النساء يحكمن العالم: هل بدأ عصر المرأة؟

clinton, may, merkel.png

سحر الهاشمي

هل آن الأوان لأن تفرد المرأة عضلاتها في مجالات القيادة الرئيسية كالإدارة والسياسة والخدمة العامة أم لم يحن الوقت بعد؟

في الحقيقة، إن مسألة “الوقت المناسب” للمرأة كانت دوماً الحجة المفضلة لأولئك الذين يفضلون تحييد المرأة وإبقاءها في الظل وترك دفة القيادة للرجل، لكن السنوات الأخيرة شهدت وصولاً استثنائياً للعديد من النساء القياديات إلى مناصب قيادية مؤثرة وحساسة في البلدان المتقدمة منهنّ:

أنجيلا ميركل مستشارة ألمانيا، وتيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا وهيلاري كلينتون مرشحة الرئاسة الأمريكية عن الحزب الديمقراطي. أما في مجال الأعمال فهناك العديد من النماذج الرائدة منها الرئيسة التنفيذية لشركة بيبسي أندرا نويي التي احتلت المرتبة الرابعة عشرة في قائمة فوربس لأكثر النساء تأثيراً لعام ٢٠١٥ بإدخال تعديلات عديدة على سياسة الشركة ساهمت في زيادة نسبة مبيعاتها، كما ذكرت نفس القائمة كبيرة مسؤولي التشغيل في فيسبوك وأحد أعضاء مجلس الإدارة فيها شيريل ساندبيرغ وهي الشخص الثاني في الشركة بعد الرئيس التنفيذي مارك زوكربيرغ وغيرهن كثير.

وبالرغم من كل تلك الأمثلة، مازال هناك من يعتقد بأن المرأة “خلقت من ضلع الرجل” ولا تصلح للقيادة في مراكز خدمة العمل العليا وأن عليها الاكتفاء بمجالات تلائم طبيعتها الأنثوية أو المباركة على وضعٍ قائم يتفرد فيه الرجل بالقرارات الصعبة والمهمات المستحيلة.

صراع منع المرأة من السلطة قديم قِدم التاريخ، وقد بدأت بدايات متواضعة جداً فكانت تدير أمة من خلف الستار أو تحكم بلداً باسم الوصاية على ابن، كما حاربته بشدة المجتمعات باسم الدين أو العرف أو النظام، وكثيراً ما تعرضت للتشكيك في قدراتها العقلية وكفاءتها العملية ولم تؤخذ مهاراتها الاجتماعية على محمل الجد، ولكن سنين من العمل الدؤوب التي بدأتها بعض المجتمعات إضافة إلى جهود أفراد استمروا يناضلون من أجل قوة الحركة النسوية وتمهيد الطريق لوصول المرأة إلى مراكز قوة كان لها الفضل الكبير في ما نشهده اليوم من نهضة نسائية لاستعادة دور المرأة الطبيعي في جميع المجالات.

التاريخ يشهد للمرأة

fresco-of-nefertari

استحقت المرأة بجدارة تلك المكانة الرائدة التي وصلت إليها، إذ إنها سبق أن تبوّأت مراكز قيادية في عصور سابقة وكانت سمات القيادة والسلطة والدهاء السياسي متوافرة في أكثر من شخصية  نسائية على مر الأزمان.

ففي مصر القديمة، عُرفت حتشبسوت بأنها حكمت مصر القديمة أكثر من عشرين عاماً، وبقيت على العرش أكثر من أي فرعون (1478 – 1458 ق. م)، وشغلت منصب الملكة إلى جانب زوجها واستطاعت بعد وفاته أن تقوم بدور فرعون مصر بنجاح وبنت المعابد والنصب ورممت المعالم الأثرية، ومن ضمنها معبدها الشهير في الأقصر مما أدى إلى ازدهار مصر وضمان رخائها الاقتصادي في تلك الفترة، إضافة الى كليوباترا التي شهدت فترة حكمها زيادة قوة نفوذ مصر وامتدادها عبر البحر المتوسط بتحالفها مع  كل من الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر وقوات مارك أنتوني قائد الجيوش الرومانية.

وفي فترة دولة المماليك (1250 – 1517م) تولت شجر الدر عرش مصر ثمانين يوماً عندما توفي زوجها السلطان الصالح أيوب، وحظيت بمبايعة المماليك وأعيان الدولة أثناء معركة المنصورة، التي تمكنّت خلالها من لعب دور مهم في قيادة الجيش الإسلامي والوقوف في وجه الحملة الصليبية السابعة على مصر.

ويزخر تاريخ بريطانيا بالنساء الحاكمات، ففي القرن التاسع عشر حكمت الملكة فيكتوريا زهاء 64 عاماً (1837 – 1901م) شهدت بريطانيا خلالها ثورة صناعية، وسياسية، وعلمية، وثقافية، إضافة إلى المجال العسكري فقد اتسعت رقعة الإمبراطورية الإنجليزية في عهدها لتشمل الهند وأجزاء من إفريقيا وأستراليا.

https://i0.wp.com/www.victorianschool.co.uk/documents/British_Empire_1897%20PD.jpg

ولم تكن دول الشرق الأقصى وشبه القارة الهندية بمنأى عن حكم المرأة، ففي الهند ترأست أنديرا غاندي الحكومة الهندية لثلاث فترات متتالية (1966-1977) والفترة الرابعة (1980-1984)، وفي باكستان ترأست بينظير بوتو باكستان فترتين، الأولى (1988-1990) والثانية (1993-1996). كما شهد الأسبوع المنصرم فوز وزيرة الدفاع اليابانية السابقة “يوريكو كويكى” بمنصب عمدة العاصمة طوكيو لأول مرة، لتنضم بذلك إلى قائمة النساء اللواتي يرأسن مناصب قيادية بارزة هذا العام.

وفي السنوات الأخيرة عادت المرأة لتدخل قطاعات العمل المتخصصة إلى جانب السياسة والخدمة العامة وزاد الوعي حول دورها في العمل وخدمة المجتمع، وباتت قضية المساواة في المناصب القيادية مطلباً أساسياً بين الشعوب المتقدمة، إلى جانب قضايا أخرى متصلة بها كالمساواة في الأجور بين المرأة والرجل.

المفارقة هنا هو وضع المرأة المتردي في العالم العربي، والذي مازال معكوساً وتطغى عليه النزعة الذكورية، وتستحوذ عليه مبادئ التخلف والرجعية مقارنة بدول أخرى وصلت فيها المرأة إلى مرحلة صانع القرار.

النساء أبرع من الرجال في الإدارة

Main_WomenLeaders.jpg

عندما نذكر بأن النساء مؤهلات لشغل مناصب قيادية فذلك لم يأت من فراغ، هن بالفعل أبرع من الرجال في الإدارة وذلك وفقاً لدراسات مهمة نشرت في  مجلة فوربس في 2012  مفادها أن قوة المرأة تعود إلى عدة عوامل تبرع فيها بشكل أقوى من نظيرها الرجل، منها: الذكاء الاجتماعي، ومهارات التواصل، وتعددية المهام والتركيز.

فحسب الدكتورة ساشا غالبريث وخلال البحث الذي قامت به لرسالتها الدكتوراه تحت عنوان “المنظمات المخصصة للنساء: هل تختلف؟” ذكرت أن الشركات التي أسستها نساء تختلف عن الشركات التقليدية المؤسسة أو التي يديرها رجال.

من ضمن الاختلافات بين الجنسين على سبيل المثال هو تفضيل النساء للعمل في بيئات عمل تتميز بقلة التركيز على الهرمية الوظيفية وشغفهن بتطوير العمل المجتمعي وتعزيز روح المسؤولية الاجتماعية.

وتضيف غالبريث:

“المرأة عادة تفضل مشاركة القوة مع الآخرين بدلاً من المركزية، وأن تكون قنوات الاتصال متعددة الأبعاد والمعلومات متدفقة من عدة اتجاهات، فوق -تحت، وخلف- أمام  ومن الجانبين، وتحب النساء القياديات الاجتماعات لمتابعة وتغطية جميع التفاصيل”.

وتهتم القياديات بقيم بيئة العمل، ولا يجدر أن يفاجئنا الأمر كثيراً لأن السبب الأول لترك الوظائف بين العاملات في مناصب متقدمة هو رغبتهن في العمل في بيئات عمل تعكس قيمهن الوظيفية والإنسانية. ويعني ذلك عملياً أن المرأة عند التوظيف تبحث عن ملائمة الشخص لبيئة العمل بدلاً من الشخص ذي المهارات المتعددة، والسبب في ذلك يُعزى غالباً إلى اعتقادهن بأن المهارات قابلة للاكتساب مع الممارسة والتدريب، ولكن اكتساب الموظف لشخصية جديدة أو شخصية تناسب منصباً معيناً هو من المستحيل تماماً.

من المرأة الحديدية إلى المرأة التي تحارب “ترمب”

https://i2.wp.com/www.slate.com/content/dam/slate/articles/news_and_politics/politics/2016/01/hillary_clinton_bests_bernie_sanders_in_democratic_debate_in_charleston/505435444-democratic-presidential-candidate-hillary-clinton.jpg.CROP.promo-xlarge2.jpg

واليوم توجد أمثلة عديدة في السياسة لقياديات وصلن إلى مكانة مرموقة في مصاف الدول المتقدمة أمثال مستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل التي قورنت بالمرأة الحديدة “تاتشر”، لأنهما تتشاركان نفس البداية، فكلتاهما تحمل شهادة في حقل العلوم البيولوجية. وميركل هي صاحبة سلطة مهمة ساهمت في دفع عجلة الاقتصاد الأوروبي وتوحيد القارة الأوروبية في ظل الأزمات العالمية وقيادتها في ظروف بالغة الصعوبة أثناء الأزمة المالية العالمية.

وبرزت في الأسابيع الأخيرة قيادية أخرى في بريطانيا هي تيريزا ماي التي أصبحت رئيسة وزراء بريطانيا منذ 13 يوليو 2016، وهي بذلك تكون ثاني امرأة ترأس الحكومة في تاريخ بريطانيا منذ مارغريت تاتشر. ولـ”ماي” باع طويل في السياسة المحلية منذ عام 1997 وتولت حقيبة وزارة الداخلية سنوات عديدة، وهي من أصعب المناصب في الحكومة البريطانية، ومن أبرز إنجازاتها أنها نجحت في ترحيل الأردني “أبوقتادة” إلى الأردن بعدما وجهت إليه تهم تتعلق بالإرهاب.

وقد يكون العالم على موعد مع امرأة جديدة لقيادة أقوى دول العالم في الرئاسة الأمريكية من الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون، السيدة الأولى السابقة وأول امرأة تترشح عن حزب أمريكي رئيسي لانتخابات الرئاسة، وهي في سباق زمني مستمر هذه الأيام ضد مرشح الحزب الجمهوري المثير للجدل “دونالد ترمب” الذي سبق أن وجه العديد من الانتقادات للنساء في أمريكا.

المرأة تقود منظمة الأمم المتحدة

UN_General_Assembly_hall.jpg

وإذا كان الوقت قد حان لرؤية نسائية خاصة فلا يوجد أفضل من منظمة الأمم المتحدة لتعطي مثالاً حسناً لكثير من المنظمات حول العالم، فهي منظمة ناضلت كثيراً من أجل قضايا النساء حول العالم وعملت بلا كلل لإبراز قضية المساواة بين الجنسين.

وهو ما يبدو بالفعل، فحالياً يتم النظر في تشريعات عديدة لإيجاد الخلف المناسب للأمين العام للأمم المتحدة “بان كي مون” الذي قاربت ولايته الثانية (والأخيرة) على الانتهاء في ديسمبر من العام الحالي. وبظهور قائمة المرشحين لهذه السنة، فإن 6 من أصل 12 من القائمة المرشحة هن سيدات، وأربع مرشحات تصدرن القائمة إلى الآن لخلافة بان كي مون.

أبرزهن: أيرينا بوكوفا التي ترأست القائمة بسبب خبرتها في إدارة منظمة اليونسكو (وزيرة الخارجية البلغارية السابقة ورئيسة منظمة اليونسكو الحالية منذ 2009 )، وهيلين كلارك (رئيسة وزراء نيوزيلندة السابقة)، وكريستينا فيغويريز من كوستاريكا (الأمينة التنفيذية للاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة حول تغيرات المناخ)، وأخيرا ناتاليا غيرمان (نائبة الوزير الأول ووزيرة الخارجية والاندماج الأوروبي المولدافية). وبذلك ستكون المرشحة الفائزة أول امرأة تتقلد هذا المنصب الذي شغله الذكور منذ نشأة الأمم المتحدة عام 1945.

النهاية ليست إلا البداية

اليوم تترأس المرأة قيادة اثنتين من أقوى دول العالم، وبتحقق فوز هيلاري المتأمل في نوفمبر 2016، فإن ثلاثة من أهم الدول الكبرى (ألمانيا، وبريطانيا، والولايات المتحدة) ستكون تحت سيادة نسائية للمرة الأولى، كما شهدنا العديد من النماذج الملهمة في قطاع الأعمال والعمل الاجتماعي والتطوعي لنساء حققن نجاحات مدوية في العديد من أصقاع العالم.

للأسف لم تظهر هذه الإنجازات المتميزة للمرأة إلا بعد سنوات من التفرقة والاضطهاد وحملات نشر الوعي الثقافي والاجتماعي حول دورها وإمكاناتها في تحمل مسؤوليات بهذا الحجم والمستوى، فلنأمل أن نلحق بركب هذا الامتياز في العالم العربي بدلاً من الدوران في حلقة التقليل من شأن المرأة التي ندور فيها منذ قرون.

There are 2 comments

  1. ابراهيم السيد

    مقال جميل جدا عن العصر الذهبي للمرأة بعموم العالمم من عصرنا الى العصور السابقة

    Like

Comments are closed.