خلف الأبواب الموصدة: كيف نضع حداً لتعنيف الأطفال؟

child abuse

ديمة كيلاني

كل منا تأثر في تكوين شخصيته -بجميع طياتها وانحناءاتها- بعائلته الصغيرة التي نشأ فيها، فمنذ ولادة الطفل تكون له حقوق وحاجات يجب أن يوفرها والداه، بدءاً من حقه في الحياة والأمان، وتوفير الحاجات الأساسية من الطعام والمأوى، والرعاية الصحية، والتعليم، وصولاً إلى حاجاته العاطفية بتوفير الحب والاهتمام والانتباه غير المشروط.

فالتربية إذن فن ومهارة لا يحصل عليها الآباء بمجرد ولادة الطفل، لذلك، وفي ظل غياب هذه الرعاية نجد مجتمعاتنا تعج بقصص تعبر عن تجارب تجردت من معاني الإنسانية واعتدت على براءة الطفولة بسبب انتشار الاعتداء اللفظي والجسدي على الأطفال.

تعنيف الطفل وفقاً لجمعية حقوق الطفل (CRC) في منظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF) يشمل جميع أنواع الإساءة أو الإيذاء الجسدي أو الذهني، كالإهمال أو استغلال الطفل بما في ذلك الاعتداء الجنسي، وهذا ينطبق على الطفل تحت رعاية الآباء والأمهات البيولوجيين أو الأوصياء القانونيين أو كل من يقوم مقامهم.

استرجل!

title

قبل أسابيع، نشر الناشط على موقع يوتيوب ومواقع التواصل الاجتماعي شريف جابر والبالغ من العمر 23 سنة على شبكة فيسبوك رسالة إلى والده في ذكرى وفاته السادسة، أوضح فيها تعامل والده الوحشي معه من إهانة وتعنيف لفظي وجسدي،  وكان العذر الذي يستخدمه والد شريف: “أنا بعمل ده عشان مصلحتك”.

ومن المواقف التي ذكرها شريف:

” فاكر لما كنت بتضربني عشان لما بتشتمني ببكي بسرعة ؟!.. وكنت بتقولي استرجل؟!”.

” فاكر لما كنت فرابعة ابتدائي ودرجات آخر السنة مكنتش عاجباك؟!.. لما فضلت طول اليوم تضحك معايا وكإنك فرحان.. وفنص الليل قلتلي أنا آسف يا شريف انا مش هعرف أنام إلا لما أرتاح وأضربك ؟!”.

“فاكر لما جبت فنتيجة الشهر بتاعة المدرسة درجة معجبتكش فتالتة إعدادي؟! .. لما ربطتني وقلعتني وفضلت تضرب فيا وقلتلي هعد 100 ضربة ولو طلعت صوت هعيد الضرب تاني من الأول؟!.. فاكر لما فضلت تضرب فيا أربع ساعات.. وكل شوية تعيد من الأول ؟!.. أنا فاكر!”.

“فاكر لما كنت بتقول إن الحالة النفسية والهدوء اللي انا كنت دايما فيه سببه جن.. وأخدتني لشيخ عشان يخرجه مني؟!”.

ثم أنهى خطابه مع والده بذكر ما تركه في نفسه من أذى حتى يومنا هذا:

“إنت حاولت تزرع جوايا كره مبيهداش.. وخلتني أحس يعني إيه إن الواحد يخسر نفسه.. تخيل.. لما 6 سنين بدونك.. و23 سنة.. ومازلت إنت الكابوس الوحيد اللي بيجيلي بالليل وبصحى معيط منه.. تخيل إن موتك نفسه.. مش كفايه..”.

لاقت الاعترافات التي أفصح عنها شريف العديد من ردود الفعل في المجتمع الشبابي المصري، حتى شارك البعض بتجربته الخاصة، وهذه بعض المقتطفات منها:

312

المحزن أن البعض قد لا يتعجب عند قراءة هذه القصة لأننا قد اعتدناها، بل إن الكثير قد عاشها بصمت، وقد يكون ذلك لأن مجتمعاتنا العربية عاطفية بطبعها، وقد يقول البعض إن الغاية تبرر الوسيلة وإن النية هي ما يجب أخذه بالحسبان، فرضا الله من رضا الوالدين وعار عليك إن تكلمت، فتكون النتيجة مجتمعاً مشوهاً أخرس، وإن تكلم أحدهم تلام الضحية قبل الجاني، بل ويطالب بغفران الجاني -لأنه والدك مهما كان، دون اعتبار للتجربة الأليمة التي قد تمر بها الضحية.

هذه ليست استنتاجات من نسج الخيال، فها هي بعض الردود التي أتت على ما كتبه شريف:

87456

الشخصية الازدواجية

كان شريف من خلال سرده للأحداث يسلط الضوء على ما تحمله شخصية المعتدي من ازدواجية، إذ يظهر أمام المجتمع الخارجي بمظهر مختلف تماماً عما يظهره لأبنائه مما يصعّب كشف هذه الشخصيات، وتتجلى هنا ضرورة نشر الوعي الأسري في الإبلاغ عن هذه الاعتداءات ووضع حد لها، وذلك بتسليط الضوء عليها.

فهل من سبيل لإنهاء هذه الازدواجية التي تعيش فينا وبيننا؟

“حتى يتربى!”

child-abuse-sad-boy-sitting-home-stairs-depressed-feeling-miserable-neglecting-offender-hi-res-dreamstime_36198812-1200x661.png

انتشرت عبر الشبكات الاجتماعية وعدة مواقع إخبارية قصة “عطا” ابن الـ7 سنوات في قرى الدقهلية شمال القاهرة في مصر الذي كبله والده بسلاسل حديدية غليظة من عنقه ويديه وقدميه على سلم منزله مدة اختلفت عليها المصادر بين 30 و40 يوماً، وظل رافضاً فك أسره حتى اشتكت شقيقتا الجاني إلى مديرية أمن المنطقة التي فكت أسر الطفل، فاتّضح وجود تورمات خطيرة مكان تقييده.

وفي يونيو 2015 تناول برنامج “للنشر” الذي يعرض على قناة الجديد اللبنانية قضية أب عنّف ابنه بأفظع الطرق، فقد  ربط الرجل ابنه “وليد” البالغ من العمر 10 سنوات من قدمه  بجنازير حديديّة، وعلقه بسقف الغرفة عدة أيام كان يجلده خلالها، وكان يطلب من زوجته أن تشارك في ذلك “حتّى يتربى”.  

وأُبلغت السلطات بقضيتَي عطا ووليد، لكن بعد فوات الأوان، فطفل السابعة قيد كالحيوانات بل أسوأ مدة شهر حتى تم الإبلاغ عن والده، أما وليد فقد قضى تحت التعذيب بمعرفة أهله وجيرانه سنوات حتى تم الإبلاغ عن والديه، أيجب أن نصل إلى هذه الشناعة حتى نتخذ موقفاً إيجابياً؟

هذه مجرد نماذج من الواقع الذي نعيش فيه، ويوجد الكثير خلف الأبواب المغلقة.

تعنيف الطفل لا يأتي بفائدة

لا يقتصر تعنيف الطفل على الاعتداء الجسدي فحسب، فالعنف اللفظي سواء باستخدام الشتائم أو الألقاب المهينة أو السخرية أو التهديد كان له JPA1علاقة وثيقة بجعل الطفل شخصية انطوائية و بروز ميول لديه إلى إيذاء النفس والتسبب في تأخر النمو المعرفي، وعلى ذلك ستكون نهاية الطفل أحد شيئين: إما أن يكون شخصية انهزامية معرضة لأن تكون ضحية عنف واعتداء مجدداً دون أن تقف وتدافع عن نفسها، أو يتحول الضحية إلى جانٍ، فتتكرر بذلك دائرة العنف.

وساوت بعض دول العالم قضائياً بين الاعتداء اللفظي والجسدي على الطفل، حتى إن القانون الدولي يحمي الطفل ضد التعنيف بغض النظر عن مرات تكراره، وعن شدة الأذى أو نية المعتدي مادام الاعتداء قد منع حق الطفل المطلق في الكرامة الإنسانية وسلامته النفسية والجسدية. وقد وجدت جامعة هارفرد (الرابط يتطلب اشتراكاً) أن الطفل الذي يتعرض لإساءات لفظية بالشتم والسب والإهانات المستمرة يصاب بأعراض اضطرابات ما بعد الصدمة PTSD تماماً كتلك التي يتعرض لها الجنود بعد الحرب.

 وتشير الإحصائيات أن 63% من الآباء في الولايات المتحدة قد استخدموا الإساءة اللفظية في تعاملهم مع أبنائهم، فكم تكون هذه النسبة يا ترى في. وطننا العربي؟

stats

أشارت دراسة لليونسيف أُجريت عام 2014 تحت عنوان “المخفي في العلن: تحليل إحصائي للعنف ضد الأطفال”، إلى بيانات عالمية لأطفال
تتراوح أعمارهم بين سنتين و14 سنة تعرضوا للعنف الجسدي واللفظي “التأديبي” مدة شهر، ووجدت أن 7 من 10 أطفال يتعرضون للعنف النفسي واللفظي وأن 6 من 10 أطفال يتعرضون للعنف الجسدي، وكان للدول العربية المراكز الأولى في هذه الدراسة، فأعلى نسب العنف النفسي واللفظي توجد في اليمن حيث تعدت نسبة 90%، وأعلى نسب العنف الجسدي موجودة في مصر وتجاوزت 80%.

وهناك دراسة أخرى في المملكة العربية السعودية قام بها برنامج الأمان الأسري الوطني، أثبتت أن 80% من الأطفال في السعودية قد تعرضوا للعنف الأسري النفسي والجسدي، وفي عام 2013 سجل مركز حماية الطفل المتمركز في مستشفى في الرياض 200 حالة طفل ضحية عنف، 80% منها كانت نتيجة عنف جسدي بالغ و20% كانت نتيجة عنف جنسي.

وعندما نقرأ هذه النسب من الصعب أن نعي أنها أكثر من مجرد أرقام وبيانات، فهذه حياة أطفال يعيشونها، بل يعانونها كل يوم.

ما الحل؟

123

“مش كل مرة بتسلم الجرة”، فالخطوة الأولى هي أن نعترف ونؤمن بضمائرنا أن تعنيف الأطفال أمر غير مقبول بتاتاً بغض النظر عن سببه أو نوعه أو مدى قساوته، فلا شيء يشفع للإساءة، فهو ليس “جرة” بل أكثر بكثير، هو إنسان وهو طفلي وطفلك، فقد بات الجميع معرضاً لأن يكون ضحية عنف في مجتمعاتنا العربية. يجب علينا أن نرتقي عن الخرافات السابقة التي تحكم عقولنا ونخرج من إطار العيب و”هذا لمصلحته” الذي رسخته فينا ثقافاتنا السابقة، فتفشي الإساءة للطفل في مجتمعاتنا ودرجة الوحشية التي بلغتها تحتم علينا كأفراد أخذ موقف حازم ضدها،  فلن نتمكن من بناء وطن دون بناء الفرد، ولن ينهض مجتمع يضطهد أطفاله ليكبروا بشخصيات غير سويّة نتيجة ظلم مجتمعهم. لذلك، فإن احترام آدمية الإنسان، والإقرار بمنطق أن الطفل أضعف جسمانياً من أن يدافع عن نفسه، وأنه أقل حيلة من الكبار والبالغين في المجتمع، والاعتراف أن تعنيفهم أمر غير مقبول، ما هو إلا بداية بسيطة لاحترام الإنسان وبناء شخصيته السليمة.

وهناك محاولات في وطننا العربي لوضع حد لمظاهر تعنيف الطفل، فأطلقت مصر الخط الساخن الوطني لحماية الطفل 16000، وفي عام 2013 قامت بحملة لمواجهة العنف الجسدي والنفسي ضد الطفل في المدارس ومن خلال الإعلام، واستطاعت الوصول إلى 118ألف شخص من ضحايا العنف، وفي السعودية أيضاً أطلق برنامج الأمان الأسري الوطني الخط الساخن 11611، أما في الكويت فأطلقت اللجنة الوطنية العليا لحماية الطفل الخط الساخن 147، وفي الأردن أطلقت مؤسسة نهر الأردن الخط الساخن 110 لحماية العائلة والطفل، وهذه عدد بسيط من الدول العربية المساهمة، لكننا مازلنا بحاجة إلى المزيد من الجهود والاهتمام، فالعالم المتقدم أدرك أن الأطفال هم ذخر الدولة وكنزها، فسن القوانين التي تحميهم وطبقها، حتى إنه ألزم قانونياً أي معالج طبي يشك في رعاية الطفل أو أن سبب إصابته بالأذى كانت نتيجة إهمال أن يبلغ الجهات المسؤولة أو الخدمات الاجتماعية بذلك.

تعنيف الطفل قضية كبيرة لها أبعاد كثيرة، فبعد الاعتراف بخطورتها ووجود رغبة جادة للتغيير يجب إعادة هيكلة قانون الأسرة لحماية الطفل، ويجب ألا نكتفي فقط بسن قوانين، بل نطبقها على أرض الواقع ونراقب طريقة تطبيقها، فالوعي وحده لا يكفي بدون مساندة القانون له ،حتى لا يستخف الجاني بالعقوبة. كذلك استغلال دور الإعلام التوعوي لإعطاء صوت للطفل، ووضعت مؤسسة الطفل والمراهقين في خطر (ANAR) في إسبانيا إعلانات تقول: “إذا كان هناك أحد يؤذيك فاتصل على 116111 ونحن سنساعدك” يستطيع الطفل تحت 10 سنوات فقط رؤيتها، وفي الوقت نفسه تعطي رسالة للبالغين عن صعوبة اكتشاف هذه الظاهرة وأن التعنيف قد يكون ظاهراً فقط للطفل الذي يعانيه:

و توجهت بعض الجهود العالمية إلى إعادة التأهيل وتوفير الدعم اللازم للطفل الذي تعرض للعنف والعلاج النفسي، وتوفير المساندة والتعليم الكافي للوالدين لكسر الحلقة المفرغة من الإيذاء، وهذا ما تدعو إليه مؤسسة العقدة الزرقاء في سيدني بأستراليا، حيث تقوم بتوفير منصة لمساعدة البالغين الذين تعرضوا لصدمة خلال طفولتهم، لأنهم أدركوا بأن كل فرد في المجتمع هو قيم، وأن من تعرض للإساءة ليست حياته “مكسورة” أو غير قابلة للإصلاح.

إذا كنا فعلاً نريد التغيير فعلينا أن نبدأ من أنفسنا، أو كما يقال “كن أنت التغيير الذي تود رؤيته في المجتمع”، فكل فرد منا مسؤول عن حياته.. وإن كنت تنتظر شخصاً لإنقاذك، أو إصلاحك، أو مساعدتك فإنك تضيع وقتك، لأنك أنت فقط لديك القوة والقدرة لإحداث تغيير في حياتك والمضي قدماً فيها، وإن كنت تتعرض للعنف فتكلم! اكسر سلسلة الصمت، فكونك ناجياً من العنف لا يعيبك كإنسان في شيء، وإن كنت تمارس هذا النوع من العنف التأديبي فمازال لديك المجال للتحسن والنهوض بنفسك، وإن كنت شاهداً على هذه الحالات -فمن الممكن أن تعرف الطفل المعنف ومن الممكن أيضاً ألا يكون الجاني غريباً عنك، فقد يكون أحد أقربائك، زوجك، أو صديقك أو جارك، كن جزءاً من إنقاذ هذه العائلة، يجب ألا نقف مكتوفي الأيدي وأن نساهم جميعنا في حل هذه القضية الشائكة.

There are 2 comments

  1. Asmaa deeb

    دائما نبحث عمن يعلق الجرس؟ ولقد قمتي بذلك بمقالك القيم وعلينا وعلى الأفراد والمجتمع ككل والحكومات بالسعي لوقف تعنيف الأطفال وتثقيفهم بحقهم بحياة كريمة.

    Like

Comments are closed.