أهلا بكم في كندا: كيف يستقبل الكنديون اللاجئين السوريين؟

12canadasponsors1-superjumbo

توجهت كيري ماكلورغ في أحد أيام فبراير إلى فندق المطار لتُقل أسرة من اللاجئين السوريين. لم يسبق لكيري أن تحدثت إلى هذه الأسرة التي ستنتقل للعيش في الطابق السفلي من منزلها. ارتفع رنين الهاتف في غرفة عبدالله في الفندق، وكان المتصل هو المترجم ليُعلمه عن وصول الشخص الذي سيكفله.

مع وابل التقارير التي تتحدث عن مأساة اللاجئين ومَشاهد الأطفال الغرقى التي لا تكاد تفارق نشرات الأخبار، تأثر المواطنون الكنديون بمحنتهم، مما دعا الحكومة للسماح لمواطنيها بالتحرك بإيجابية. فأتاحت لمجموعات منهم رعاية اللاجئين وأسرهم. وفي تورنتو وحدها شكلت مجموعات عديدة أمثال أمهات الهوكي وأصدقاء نزهة الكلاب وأعضاء نادي الكتاب ومحامين حلقات لتبني عائلات سورية. وصرحت الحكومية الكندية بأن عدد الكفلاء لديها بلغ الآلاف.

وتستمر كفالة الأسرة اللاجئة عاماً واحداً تؤمن خلاله المجموعة الكافلة الدعم المادي، من الطعام وإيجار المنزل إلى الملابس والمساعدة في تعلم اللغة الإنكليزية وإيجاد عمل. واستطاعت السيدة ماكلورغ المسؤولة عن أسرة عبد الله جمع 40,000 دولار كندي لدعم الأسرة، واستأجرت لهم شقة ونسقت مع مدارس للأطفال كما وجدت لهم مسجداً قريباً.

شقّت السيدة ماكلورغ طريقها عبر ردهة الفندق المزدحمة، فالتقت عضواً آخر في مجموعتها أتى  للترحيب بالأسرة رافعاً لافتة ترحيب بالعربية، لكنه لم يدرِ إن كان يحملها بالشكل الصحيح أم بالمقلوب. بدا عبد الله أكبر سناً من سنواته الخمس والثلاثين أما زوجته إيمان فلم يظهر من ملامحها سوى عينيها، إذ كانت ترتدي النقابن وبرفقتهما أطفالهما الأربعة وهم تحت سن العاشرة.

يصعب على عبدالله تصديق عبارات الترحيب هذه فلم يمضِ على وصوله أكثر من 48 ساعة. عمل عبدالله في محل خضراوات لأسرته، أما زوجته فقد عملت ممرضة. وبعد إقامتهم في الأردن قرابة ثلاث سنوات، لم يعتادوا أن يكون مرحباً بهم، وربما تساءل في قرارة نفسه ما الذي يريده هؤلاء الناس في المقابل.

أثارت أزمة اللاجئين استجابة عالمية، فقد خسر 21 مليون شخص موطنهم، وخُمس هؤلاء من السوريين. وقامت اليونان بإعادة اللاجئين اليائسين إلى تركيا، في حين تسعى الدنمارك لمصادرة ممتلكاتهم الثمينة، وألمانيا التي فتحت أبوابها لنصف مليون لاجئ تخوض معركة ضد الكراهية المتصاعدة تجاههم. وقد تسبب القلق الواسع من الهجرة وتدفق اللاجئين بجعل البريطانيين يصوتون على الخروج من الاتحاد الأوروبي.

في الولايات المتحدة، وحتى قبل هجوم أورلاندو أُثيرت موجة من الفزع من ظاهرة “الذئب المنفرد”. ولم يرغب أكثر المسؤولين الأمريكيين في استقبال اللاجئين السوريين. وذهب دونالد ترامب المرشح الجمهوري للرئاسة إلى أبعد من ذلك عندما دعا لفرض حظر مؤقت على دخول المسلمين لبلاده. ثم صرح أخيراً أن اللاجئين السوريين سيسببون مشاكل كبيرة في المستقبل. وأوباما الذي وعد باستقبال 10,000 لاجئ سوري، اعترف لاحقاً بأن نصف هذا العدد كثير.

أما على الجانب الآخر من الحدود في كندا فيختلف المشهد كثيراً، فقد شهد اللاجئون السوريون ترحيباً واسعاً على الصعيدين الحكومي والشعبي. وتأثر الكنديون بصورة الطفل آلان الكردي الذي غرق قبالة السواحل التركية أثناء محاولة أسرته الوصول إلى أوروبا. كان للطفل صلة طفيفة بكندا، فعمّته تقيم بالقرب من فانكوفر، وتسبب موته في اتهامات متبادلة، ساهمت في وصول جاستين ترودو المتعاطف مع اللاجئين إلى سدة رئاسة الحكومة.

ورحبت صحيفة نجم تورنتو بأول دفعة من اللاجئين تصل إلى البلاد بعبارة “أهلاً بكم في كندا” بالإنكليزية والعربية على صفحتها الأولى. أما الكفلاء المتحمسون فقد جابوا محلات البقالة العربية ليتعلموا ماذا يشترون ويطبخون للقادمين الجدد. ووصفت الصحيفة هؤلاء الكفلاء بأنهم غير صبورين في البحث عن مزيد من العائلات. والتزمت الحكومة باستقبال 25,000 لاجئ ثم رفعت العدد إلى عشرات الآلاف.

وصرح وزير الهجرة الكندي أنه لا يستطيع إحضار اللاجئين بالسرعة الكافية لجميع الكنديين الراغبين بكفالتهم.

وتتضمن إجراءات الكفالة الخاصة قيام المجموعات الكافلة بمساعدة القادمين الجدد على الاندماج في المجتمع. وتأمل المجموعات أن يبني السوريون روابط مع أفرادها على اختلاف مشاربهم سواء كانوا ناشطين أو رجال أعمال سيساعدونهم لاحقاً في إيجاد عمل. وتتضمن المجموعة التي شكلتها السيدة ماكلورغ من جيرانها وأصدقائها، أطباء ورجال اقتصاد ومحامياً وفنانة ومدرسين وصاحب مكتبة.

ويعتقد الناشطون في قضية الكفالة أن بإمكان الكنديين بجهودهم الخاصة تحقيق أكثر مما تستطيع الحكومة إنجازه بمفردها، ورفع عدد اللاجئين. ودعا  بعضهم لتعميم النظام الكندي في الكفالة عبر العالم. وتشير البيانات إلى أن أقل من نصف اللاجئين السوريين بقليل لديهم كفلاء غير حكوميين، بما في ذلك الأشخاص الأكثر ضعفاً، الذين يتلقون مساعدات مالية إضافية. أما البقية فقد وطنتهم الحكومة.

وتجري غربلة السوريين، ويستاء كثير من الكفلاء واللاجئين من ملحوظة أن الأخيرين قد يشكلون خطراً، موضحين بأنهم كانوا ضحايا الإرهاب، لكن المسؤولين الأمريكيين يشيرون لصعوبة ملاحقة النشاط الإرهابي في خضم فوضى الحرب السورية. فقد تسلل العديد من عناصر داعش المتورطين في هجمات باريس عام 2015 إلى أوروبا تحت عباءة اللاجئين.

وبعض اللاجئين في كندا من الطبقات المتوسطة والعليا، واستطاع أحد رجال الأعمال إنشاء شركة تسويق طبية في غضون شهر من وصوله، لكن الكثيرين يواجهون طريقاً طويلاً للاندماج، فبعضهم لم يسمع بكندا من قبل. وعدد لا يستهان به أميون في اللغة العربية مما يجعل تعلم الإنكليزية أو قراءة لافتات الشوارع مهمة عسيرة.

ولا يستطيع المتطوعون توقع ما سيجابهونه، فهل يجب إلزام المرأة السورية بالعمل أم لا، إضافة للضغوط حول كيفية إنفاق الأسر للمال، وبقاء الأسر غير قادرة على إعالة نفسها بعد انتهاء سنة الكفالة، والخلافات ضمن المجموعات الكفيلة.

وبحلول منتصف إبريل، أصبح عبدالله يعيش في شقة وسط المدينة ولدى أبنائه دراجات هوائية يلهون بها في الفناء، ولايزال هو وزوجته يمتلكون مفاتيح منزل السيدة ماكلورغ. كما تعرف عبدالله على الأسواق في الجوار، وتلقت زوجته دورة إرشاد لتتمكن من مساعدة الذين قاسوا التهجير والضياع. وعندما يزورهم ضيوف من الرجال أصبحت تجلس معهم برفقة زوجها على مائدة الطعام بعد أن كانت تتناول طعامها بمفردها في المطبخ. وكثيراً ما عبر عبدالله عن امتنانه لكفلائه لشعور الأمان الذي يغمره.

يعد الكنديون شعباً ودوداً وكريماً، لكن القادمين الجدد يتساءلون كيف يتعاملون مع الكفلاء المتحمسين؟ وماذا يعني أن يُعيدوا تشكيل حياتهم تحت أنظارهم.

الوظيفة… كن مستعداً لأي شيء

عندما يُوقّع الكفلاء أوراق العمل التي تُلزمهم، لا يشرح لهم أحد مهامهم غير الرسمية مثل تعليم اللاجئين وكيفية التصرف في عيادة طبيب الأسنان، أو إقناع الأطفال الذين عايشوا الحرب بارتداء اللون الوردي في المدرسة في يوم مكافحة التنمر وغيرها.

السيد أحمد رب عائلة أخرى كانت زوجته وسام تعاني آلامَ المخاض لإنجاب طفلها الخامس، وانطلقت كفيلته ليز ستارك، وهي رئيسة مجموعة أخرى، تبحث عنه في كل مكان.

ذاق الزوجان الأمرَّين في مخيمات لبنان، فلم يستطيعا إدخال أبنائهما المدرسة بسبب تكلفة التعليم الباهظة. وهناك فقدت الزوجة طفلتها الرابعة بسبب تعسر ولادتها فلم تعش الوليدة إلا ست ساعات، وتخشى تكرارَ ما حدث في حملها الحالي. وحولت مفوضية الأمم المتحدة ملف أحمد وأسرته إلى السلطات الكندية التي مررت ملفهم إلى مجموعة جديدة مخصصة لربط السوريين بكفلاء خاصين، ولديهم 24 ساعة للقبول أو الرفض ولا يملكون سوى القليل من التفاصيل.

وبينما بحثت ليز عن أحمد في كل مكان، كانت بيجي كاراس وهي عضو آخر في المجموعة تلازم زوجة أحمد في المستشفى. وقد أخذت نساء هذه المجموعة من المدرسات المتقاعدات على عاتقهن مسؤولية أن تأتي الطفلة إلى هذا العالم سليمة معافاة. ورعوا وسام وحملوها على إجراء عدة كشوف لدى الأطباء الذين أكدوا لها أن ولادتها ستكون سهلة. وساعدتها النسوة على التعرف على المستشفى الذي ستضع فيه وليدتها، واختيار ملابس جديدة للطفلة، وتعاقدن مع مترجمة من اللاجئين السوريين القادمين أخيراً لكي تساعد في الترجمة أثناء الولادة.

وعندما استطاعت ليز أن تصل إلى أحمد الذي كان يلعب كرة القدم غير مدرك لما يحصل، قادته إلى المستشفى ليكون إلى جانب زوجته. وأصيبت وسام بالذعر، عندما رأى الفريق الطبي ضرورة إجراء عملية قيصرية بشكل عاجل، وبدأت توصي زوجها بأطفالهما، فلم يتمالك الرجل نفسه وبدأ ينتحب.

وأخيراً ظهرت الممرضة لتبشرهم بولادة الطفلة، لكنها كانت بحاجة للبقاء في العناية المركزة للمراقبة. ولم تصدق الأم نجاتها ووليدتها، لكن زوجها المبتهج سرعان ما اتصل بوالده ليبشره بالمولودة التي أطلق عليها والده اسم جوليا.

وعندما عادت الرضيعة للمنزل، انصب اهتمام الكفلاء على إخوتها وهم صبي وفتاة في العاشرة (توأمان) وصبي في الثامنة، فوجدوا لهم برنامجاً للأطفال الذين لم يذهبوا للمدرسة أبداً. أما والدهم فقد بدأ بتعلم الإنكليزية ليجد عملاً، وكانت وسام يساورها القلق حول أبنائها واندماجهم في المدرسة.

ولكل ذلك نهاية، فبعد عام تنتهي التزامات الكفلاء ويجب أن تغدو الأسرة قادرة على إعالة نفسها. ومع إيجارات الشقق المرتفعة في تورنتو لن تكون العائلة قادرة على دفع إيجار يصل إلى 1,400 دولار كندي حتى لو وجد أحمد وظيفة.

وتبدو ليز متفائلة بهذا الخصوص، فقد شهدت حالات مماثلة، فقبل أربعة عقود انضمت إلى الموجة الشعبية الأولى للكفالة الكندية الخاصة عندما ساهم المواطنون في إعادة توطين عشرات الآلاف من الفيتناميين والكمبوديين والهمونج، وساعدت في كفالة ثلاثة إخوة فيتناميين وعائلة كمبودية، ولاحقاً حضرت أفراحهم واحتفلت معهم بذكرى ميلاد أطفالهم، وشاهدتهم وهم يبنون مستقبلهم في تورنتو. تلك المدينة متنوعة الأعراق ونصف سكانها مولودون خارج البلاد، واليوم بعض اللاجئين السابقين من جنوب شرق آسيا يكملون الدائرة عبر كفالة لاجئين سوريين.

وتعتقد ليز بأن بلادها مناسبة جداً لتوطين اللاجئين، بسبب مساحتها الشاسعة ونظام الرعاية الاجتماعية القوي والحكومة التي تؤكد موضوعَ تعدد الثقافات. لم تشهد كندا أحداثاً إرهابية كحادثة 11 سبتمبر أو هجمات باريس أو حوادث بحجم هجوم أورلاندو. وهي لا تمتلك حدوداً إلا مع الولايات المتحدة، ولا تعاني الهجرةَ غير الشرعية، وبرغم مساحتها الكبيرة فإن عدد سكانها نحو عُشر سكان الولايات المتحدة، لذا فهي متعطشة للمهاجرين. ويرغب المسؤولون في أنحاء البلاد بجلب اللاجئين السوريين إلى مقاطعاتهم.

وتقول راتنا أوميدفار الشريكة في تأسيس “لايف لاين سيريا”، وهي مجموعة تربط السوريين بالكفلاء: “نحن مصادفة الجغرافيا والتاريخ”.

ولاتزال المعارضة صامتة حيال هذا الموضوع. ويقول حزب المحافظين إن البلاد تفتح أبوابها لمزيد من اللاجئين، لكنه يدعم قبول اللاجئين السوريين. ويشتكي بعض الكنديين من أن البلاد يجب أن تتطلع إلى مواطنيها أولاً، ونشأت في الأشهر الأخير نسخة كندية عن “جنود أودين” تلك المجموعة الأوروبية المناهضة للمهاجرين. ووقعت حوادث متفرقة معادية للاجئين السوريين ككتابة عبارات عنصرية على الجدران، وهجوم برذاذ الفلفل في إحدى حفلات الترحيب باللاجئين مما أثار استنكاراً واسع النطاق.

عودة لمتابعة العائلات

بعد ولادة جوليا بثلاثة أسابيع جاءت ليز لزيارة الأسرة حاملة كرسياً هزازاً للرضيعة وطاولة بلاستيكية للشرفة. جهزت الأسرة للاحتفال بقدوم المولودة على الطريقة السورية بإقامة وليمة على خروف. أما أحمد فأصبح يأتي لزوجته بالإفطار وهي في سريرها ويعتني بأطفاله، وعندما رأى الرجال في كندا يساعدون زوجاتهم بالمهام المنزلية، قرر أن يفعل الأمر ذاته.

وفي تلك الليلة سلّم أحمد رسالة وصلتهم من المدرسة لليز. كانت تدور حول مشاركة أحد التوأمين، الصبي ماجد بلعبة البيسبول “بلو جايز”، ورأت ليز ضرورة مشاركة الصبي في اللعب، وسيتكفل الكفلاء بالتكاليف.

ترى ليز وأصدقاؤها أن أحمد شديد التدبير، حتى إن القلق يساورهم إن كان يشتري ما يكفيهم من الطعام. وتعلِّق زوجته بأنهم لا يرغبون في شراء ما يزيد على  حاجتهم، لأنهم يقدرون أن كفلاءهم يتعبون لجني المال.

يحب الأطفال المدرسة ويتعلمون فيها الإنكليزية، ولما  أراد أحمد الذهاب بابنته زاهية للبيت بعد موعد عند طبيب الأسنان في يوم مدرسي، رفضت ورغبت في العودة للمدرسة إلى حين انتهاء الدوام المدرسي.

بدأ الأطفال يتحدثون الإنكليزية، لكن والديهم والكفلاء بالكاد يتفاهمون، وغالباً ما يعتمدون على تطبيقات الترجمة الآلية للتفاهم. ولدى الاستعانة بالمترجمين يدور الطرفان في حلقات مفرغة من المجاملات الكندية والسورية. لا تذهب وسام للمدرسة لأنها ترعى صغيرتها الجديدة، وهي تُقر بأن عدم التواصل مع الآخرين أمر صعب جداً ويكاد يُفقدها عقلها.

وواجهت بعض المجموعات تحديات أكبر. فقد تلقى بعض السوريين معلومات عن البلاد قبل سفرهم إليها لتجنب الشعور بالقفزة الجغرافية والثقافية. ويقول سام نامورا وهو محامي دفاع عن اللاجئين في “كالاجاري”، إنه شاهد عشرات الحالات لكنديين من أصول سورية كفلوا أقرباءهم وأصدقاءهم ثم تركوهم معوزين. واشتكى آخرون من عدم تطابق التوقعات مع الواقع. وتذمرت عائلة سورية كانت ميسورة الحال من أن شقتها في الطابق الثاني ومن عدم وجود غسالة آلية بها. وصُدم آخرون بنشر كفلائهم أموراً خاصة عنهم في الفيس بوك والمدونات ليقرأها الغرباء.

ورغم اندماج حياة الكفلاء باللاجئين فإن بعضهم لا يعرف بعضاً بشكل جيد. فليست كل عائلة منفتحة بشأن تاريخها، والكثير من الكفلاء يرغبون في معرفة  الأسوأ، لكنهم لا يريدون أن يسألوا. (أحمد وعبدالله لم يُفصحا عن اسم عائلتيهما وكانا مترددين حول نشر تفاصيل تجربتهم في سوريا لأنهما يخشيان من عمليات انتقام تجاه أقاربهم الذين مازالوا هناك).

والكفلاء لا يُطلعون العائلات على كل شيء يخصهم. فقد سألت إحدى الكفيلات زميلتها إن كانت العائلة التي يرعونها تعرف أنهم يهود.

رعاية بدون إزعاج

هناك بعض القضايا الحساسة المتعلقة بالكفالة الخاصة، مثل لأي درجة يمكن للكفلاء أن يضغطوا على اللاجئين ومتى يمكن للاجئين قول لا؟ وهل يجب أن يسكن السوريون بجوار كفلائهم أم في مناطق يقطنها العرب؟ فالكنديون يدفعون عشرات الآلاف من الدولارات لكل عائلة جديدة، فمن الذي يقرر كيف تُنفق هذه النقود؟

يقلق البعض من تحكم الكفلاء باللاجئين بحكم حماسهم. وقال كمال السوليلي وهو أستاذ صحافة في جامعة رايرسون تعود أصوله إلى اليمن، إنه لاحظ نبرة استعلاء، عندما يتفاخر الكفلاء بجهودهم التطوعية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

عند وصول معاذ وسوسن بالاني وابنهما ذو العامين إلى كندا، كانا مشوشين ووحيدين فأظهر كفلاؤهم الحرص على مساعدتهم. عمل معاذ سابقاً في محل ألبسة يملكه والده، وقدم نفسه لكفلائه عبر إظهار صورة لشقيقه مسجى على الأرض والدماء تسيل من جسده. وكان الشاب قد قُتل في مواجهة بين النظام والمعارضة، وبسبب فوضى الصراع لم يتمكن أحد من معرفة مزيد عن التفاصيل.

تزوج معاذ من سوسن وهي في السادسة عشرة من عمرها، في زواج رُتِّب على عجل بسبب القصف وعدم وجود الكهرباء، ثم نزحا من البلاد وهي تبلغ اليوم 20 عاماً ولم تر أسرتها منذ ذلك الحين.

أقام الزوجان في منزل بالأردن مكتظ بالعديد من الأشخاص، ويفتقر إلى الأسرة والبطانيات، حيث يزحف النمل على ابنهما عبدالرحمن. ولايزال شقيق معاذ يعيش في ذلك المنزل، في حين تهيم أرملة شقيقه المقتول على وجهها في حدائق سورية مع أطفالها الثلاثة، بحثاً عن الطعام. ويعتقد معاذ بأنهم لو لم يأتوا إلى كندا لربما كانوا في عداد الأموات اليوم.

تكفل عائلة معاذ مجموعة من الزملاء السابقين وعدد من أصدقائهم وبعضهم لا تربطهم معرفة سابقة ببعض. هيلغا براير وهي مستشارة أبحاث السوق وإحدى المنظمين، التحقت بقضية الكفالة الصيف الماضي بعد أن شعرت أثناء عطلتها المتوسطية بمعاناة من يركبون البحر بحثاً عن الحياة.

وأصبحت قضية أسرة بالاني حافزاً للكفلاء. فقد وجدوا لها شقة جميلة بالجوار، ووضعوا على جميع الأشياء فيها ملصقات مبهجة تبين اسمها بالإنكليزية، مثل جدار، وباب، وخزانة. لا يتحدث الزوجان الإنكليزية، لذا ساعدوا معاذ في تصوير الطرق التي يحتاج لأن يسلكها. وتبقى إحداهن مع الطفل في دار الرعاية أثناء ذهاب والدته لدروس اللغة. وقد طها الزوجان وجبات سورية عديدة ترحيباً بكفلائهم وعادة ما يقبلون مداخلاتهم برحابة صدر.

أحياناً لا يكتم الكفلاء توجيهاتهم حول الطريقة التي يجب على الزوجان أن يتصرفا بها. وفي حفل عشاء ربيعي تحدثت سوسن عن رحلتها بمفردها عبر المترو، وهو أمر لم تتخيل أن تكون قادرة على القيام به قبل عدة أسابيع. وهنا بادرت الكفيلات بسؤالها عما تريد أن تفعله أيضاً، فتوجهت إلى زوجها بالسؤال إن كان سيسمح لها بالعمل في هذا البلد؟ كان رده بالإيجاب لكنه أردف بأنه لن يسمح لها بالعمل لو كانوا في الأردن، فحتى النساء المحافظات يتعرضن لمضايقات أما المتحررات منهن فيتلقين الأسوأ. لكن الزوجة الطموحة تحلم بدخول الجامعة وأن تنبي مستقبلاً مهنياً خاصاً بها… أهداف تعليمية طموحة جدّاً لامرأة وصلت في تعليمها حتى الصف السابع فقط.

في الوقت ذاته تقلق الكفيلات من أنهن أصبحن والدين بديلين، فعندما يتغيب الوالدان عن دروس اللغة أو يفوتان موعداً عند طبيب الأسنان بسبب سوء الفهم، يحاول الكفلاء جهدهم تبرير أسباب غيابهم. فهل يجب عليهم الذهاب كل صباح لشقة الأسرة للتأكد من ذهابهم لدروس اللغة؟ كما أن الطفل لا ينام بانتظام وربما يعود ذلك لكثرة استهلاك السكر، فالطفل يشرب الصودا على الإفطار، فهل يجب عليهم التدخل وتقديم النصيحة.

ومرت بالسيد نامورا حالات مشابهة. فالكفلاء الكنديون يشعرون بالمسؤولية تجاه مكفوليهم ويرغبون في مساعدتهم وتوجيههم ليحققوا النجاح، لكن السوريين الذين وصلوا أخيرا إلى بر الأمان بعد سنوات من الحرب والتشرد، يريدون التقاط أنفاسهم قبل الانتظام في دراسة اللغة والبحث عن عمل، ويشعرون بأن الكفلاء يتدخلون في خصوصياتهم.

وعندما طلب الكفلاء استشارة من مركز المجتمع العربي وإحدى الأمهات السوريات بخصوص عائلة بالاني، نُصحوا بأن يكونوا أكثر صرامة وأن يلوحوا بغرامات مالية أو إلغاء الكفالة إن لم يتقبل الزوجان التوجيهات. لكن الكفلاء توصلوا إلى حل وسط يتمثل في التشدد في قضايا الصحة والتعليم والتهاون قليلاً في أمور أخرى.

وقبل شهر رمضان بأسابيع قليلة تحدث الزوجان عن إمكانية التغيب عن الدراسة طوال شهر الصيام،  وعللا ذلك بصعوبة الجمع بين الدراسة والصوم مدة تصل إلى 16 أو 18 ساعة، لكن السيدة براير وشركاءها رفضوا الفكرة، لأنهما سيخسران الكثير من الدروس، فخضعت الأسرة لقرار كفلائها. ومن غير الواضح مقدار الحرية التي لدى اللاجئين للتعبير عن اختلافهم مع كفلائهم، ويبدو أنهم  يُحجمون عن الاعتراف بأي شيء سوى الامتنان. وعقّبت زوجة معاذ بأنها وزوجها لم يكن لديهما آراء تختلف عن وجهات نظر كفلائهما، وزعمت بأنها لم تشعر بأن كفلاءهم يُملون عليهم ما يجب فعله.

وفي عطلة نهاية الأسبوع اجتمعت مجموعة كفلائهم في نزهة كان الهدف منها الاحتفال بذكرى ميلاد معاذ. وتأثر معاذ بهذه اللفتة وأشار إلى القيمة الكبيرة لحياة الإنسان في هذه البلاد.

تحول الحديث في الحفل عن أقاربه في سورية، وبدا شارد الذهن أثناء تقديم الكعكة له. وكالكثير من القادمين الجدد عادة ما يتلقى مكالمات هاتفية ورسائل من أفراد أسرته، بعضهم يعانون ضيق حال مروعاً، ولاتفتأ التقارير الإخبارية تتحدث عن المجاعة في المناطق المحاصرة وحوادث الغرق الجماعية في المتوسط.

وعبر عما يعتلج في صدره قائلاً:

“أنا ممتن لهم، ولا أريدهم أن يسيئوا فهمي. إنني أبدو كشخصين أحدهما سعيد والآخر حزين في الوقت ذاته. أنا في أمان في حين أن بقية أسرتي تعيش المعاناة والويلات”.

ويعمل الكفلاء على هذا الجانب أيضاً فهم يحاولون إيجاد مجموعة كفيلة في تورنتو تتولى كفالة شقيقه المقيم في الأردن. وفي أواخر الربيع جاءتهم الأخبار المفرحة، فشقيقه سيصل في نهاية العام. جعل الخبر معاذ يطير من الفرح، وبدأ يخطط لأن يكون مرشداً ومساعداً لأقاربه، فهو يرى أن دوره قد حان ليساعد غيره.

دعوهم يبحرون على طريقتهم

بعد ثلاثة أشهر من لقاء عبد الله للسيدة ماكلورغ، كانت العائلة قد اندمجت في كندا أسرع من توقعات أي شخص. فقد ذهبوا في نزهة إلى شلالات نياغرا، ورقصوا حول سارية الربيع بالأشرطة المزينة. وتفوقت ابنتهم الكبرى بيان على عدائين من جميع مدارس المدينة. أما الصغير ذو الأربع سنوات فكان يحب استخدام تعبيرات جديدة بالإنكليزية عندما تأتي إحدى كفيلاتهم لتعطيهم دروس تقوية في اللغة.

وبرغم الاندماج السريع للأسرة في المجتمع الكندي فإن بعض الأمور قد تسبب صدمة ثقافية، فذات يوم أخذ عبدالله أولاده إلى المسبح العام، ولدى دخوله وجد أمامه امرأة بالبكيني، مما استدعاه للمغادرة على الفور.

تميزت السيدة ماكلورغ بمنهجيتها وتنظيمها للمجموعة الكافلة، لكن الفنانة سوزن ستيوارت كانت العضو الأكثر حيوية ونشاطاً في المجموعة، فلديها قائمة أنشطة لا تنتهي مع الأسرة وتتابع دراسة الأطفال عبر التواصل بالبريد الإلكتروني مع أساتذتهم. وتعمل على تقوية الأطفال باللغة عبر أنشطة ممتعة، وهذا أحد أسباب التقدم الكبير الذي أحرزته العائلة.

وعندما أعرب عبدالله عن رغبته في العمل، ساعدته سوزن في البحث عن عمل بالرجوع إلى مستشار توطين عرض عليه الوظائف المتاحة للاجئين ومن بينها العمل في متجر يمتلكه شخص سوري. وتحدث عبدالله مع صاحب المتجر ودعاه لمقابلة عمل، وبذلت سوزن جهداً في مساعدته على كتابة سيرته الذاتية لتقديمها في المقابلة، فكتبت عن خبراته السابقة ورغبته في تعلم جوانب التجارة وتنظيم الرفوف وعادات التسوق وكل ما يتعلق بأمور المتاجر الكندية.

وعرض عليه صاحب المتجر العمل بدوام جزئي، وكان الكفلاء سعداء بذلك، لكن فرحتهم لم تدم إذ ترك العمل بعد بضعة أيام. وأعرب عبدالله عن صعوبة أن يكون الطرف المتلقي للإحسان خاصة أنه كان له أيادٍ بيضاء على الآخرين في بلاده، لكنه أراد أن يختار بنفسه مهنته التي سيعمل بها بقيه حياته كأن يكون ميكانيكياً مثلاً. وأردف أنه لم يسبق له أن اختار عمله فقد وجب عليه أن يعمل بأي مهنة لكسب لقمة العيش لا أن يقوم بالعمل الذي يريد. وقرر ألا يعمل حتى يتقن الإنكليزية، فقد أحس بأنه عبء على صاحب المتجر لعدم تمكنه من الإجابة عن أسئلة الزبائن، وشعر بالحرج لتركه العمل بعد السعي الحثيث الذي بذلته سوزن لإيجاده. أما السيدة ماكلورغ فقد نظرت للأمر بإيجابية وأن عبدالله بدأ بشق طريقه الخاص في كندا، فهي تعتقد أن وظيفة الكفلاء مساعدة اللاجئين على القدوم إلى كندا وإطلاعهم على الخيارات المتاحة أمامهم.

في منتصف شهر مايو وفي نهاية اجتماع روتيني لعائلة محمد مع الكفلاء أخبرتهم السيدة ماكلورغ بإصابتها بسرطان الثدي، وأنها ستخضع لعملية استئصاله. انقلبت الأمور رأساً على عقب، وأصبحت في موقع الضعف فكانت الأسرة السورية تزورها وتحضر لها الزهور والشوكولاتة. أما الرعاة الآخرون فقد تولوا مسؤولية تقديم الوجبات وغيرها من المساعدة. لم يخطر ببال السيدة ماكلورغ أن المجموعة التي أسستها لمساعدة أسرة لاجئة ستؤازرها في محنتها. ورسمت بيان وبتول ابنتا عبدالله بطاقات مع تمنيات بالعافية للسيدة ماكلورغ باستخدام نفس الألوان التي كتب بها الكفلاء عبارات الترحيب بهم في فندق المطار. وعندما نزلت السيدة ماكلورغ بعد إجراء العملية إلى غرفة معيشة منزلها كان أول ما شاهدته تلك البطاقات.

المصدر: NYTimes