالقيام بما هو جيّد لنا.

وتزداد الأمور سوءًا في شهر رمضان؛ إذ نتحول جميعًا من الحاجة إلى النوم مدة 6-8 ساعات ليلًا إلى النوم كثيرًا لدرجة أننا نكون بحاجة إلى اليقظة أكثر مما نحتاج إلى النوم. من أخذ القيلولة قبل الإفطار، إلى الدخول في غيبوبة بسبب تخمة الطعام بعد الإفطار، من النوم قبل السحور إلى تناول قطعة برغر عند شروق الشمس حتى نتمكن من النوم قبل العمل، وأثناء العمل، أو حتى في طريقنا إلى العمل، من دون الشعور بالجوع.

ماذا لو كان هناك غرض للكسل؟ ماذا لو أطلقنا عليه اسم “الراحة” بدلًا من “الكسل”، وبذلك، نعطيه فترة زمنية محددة؟ ربما يزداد معدل إنتاجنا إذا منحنا أنفسنا قسطًا من الراحة، مع العلم أنّه عندما تنتهي فترة الراحة سنعود إلى العمل – مثل وقف جرس الغفوة الثالث بالمنبه عندما يحين الوقت للاستيقاظ والاستعداد للعمل.

ومع أنَّ النوم أكثر من اللازم يمكن أن يسبب السكري والسمنة والاكتئاب، فإنَّ النوم فترات قليلة قد يؤدي إلى مشاكل في القلب وفقدان الذاكرة والشيخوخة. والحل هو تحقيق التوازن. والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا في رمضان تحديدًا: “كيف يمكنني تحويل كسلي إلى فترة راحة متعمدة؟” أي “كيف يمكنني الاستفادة من شعوري بالتعب والإرهاق؟”.

الراحة جزء من العملية الإبداعية

https://i2.wp.com/studiu-biblic.ro/wp-content/uploads/2016/02/o-REST-facebook.jpg

إنَّ قيمة الراحة مؤكدة، لأن النوم يحمل نفس أهمية اليقظة. إنّه الوقت الذي تنمو فيه أجسامنا وتحدث فيه عملية “الأيض” أو التمثيل الغذائي (Metabolism)، كما يهضم عقلنا أفكار اللاوعي بداخلنا في شكل أحلام. والأكثر من ذلك، تجعلنا الراحة أكثر إبداعًا.

نعم هذا صحيح! النوم والاسترخاء هما جزء من العملية الإبداعية. في منظمة “نقاط” هذا العام كنا نبحث في كيفية توهج الإلهام، وأثناء البحث اكتشفنا بعض الحقائق المهمة حول كيفية تعزيز لحظات المتعة.

في فصل “التفكير الإبداعي” في كتاب “How Designers Think” أو “كيف يفكر المصممون”، يحدد المؤلف بريان لوسون أساليب بعض المنظّرين والعلماء حول كيفية حل مشاكل الناس وفي النهاية توصل إلى أفكار عظيمة، وألقى الضوء على خمس مراحل للإبداع وهي “البصيرة الأولى”، و”الإعداد”، و”الحضانة”، و”التنوير”، و”التحقق”.

نحن كثيرًا ما نهتم بفترة الراحة، أو “الحضانة”. العديد من الفنانين الكبار يستلهمون أعظم أفكارهم عندما يكونون نائمين أو في فترة الراحة.

كتب موزارت في إحدى رسائله:

“عندما أكون نفسي، كما كنتُ دائمًا، وحيدًا، مبتهجًا، أسافر في عربة، أو أسير بعد تناول وجبة شهية، أو في الليل عندما لا أستطيع النوم، في مثل هذه المناسبات تتدفق أفكاري بغزارة كأفضل ما يكون”.

resting meditation.jpg

ويتحدث الشاعر ستيفن سبندر، عن “تيار من الكلمات يسير في ذهني” عندما يكون في حالة بين اليقظة والنوم. وقيل إنَّ الشاعر الإنكليزي الشهير صامويل تايلر كولريدج استلهم الرؤية التي قادته إلى صور اكسانادو في قبلاي خان، بعد تعاطي الأفيون.

هل هذا هو السبب في أننا نعتقد أنَّ الفنانين كسالى، لأنهم دمجوا الراحة في حياتهم بسلاسة أكثر منا؟

كيف يمكننا، إذن، إعادة هيكلة فترات الراحة في حياتنا؟ أولًا وقبل كل شيء، المفتاح الرئيسي هو وضع الأهداف، وتحديد فترة الراحة.

يجب عليك العمل بجد على الخطوط العريضة للمشاكل التي ترغب في حلها قبل بدء فترة الراحة. بهذه الطريقة، حتى لو بدا وكأنك لا تفعل شيئًا، فإنَّ مخك يعمل دون وعي لحل مشاكلك الأكثر إلحاحًا في العمل والمنزل.

ثانيًا، تعدد المهام أو وجود مشاريع متعددة يساعد على التغلب على الكسل أو عدم وجود الإلهام. إذا كنت تعمل خلال شهر رمضان، على سبيل المثال، ربما تشعر بالتشتت وعدم التركيز. وبالرغم من أنَّ هذا يبدو غير متوقع، فإنّه يساعد في الواقع على منحك المزيد للقيام به. عندما تشعر أنك عالق في سؤال أو مشكلة ما، غالبًا ما يكون من المفيد التركيز على مسألة أخرى. ولكن هذا لا يعني أن تتخلى عن مشاريعك، بل يعني أنَّ العديد من المبدعين “يحتاجون إلى العمل على العديد من الأشياء حتى لا يضيع الوقت في العمل على جانب واحد فقط”.

تقول بريجيد شولت، في كتابها “الاستغراق: كيف نعمل ونحب ونلعب عندما لا يكون لدينا الوقت” (Overwhelmed: How to Work, Love and Play When No-one Has the Time):

“الوقت مثل مجسّم معتم، مساميّ، ليس لديه حواف حادة. ما يهمّ في كثير من الأحيان أكثر من النشاط الذي نقوم به في لحظة من الزمن هو ما نشعر به حيال ذلك. في الواقع، إنَّ مفهومنا للوقت هو واقعنا”

لذلك عندما يمر الوقت ببطء، لا تحاول السباحة ضد التيار. استسلم، واستلقِ على ظهرك وامنح نفسك بعض الراحة المتعمدة، وكن واثقًا بأنَّ هذا سيغذي الإبداع في الصورة الكبرى لحياتك.

Resting Besides Beach

المصدر: Arab Times Online

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.