الحرب الأمريكية على المخدرات: السبب الحقيقي لتجريم الكوكايين والهيروين والماريجوانا لا علاقة له بالإدمان

dea drugs.jpg

أثناء تعقب آثار الدمار والموت التي يسببها وباء الهيروين، من الصعب أن نتصوّر أنّه منذ وقت ليس ببعيد كان يمكن شراء العقار من متاجر بيع التجزءة.

اخترع الكيميائيون الألمان الهيروين في أواخر عام 1890 وتم تسويقه من خلال مؤسسة “باير”، الشركة المعروفة ببيع الأسبرين. وخلال عقود طويلة، كانت ربات البيوت في الضواحي تطلّع على صفحات الإعلانات البرّاقة لعقار الهيروين من شركة “باير”، الذي يعالج التهاب الحلق، والسعال، والصداع، والإسهال، والتوتر وانقطاع الطمث. في الواقع، حتى وقت قريب كانت نسبة الأمريكيين الذين يستخدمون الأدوية المشتقة من الأفيون أعلى في مطلع القرن العشرين مما كانت عليه في أي وقت آخر في التاريخ.

كانت الغالبية العظمى من المخدرات غير القانونية التي نراها اليوم قانونية في السابق رائجة، وتُستخدم للأغراض الطبية. ظهر الكوكايين أول مرة كعقار في شكل قطرات لعلاج وجع الأسنان عند الأطفال. واشتهر الحشيش (القنب) بقدرته على تخفيف الألم والغثيان لوقت طويل قبل أن يصبح مرتبطًا بتشرد وانحراف الشباب.

وبينما يتصارع العالم مع تداعيات الحرب على المخدرات ويتجه نحو دورة الجمعية العامة الاستثنائية للأمم المتحدة عام 2016، التي تمثل فرصة محتملة لوضع الأمور في نصابها الصحيح، فإنّه من المهمّ أن نعرف تاريخ هذه الأدوية ورحلتها من علاج البشر إلى أن أصبحت خطرًا عليهم. لم نكتشف فجأة أنَّ هذه العقاقير كانت أكثر إدمانًا أو خطورة من الأدوية الأخرى. في الواقع، إنَّ الأسباب في أنَّ المخدرات مثل الهيروين والكوكايين والماريجوانا وغيرها غير قانونية اليوم لها علاقة بالاقتصاد والتحيّز الثقافي أكثر بكثير من الإدمان.

الهيروين: العقار الشيطاني

Addiction

لقد كان الهيروين أول عقار يسقط من قائمة التفضيلات الصيدلانية ليتحول إلى عقار شيطاني يُباع في السوق السوداء وفي الشوارع. استُخدم فترة طويلة علاجًا للأوجاع والآلام، إلى أن جاء المهاجرون الصينيون إلى الولايات المتحدة للعمل على خطوط السكك الحديدية والمناجم حيث كانت المنتجات القائمة على الأفيون مثل الهيروين تعتبر منتجات خطيرة. لم يكن المستوطنون الأمريكان سعداء بالوافدين الصينيين، الذين جلبوا معهم تقليدًا ثقافيًّا بتدخين الأفيون للاسترخاء في المساء، واتُّهم المستوطنون الصينيين بأخذ وظائفهم، وتحوّل الاستياء الاقتصادي إلى شائعات بأنَّ الرجال الصينيين يغوون النساء البيض ليأتين إلى أوكار الأفيون ويحوّلوهنّ إلى مدمنات. وتحوّلت الشائعات إلى مخاوف، والمخاوف إلى هستيريا سيطرت على السياسيين في ذلك الوقت. في عام 1875 أصدرت ولاية كاليفورنيا أول قانون لمكافحة الأفيون، وأطلقت حملات على أوكار الأفيون الصينية. وسرعان ما تبعتها ولايات أخرى. وكان القانون الاتحادي الأول لتنظيم الهيروين هو قانون هاريسون عام 1914، الذي أدى في النهاية إلى تجريم العقار.

الكوكايين والحرب ضد السود

cocaine

جُرّم الكوكايين لأسباب مماثلة، لكن هذه المرة كان رد الفعل العنيف موجّهًا ضد الأمريكيين السود. بعد الحرب الأهلية، ازداد الاستياء من العبيد المحرّرَين الذين حصلوا على موطئ قدم لهم في الاقتصاد الأمريكي، وتذمر البيض في الجنوب بسبب “نسيان الرجال السود لمكانهم في المجتمع الأمريكي”، والمخاوف من انتشار المخدرات التي يدخنها بعضهم، خاصة بعد انتشار شائعات أنَّ هذه المخدرات تحرضهم على العنف. في بداية عام 1900 أصبحت نيو أورليانز أول مدينة تصدر قوانين لمكافحة تعاطي الكوكايين وسرعان ما انتشر هذا الاتجاه، وتداخل مع الجهود المبذولة في أمريكا اللاتينية لتجريم أوراق الكوكا (عنصر مكون للكوكايين)، التي كانت تُستخدم لأغراض دينية بين السكّان الأصليين.

هل تؤدي الماريجوانا إلى العنف؟

US-HOLIDAY-INDEPENDENCE DAY-MARIJUANA-MARKET

كانت الماريجوانا هي العقار التالي. في فترة العشرينيات، احتدت التوترات في الجنوب بسبب تدفق المهاجرين المكسيكيين الذين يعملون مقابل أجور زهيدة. وبحلول الثلاثينيات، أدى الكساد العظيم إلى حالة من الذعر بين أناس في أمس الحاجة إلى العمل، مما دفعهم إلى توجيه غضبهم تجاه المهاجرين. وبدأت وسائل الإعلام نشر قصص عن المكسيكيين والمخدرات الغامضة، الماريجوانا. وصدر أول قانون يجرّم الماريجوانا، قانون ضريبة الماريجوانا لسنة 1937، وذلك بفضل دفعة قوية من هاري أسلنجر، رئيس المكتب الاتحادي لمكافحة المخدرات، الذي وصف الماريجوانا بأنها “العقار الرئيسي المسبب للعنف في تاريخ البشرية”.

وقد تبدو المزاعم بأنَّ الماريجوانا تحرض على العنف سخيفة بالنسبة لنا نحن الذين نعرف أنها تفعل عكس ذلك تمامًا، إلّا أنّها توضح أنَّ تجريم المخدرات يتعلق بالخطر النسبي. ولكنَّ الدافع الرئيسي لتجريم المخدرات هو الخوف على جماعات معينة ينظر إليها على أنها تشكّل تهديدًا اقتصاديًا أو ثقافيًا على أمريكا وإدراكنا لهذا الواقع لا يعني تجاهل الضرر الحقيقي الذي يمكن أن تسببه هذه العقاقير أو التقليل منه.

معظم العقاقير غير القانونية تحمل المخاطر والاحتمالات الخطيرة للاستخدام الضار، ولكن الغراء له مخاطر أيضًا، والحال نفسه بالنسبة للبنزين، وشراب السعال، وملمع الأحذية، ومادة الطلاء، ومزيل طلاء الأظافر وسوائل التنظيف والطلاء الأخرى، وغسول الفم، وجوزة الطيب، والحبوب الموصوفة طبيًا وعدد لا يحصى من الأدوات المنزلية الأخرى التي لا تسبب الإدمان فحسب، ولكن يحتمل أن تكون قاتلة إذا ما أُسيء استخدامها.

وقد أثبت العلماء الآن أنَّ المخدرات غير القانونية تعادل أي أدوية أخرى في السوق الدوائية. يمكننا بسهولة إعلان أنَّ عقار ” OxyContin” أو “Adderall” غير قانوني، ونشيطن المخدرات والناس الذين يتعاطونها، وفي غضون بضعة عقود لا يمكن لأحد أن يتذكر أن تلك الحبوب سوّقتها في السابق شركات أدوية شهيرة، وكان يصفها الأطباء.

نيكسون وسلاح الخوف

كان الرئيس الأمريكي نيكسون هو الذي واجه هذه المخاوف الاقتصادية التي أدت إلى تجريم المخدرات وحوّلها إلى فرصة سياسية عظيمة. انتُخب نيكسون بعد إقرار قانون الحقوق المدنية لعام 1964 وقانون حقوق التصويت لعام 1965 بفترة وجيزة، وواجه نيكسون العديد من الأمريكيين الذين كانوا خائفين وغاضبين من هذه الإصلاحات. كان نيكسون ماكرًا، وأدرك أن إحدى أفضل الطرق للحصول على الدعم السياسي وتحويل معظم الناخبين ضد الأقلية هو استخدام الخوف والسرديات الكاذبة، وفكرة الدونية الأخلاقية والثقافية. كان أول قراراته كرئيس هو إعلان الحرب على المخدرات على الرغم من حقيقة أنَّ تعاطي المخدرات لم يكن أسوأ بكثير مما كان عليه في أي وقت آخر في التاريخ.

https://fsmedia.imgix.net/32/ac/c0/42/7ad7/42f1/b931/95248768a919/president-richard-nixon-the-war-on-drugs.png

جون ارليتشمان، مستشار البيت الأبيض للرئيس نيكسون، أوضح الأساس المنطقي وراء الحرب على المخدرات في مقابلة مع الصحفي دان باوم، وقال:

“إنَّ حملة نيكسون في عام 1968 أدت إلى ظهور عدوين للبيت الأبيض: اليسار والسود المناهضين للحرب… ونحن نعلم أننا لا نستطيع تجريم معارضة الحرب أو السود. ولكن عن طريق جعل الجمهور يربط الرافضين لقيم المجتمع بالماريجوانا والسود بالهيروين، تمّ تجريمهما، فنحن يمكن أن نكبح جماح تلك المجتمعات، ويمكننا اعتقال قياداتهم، ودهم منازلهم وتفتيت اجتماعاتهم، وتشويه صورتهم في نشرات الأخبار المسائية.”

هل عرفنا الآن أننا كنا نكذب بشأن المخدرات؟ بالطبع.

من خلال مشاهدة فعّالية حرب نيكسون على المخدرات، حذا رؤساء آخرون في كل الأحزاب السياسية حذو نيكسون. ومن خلال فرض نفوذ لا مثيل له على وسائل الإعلام، أطلق الرئيس ريغان فترة من الهستيريا الجماعية على المخدرات، التي كانت تتجسد في الكوكايين خلال الثمانينيات.

وعلى الرغم من أنَّ الدراسات أظهرت أنَّ البيض والسود تعاطوا الكوكايين بمعدلات مماثلة، فإنّ وسائل الإعلام رسمت صورة عن المتعاطين بأنهم من السود الفقراء. وفي أقل من عقد من الزمان، أصدرت الولايات المتحدة بعض القوانين لمكافحة المخدرات الأكثر وحشية في العالم، وكلها تهدف بشكل مباشر إلى “المدمنين” وغيرهم ممن يعدون مجرمين ويستحقون السجن. استمر هذا الاتجاه مع جورج بوش وبيل كلينتون في وقت لاحق، اللذين وقّعا مشروع قانون الجريمة في عام 1994 الذي شمل أحكامًا إلزامية وقوانين الضربات الثلاث الأمريكية.

dea police

وتضخم عدد المسجونين في أمريكا من 500 ألف شخص وراء القضبان في عام 1980 إلى 2.2 مليون شخص بحلول عام 2010، دون أي تغيير في معدلات الجريمة أو تعاطي المخدرات. وقد كان السبب الرئيسي في مثل هذا الارتفاع البرامج الاجتماعية وإعادة توزيع الأموال نحو إنفاذ القانون من خلال مجموعة متنوعة من البرامج التحفيزية، بما في ذلك المنح السخية من الحكومة، ومصادرة الأصول المدنية، والتبرعات للمعدات العسكرية. استفاد السياسيون كثيرًا، وحصلوا على المزيد من الأصوات من خلال خطاب الحرب على المخدرات وتأكيد أنَّ تعاطي المخدرات كان نتيجة الإفلاس الأخلاقي.

وأكّد العلماء الآن أنّه لا يوجد شيء اسمه “طفل تعاطى الكوكايين عن طريق الأم،” هناك فقط أطفال يعانون سوء التغذية بسبب الفقر، والكوكايين لا يختلف عن مسحوق الكوكايين، باستثناء أن تدخين أي مخدر يخلق نشوة أسرع وأقوى إذا تم تعاطيه عن طريق الأنف. ولكن ليس هناك أي نفوذ وهيمنة من العلم والحقيقة على نظام يقوده الخوف. وبالرغم من بعض الإصلاحات الأخيرة في العدالة الجنائية، لاتزال أمريكا هي مستودع السجناء أكثر من أي بلد في العالم، ومعظمهم بسبب المخدرات، ومازالت أمريكا تعتقل 1.5 مليون شخص سنويًا بسبب تعاطي الماريجوانا، و90 في المئة فقط بسبب حيازة هذا المخدر. أصبح إنفاذ القانون مقتصرًا على أموال المخدرات لدرجة أنّه من الصعب أن نتخيّل العودة إلى أيام ما قبل ريغان. وفي كل مرة يتم فيها ظهور عقار جديد، فإنَّ الدافع القديم للتجريم أولًا، يأتي ثمّ التحقيق في وقت لاحق، لايزال يسود حتى الآن.

لقد رأينا بعض الإصلاحات من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الآونة الأخيرة التي تدعو إلى المعالجة في السجون. ولكن هذه التغييرات نادرًا ما تستحق الإشادة، لا لأنّها لا شيء أمام الوحش الذي خلقناه، ولكن أيضًا لأننا لم نتعلم من تاريخنا.

اليوم، كما هو الحال دائمًا، فإنَّ القرارات حول مساعدة أو اعتقال الأشخاص الذين يتعاطون المخدرات له علاقة بالمتعاطين أكثر من علاقته بالأدوية نفسها. لقد كانت العقاقير قانونية مادام البيض، وربات البيوت في الضواحي يستخدمونها لعلاج انقطاع الطمث. ثم أصبح يُنظر إلى المخدرات كرذيلة عندما استخدمها المهاجرون والأقليات الفقيرة ، ثمّ قررنا معالجة هذه المسألة بالمدافع والدبابات وقضبان السجون. نحن نقوم بإجراءات صارمة، مثل تجريم المخدرات وشيطنتها، واستطرادًا، شيطنة الأشخاص الذين يتعاطونها كذلك.

دعوات الرحمة والإصلاح اليوم تحدث في الوقت الذي تنتشر فيه المخدرات مرة أخرى في تلك الأحياء والضواحي. وفجأة أصبح المسؤولون في السلطة لديهم أحد أفراد أسرتهم مدمنة حبوب منع الحمل والأمهات البيض في جميع أنحاء الأرض يبكين بسبب فقدان أبنائهن. وعلى الرغم من أنَّ دعوات العلاج في السجون قد تفيد جميع الأجناس (ولكن ليس على نحوٍ متساوٍ)، من خلال جعل قصص الطلاب البيض كأسباب لماذا يجب علينا تخفيف الإجراءات الصارمة على إدمان المخدرات، نحن نستخدم نفس سردية “المؤهل” مقابل “غير المؤهل “التي خلقت الحرب على المخدرات في المقام الأول.

دون معالجة الأسباب الجذرية لتجريم المخدرات، ستعود سردية الخوف وإلقاء اللوم واعتقال الأقلية الجديدة التي لا نحبها.

gty_drugwarprotest_131010_33x16_1600

التغيير لن يكون سهلًا. في جميع أنحاء البلاد، لايزال المواطنون يصرّون على أنَّ الحرب على المخدرات لا تدور حول العِرق. ولكن الاعتراف بالتاريخ الحقيقي للحرب على المخدرات لا يشبه الإعلان أنَّ الأهمية تقتصر فحسب على أصحاب البشرة المختلفة الذين يتعاطون المخدرات. يمكننا خلق نظام لمعالجة الآثار الصحية المترتبة على الإدمان دون إغفال أي جماعة معينة أو التركيز عليها، ويمكننا أن نفعل ذلك وفي الوقت نفسه نعترف بالجذور الحقيقية للعنصرية في الحرب على المخدرات واتخاذ خطوات لمنع التاريخ من أن يعيد نفسه.

الخطوة الأولى هي أن نعترف بأنَّ قوانين المخدرات الحالية ليس لها أساس في مجال العلوم والصحة العامة، ولكن سبب إقرارها هو التحيّزات العرقية والإثنية المدفوعة بالخوف الاقتصادي والثقافي. العلم قد يكشف زيف السردية الخاطئة بأنَّ المخدرات غير القانونية هي أكثر انتشارًا من الأدوية أو العقاقير المنزلية الشائعة. لقد بدأنا نفهم السياقات الاجتماعية والبيئية التي يمكن أن تجعل الناس أكثر عُرضة للإدمان.

الخطوة الثانية هي “مجرد قول لا” لسياسة الكراهية والخوف. أي شخص يشكّك في الفعّالية السياسية لإسناد مهنة سياسية برمتها على نقد لاذع ضد الأعراق أو الديانات الأخرى يحتاج إلى أن ينظر أبعد من السباق الرئاسي الحالي. وسيستغرق الأمر المزيد من الجهود من كلا الحزبين للعودة إلى الكفاح ضد استراتيجية سياسية لاتزال فعّالة حتى يومنا هذا.

ثالثًا، نحن بحاجة إلى التحذير من الهستيريا التي غالبًا ما تُثار في كل مرة يظهر فيها دواء جديد. إذا نوقش تجريم المخدرات، يجب أن نضع عبء الإثبات على عاتق الطرف الذي يريد تجريم المخدرات. العلم والحقيقة، لا الخطاب السياسي، يجب أن يكونا أساس اتخاذ القرار بشأن كيفية معالجة كل تحدٍّ جديد بطريقة مناسبة.

وفي النهاية، يجب علينا أن نفعل هذه الأشياء قبل أن نبدأ محو الأضرار الناجمة عن السجن الجماعي، والعنف المنظّم والإدمان على نطاق واسع. وإذا لم نعترف بتاريخنا، فنحن محكوم علينا بتكراره مرة أخرى.

المصدر: Salon