كيف تم التلاعب بذاكرة الكويتيين لكراهية العراقيين؟

Gulf-War-Kuwait_Ulan.jpg

شيخة البهاويد

في الثاني من أغسطس عام ١٩٩٠، قرر الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين احتلال دولة الكويت، وهنا لن نتطرق إلى تحليل الأزمة السياسية والاقتصادية التي أوصلت البلدين إلى هذا الحد غير المسبوق، فلم يكن الشعبان يتبادلان إلا المودة في العلاقات بينهما، وشهدت العقود السابقة للغزو تبادلًا ثقافيًا مهمًا بين البلدين، وكثير من العوائل كانت تربطها علاقات نسب فيما بينها.

 

photo_2015-12-08_01-25-39

تعتبر الكويت “بلد مهاجرين”، إذ تأسست على يد عديد من القبائل والعوائل المهاجرة من أقطار عدة، وبالطبع كان من بينهم من هم من أصول عراقية استوطنوا الكويت منذ بداية تأسيسها، ومنذ ذلك الوقت وحتى حدوث الاحتلال كان الكويتي يفخر بانتسابه لسلالة ذات أصول عراقية، وعلى الجانب العراقي فالثقافة البصراوية (من البصرة) قريبة جداً من الثقافة الكويتية، ولا ينسى أبدًا ما شهدته العقود ما قبل عام 1990 من تبادل ثقافي وفني بجميع مجالاته التشكيلية والمسرحية والتلفزيونية والغنائية وغيرها، نابعًا من تقارب شعبين انعكس على الفن “مرآة الشعوب”.

كما شهدت ثمانينيات القرن المنصرم أوج الفخر الذي كان يكنه كثير من الكويتيين للحرب التي شنها العراق برئاسة صدام حسين أيضًا على إيران، حينها لقبه الكويتيون بحامي البوابة الشرقية، وقاموا برفع صوره في العديد من منازلهم كقائد مغوار.

 

ta

كل هذا توقف عند نقطة 2 أغسطس 1990، فبعد استيعاب الصدمة وحقيقة الاحتلال، شعر الكويتيون بكراهية شديدة تجاه بلد بأكمله لا صدام وحده، كان الجرح مفتوقًا لما شهدته الدولة من قتل وتعذيب واغتصاب ونهب وسرقات من الجانب المحتل، شعر الكثيرون ممن ينتسبون إلى أصول عراقية بالخجل من ذكر ذلك، البعض كان يغير لكنته والآخر يكذِّب كون أصوله عراقية ناسبًا نفسه إلى غيرها.

بعد تحرير الكويت عام 1991 كان الشرخ كبيرًا بين الشعبين، وكان تعميقه ممنهجًا كردة فعل لما حدث، فالطلاب في المدارس كان يتم الطلب منهم تغطية صور العلم العراقي من على كتبهم، من هنا بدأ جيل ترى الدولة أنه يجب أن يتعلم عدم وجود هذا البلد على الخريطة، أن ينسف وجوده!

المسرح الكويتي أنتج عشرات المسرحيات منذ التحرير حتى وقت قريب يسخر فيها من العراقيين، بعضها يتمحور حول الغزو كما في مسرحية “سيف العرب” الشهيرة التي تتناول شخصية صدام حسين مؤديًا دوره الفنان عبدالحسين عبدالرضا، أو سلسلة مسرحيات “مخروش طاح بكروش” من بطولة طارق العلي وأحمد جوهر وولد الديرة (خالد العقروقة) والتي تتناول فترة الاحتلال ثم فترة التعويضات في جزئها الثاني “طاح مخروش “التي حصل عليها الكويتيون بعد التحرير وفترة القبض على صدام حسين في “نهاية مخروش” وهي آخر السلسلة.

fnkuwait-a1b66494f3

كما تناولت عدة مسرحيات موضوع الاحتلال كـ”عاصفة الصحراء” من بطولة عبدالعزيز المسلم ومريم الغضبان وطارق العلي وابراهيم الصلال، ومسرحيات أخرى كلها تتناول ذات المواضيع وذات الإفيهات، تسخر من “همجية العراقيين” و”تعليمهم المتدني”، بعضها الآخر لا تتمحور قصته حول الحدث، لكنها لا تخلو من ازدراء وألفاظ تسيء للعراقيين وتسخر منهم، ربطت هذه الأعمال في أذهان الأجيال صورة العراقي بالرجل الهمجي القادم من الكهوف الذي يأكل “كريم نيڤيا” معتقدًا أنه قيمر(قشطة)، والمرأة العراقية بالراقصة ملقبة بالماجدة كما درج صدام على تلقيبها، رغم كل ما يحمله العراق من علم وثقافة وفن وحضارة عريقة، ربما كان ذلك لأن من ساعد المحتل وتواجد على أرض الكويت كان من البسطاء، أو ربما لأن الكوميديا عملية كاريكاتيرية تبالغ بالواقع وتضخمه، وبغض النظر عن الجودة الفنية لهذه المسرحيات ومدى رواجها واعتبار بعضها من أهم الانتاجات المسرحية الكويتية، إلا إنها لم تكن سوى ردة فعل واستخدام للفن كأداة لتفريغ الغضب الشعبي بالإضافة لتكريس صورة الخير والشر في المخيلة الجمعية.

استمرار مثل هذا التنفيس وإعادة تدوير الكراهية ربما يكون بسبب عمق الجرح الذي خلفه الإحتلال والذي استمر ألمه بسبب وجود أسرى من الكويتيين في الأراضي العراقية لم يتم اكتشاف وفاتهم إلا بعد سقوط نظام صدام في 2003.

 

1377

المشكلة تكمن في أجيال تربت على هذه الأعمال، زال الغضب وظلت العنصرية  تجاه شعب هو أيضًا ضحية طغيان، كبر جيل الثمانينيات والتسعينيات من الكويتيين على اعتبار كلمة “عراقي” شتيمة، المثقفون أيضًا لم ينجوا من الهياج العاطفي، تقول الأديبة ليلى العثمان أن رابطة الأدباء كانت قد خصصت يومًا للدوس بالأقدام على العلم العراقي وأنها رفضت ذلك باعتبارها لا تحمِّل العراق بأكمله مسؤولية ما حصل.

لم يكن متوقعًا على أية حال من الجماهير أن تتعامل مع مشاعرها بعقلانية تفصل فيها بين الطاغية وضحاياه، وبين ردة الفعل والعنصرية، لكن العمل الممنهج من قبل الدولة ممثلة بوزارة الاعلام كان مثيرًا للحيرة، فعلى ما يبدو أن الدولة كانت تريد نزع ذاكرة المواطن وتغييرها، ليعتقد في مخيلته أن العراقي كان دائمًا العدو ولم يكن هناك أي ود بين الشعبين في عملية تعزيز للكراهية وتلاعب بالذاكرة الجمعية، وهي المعضلة الأكبر هنا، كيف تم التلاعب بهذه الذاكرة بحيث صار العراقي عدواً منذ الأزل؟ أوليس هذا شبيها بما ذكره الكاتب الإنجليزي الشهير جورج أورويل في روايته الشهيرة 1984؟

كان يتم قطع مشاهد مهمة من الأعمال الفنية الكويتية إذا كانت تتطرق للعراق بأي مودة أو حتى بشكل عابر، ومع قلة الفضائيات التي لم تنتشر إلا في نهاية التسعينيات، تشبع العقل الجمعي بعدم وجود العراق إلا في خانة العدو المتربص، على سبيل المثال أوبريت “بساط الفقر” من بطولة سعاد عبدالله وعبدالحسين عبدالرضا والذي يمثلان فيه زائران لعدة دول في العالم يتم اجتزاء المشهد الذي يؤديان فيه دور مغنيان عراقيان، وعلى هذا المنوال لعدة أعمال فنية كويتية يسحق منها أي شيء يذكر فيه العراق أو العراقيين بشكل غير ساخر أو مهاجم.

أما الأعمال الكويتية التي شارك فيها الفنانان العراقيان مبيريك وزينب الضاحي فقد منعت كليًا لتورط هذين الفنانين مع الجيش العراقي في تعذيب المقاومة الكويتية، وسجنا في الكويت حتى انتهت مدة عقوبتهما قبل فترة.

خسر الفن الكويتي من عملية القص واللزق التي حصلت في هذه الفترة، وخسر العقل الجمعي أيضًا حين مورست عليه ألاعيب حيث صار الكويتي يعتقد أن العراقي كان دائمًا عدو، ولم يكن يومًا صديقًا أو جارًا او فنانًا يُعجب به، أو جزء من المكون الاجتماعي، أو حتى إنسانًا عاديًا يُمارس حياته الطبيعية مثله، صار يرى في العراقي وجه عسكري مكفهر يحمل سلاحًا فقط.

 

معرض فني كويتي في البصرة

معرض فني كويتي في البصرة

اليوم مع عودة العلاقات بين البلدين بعد 2003 وسقوط نظام صدام حسين والتمثيل الدبلوماسي والفني والثقافي الذي تتبادله البلدين على استحياء شديد وخجل لا نعرف سببه، عاد الغناء العراقي للاحتفالات الثقافية، وأقيمت معارض تشكيلية كويتية في البصرة، المشاهد المقتطعة من الأعمال التلفزيونية والمسرحية عادتْ مجددًا للظهور، والممنوع أصبح مسموحًا به، لكن المشكلة أن هنالك أجيال كبرت على الكراهية، ونشأت على عدم أنسنة العراقي، وباتت لا تعرف شيئاً عن جارها القريب رغم الموروث المشترك.

واللافت أنه بدأ جيل من الكتاب الشباب يتمرد على هذا الواقع، ففي روايته الأخيرة “فئران أمي حصة” يكتب الروائي الكويتي الشاب سعود السنعوسي الحاصل على البوكر العربية عن التحول في العلاقات بين الشعبين قبل الاحتلال وبعده.

وفي الاتجاه ذاته كتبت بثينه العيسى الروائية الكويتية الشابة الحاصلة على جائزتي دولة تقديرية في مقال لها:

“تحوّل العراق كله إلى وجهِ صدام حسين، وجه الطاغية مرتكب المجازر، عراقُ الجمال والحضارة تم تغييبه تحت طبقاتٍ سميكة من ملامح الديكتاتور، مضت 23 عامًا (25 الآن) وأشعر بالقهرِ من كل الأشياء الجميلة التي لم تحدث، أشعر بالقهر لأننا لا نزور بغداد كما نزور بيروت ودبي والقاهرة، أشعر بالقهرِ من كل الاحتمالات الباهية التي سرقها الأوغاد من الساسة، وأشعر بأنه قد تمت خديعتي تقريبًا، مسختْ ذاكرتي، صودر حقي في أن أعرف العراق، لا عراق صدام حسين ولا عراق أمريكا، بل عراق السيّاب التي قال عنها: “الشمس أجمل في بلادي من سواها، والظلام حتى الظلام هناك أجمل”، فهو يحتضن العراق أعيدوها لنا، هذه العراق التي لم نعرفها، أعيدوها”!

يمثل الروائيان توجه شبابي يسعى لبناء الجسور، ويرفض تكريس الكراهية والعنصرية نحو شعب كان أيضًا ضحية ظلم ومعاناة من نفس الطغيان، هذا الفكر المستنير الذي يعرف جيدًا أن الكراهية لا تبني أوطانًا ولا تقوم قائمة أمة على العنصرية، وأن الشعوب ليسوا الساسة الطغاة والمشترك الإنساني بينهم يجب أن يكون بمعزل عما تقترفه أيدي السياسيون.

There are 9 comments

  1. Talal

    ⁦‪@beopendotme‬⁩ تحليل منطقي و صحيح ان المسألة كانت تفريغ عاطفي للكويتيين، ولكن أعتقد أن المشكلة المغيبة تكمن في اعتقاد الكثير من العراقيين بأحقية العراق في الكويت كأرض تاريخية، حتى و ان كانوا لم يؤيدوا استرجاعها بالقوة و ما حصل في الغزو. ايمان أجيال متتابعة لهذه النظرية تجعل من الكويتيين متحفظين، لأنهم يؤمنون انها مسألة وقت و يعيدوا المحاولة. هنا جذر المشكلة وليس بروباغندا اعلامية غيبت الشارع ل٢٦ عام.

    Like

  2. Eng lion

    اعتقد باننا بحاجه الى ترسيخ روابط الدم والاخوه والعلاقات الانسانيه
    عليهم ان يتذكروا
    ان العراق عراق الحسين لا عراق صدام
    اكثر شعب استنزف من كل شيء واسيء له وظلم من دول الجوار هو العراق للاسف
    العراق الذي وصل للخليل في حرب ٧٣
    العراق الحضاره والتاريخ والعلم
    عراق علي والحسين

    Like

  3. moayad

    لا أنكر فكرة الكاتبة الرئيسية بأن السياسة كان لها دور كبير في التفرقة بين الشعبين الكويتي والعراقي (من كلا الجانبين)، ولا أنكر كذلك أن العلاقة بين الشعبين كانت أفضل كثيرا قبل الغزو وتدهورت بشكل واضح جدا من بعده. كذلك لا يمكنني حتى أن أتخيل كيف يمكن أن يفكر شخص ما بأن حالة الفراق هذه “أفضل” من التواصل والمودة بين… أي شعبين!

    لكن نظرتنا الرومانسية الحالمة هذه لا يجب أن تطغى على الحقائق التاريخية والاجتماعية والثقافية التي تربط الشعبين مهما كانت تلك الحقائق قبيحة… أو معقدة ولا يمكن تصنيفها على الأقل.

    تذكر الأستاذة شيخة بأن الشعبين لم يكونا يتبادلان إلا المودة في العلاقات بينهما خلال العقود السابقة للغزو، وذلك أمر غير صحيح. لن أدخل بالعلاقات السياسية لأن تاريخ الخلافات السياسية بين البلدين مكهرب من قبل حتى أن ينشأ كلاهما بصورته الحديثة، فأزمة بعدها أزمة… وتهديد يتلوه تهديد، ومشاكل حدودية، ومشاكل اقتصادية، ومشاكل أمنية يصعب حتى حصرها.

    دعونا من السياسة حاليا (رغم أن السياسة عامل مؤثر على الثقافة ولا يمكن إغفاله نهائيا)،ولكن هل كانت العلاقات الثقافية والاجتماعية بين الشعبين الكويتي والعراقي “زي السمن على العسل” قبل الغزو؟ ذلك كلام غير دقيق…

    لطالما اعتبر الكويتيون العراقيين (وغيرهم من العرب) “أجانب”، أي يمثلون “الآخر” الأدنى مكانة منهم… خاصة في فترة ما بعد الثروة النفطية. الألفاظ العنصرية في وصف العراقيين مثل “الكواولة” و”المعيدية” وحتى “الماجدات” كانت متداولة بين الكويتيين حتى من قبل الغزو، وصورة العراق بشكل عام كبؤرة للفساد والتفسخ الأخلاقي والخمر والمجون كانت موجودة لديهم منذ زمن بعيد ولم تظهر فجأة بعد صدمة الغزو. حتى بالأعمال الدرامية والفنية الكويتية القديمة كانت صورة العراقي غالبا تقدم بشكله “البسيط”… أو الجاهل أو الهمجي، بعقاله الغليظ وثوبه البالي (معلقا “الكاسور” بجنبه أحيانا)، والعراقية “بدقاتها” التي تزين ذقنها وشكلها “الهيلقي”! بالإضافة للتلميحات الجنسية المتعلقة “بملهى النصر” و”سعد الحلي”… وغيرها.

    حتى صورة الكويتي بالذهنية العراقية لم تكن أفضل حالا. فهو ذلك “الآخر” البدوي الجاهل المتخلف الذي يعيش في تلك البقعة الصحراوية القاحلة التي يستغرب كيف يمكن أن يطلق عليها لفظ “دولة”! أو ذلك “الأعجمي” عديم الأصل الذي ساقته الأقدار إلى أن يلفو إلى هذه الأرض ويكون خادما لحكامها! فياله من وطن لم ينشأ إلا بمباركة الغربيين الأجانب… وذلك البترول الذي لم يكن سوى أداة تجميل لؤلائك الرعاع وأبنائهم وبناتهم المترفين! أين أولائك منا نحن أصحاب التاريخ والمجد والحضارة!

    كل ذلك لم يكن له علاقة بالسياسة بشكل مباشر ولم يكن نهجا مقصودا مبرمجا، بل كانت تلك هي الثقافة العنصرية الكويتية السائدة لعقود طويلة من قبل الغزو، والصورة الذهنية العراقية “الاستشراقية” عن الكويتيين (والخليجيين). لا أوردها هنا تأييدا لها لا سمح الله! لكن أذكرها من باب ناقل الكفر ليس بكافر. وقد فصلت في مسألة الثقافة العنصرية الكويتية بإسهاب في كتابي “الصورة الكبيرة: قراءة ثقافية للحالة الكويتية المعاصرة” والذي سيرى النور قريبا جدا إن شاء الله 🙂

    كل ما سبق كان في مرحلة ما قبل الغزو، ماذا حدث بعد الغزو؟ ولماذا؟

    القطيعة بين الشعبين والثقافتين التي حدثت بعد الغزو قد لا تكون صحية… لكنها طبيعية!

    الغزو كان صدمة للجميع! وما حدث أثناءه وبعده من احتلال وحروب وحصار ومناوشات أمر بغاية التعقيد ولا يمكن حتى التفكير بتبسيطه لا بمقال ولا حتى بكتاب أو بحث! لذلك فإنه من السذاجة أن نتوقع من الشعبين أن ينفضا الغبار الذي علق على ملابسهما بعد التحرير ليسلما على بعض ويتبادلان “التيشيرتات” مثل لاعبي كرة القدم ويقولان “خلاص.. طاح الحطب!” وترجع الأمور سمنا على عسل (مع العلم بأنها لم تكن لا سمنا ولا قيمرا من الأساس!).

    الشرخ بالعلاقات بين الشعبين لم يكن سياسيا وحسب، ولم تكن الحكومات هي المحرض الوحيد على الشقاق، بل هو شقاق فعلي قد حدث ودم حقيقي قد سال وخراب مادي ونفسي قد أصاب الجميع… من الطرفين. هل استفاد الساسة من الوضع واستغلت الحكومات مسألة الشقاق لصالحها؟ نعم بألف تأكيد!! فليس هناك ألطف على قلب الحكام من تحريض شعوبهم على “الآخر” وإثارة الروح “القومية” لديهم من أجل أن يظهروا بمظهر “البطل” المخلص! وذلك كما يبين أورويل في روايته… وكما أوضحت أنا في “الصورة الكبيرة” كذلك.

    الخلاصة هي أن الشقاق الذي حدث بين الشعبين من بعد الغزو هو شقاق حقيقي وليس مصطنعا، شقاق تاريخي قديم هاج واستشرى بشكل أكبر بمباركة الساسة، لكنه لم “يصنع” بسبب السياسة!

    ماذا عن العلاقات اليوم بعد التحرير وبعد انتهاء الحروب وبعد سقوط العامل السياسي الرئيسي في الخلاف؟ هل يمكننا الآن أن نطوي الصفحة ونُخرج سمننا وعسلنا من “غراشهم”؟

    لأ طبعا! ليس بهذه البساطة!

    الإرث الثقافي المتراكم ثقيل جدا ولا يمكن نفضه بتلك السهولة! لا أقول ذلك كدعوة لرفض كافة أنواع التواصل بين الشعبين… لكني أقوله كتبيان لواقع تاريخي حقيقي. لا يمكن أن نكتفي بالمطالبة بـ“نسيان” ما حدث ومن ثم خلاص… نتبادل “فنايل”!

    التاريخ الشائك الطويل الذي حاولت تلخيصه هنا كون لدى الشعبين ارتباطات رمزية هائلة بغاية التعقيد. مثلا، صورة صدام حسين مع علي حسن المجيد التي تزين غرة هذا المقال تثير في خيال المشاهد لها آلاف الارتباطات من مشاعر وذكريات واستنتاجات من الصعب جدا أن تمحى أو تستبدل بسهولة. والحديث هنا عن صورة واحدة… وعن شخص واحد، فما بالك بمليارات الصور والأصوات والكلمات والتعريفات، لدى ملايين من البشر، التي تمثل كل واحدة منها رمزا ثقافيا تكون خلال عقود طويلة ارتبط بسوء العلاقة بين الشعبين؟ هل ذلك أمر بسيط؟ وهل حقا كل ذلك بفعل يد الساسة؟ وهل فك هذه الارتباطات الرمزية أيضا بيد الساسة؟!

    بالطبع أنا لا أدعو لليأس، لكني أدعو لإدراك عمق القضية. والإدراك هو الخطوة الأولى من خطوات التغيير الثقافي (والتي ناقشتها أيضا في “الصورة الكبيرة”)، من بعد ذلك علينا أن ندرس تلك القضية ونزيل الغشاء والترسبات القديمة العالقة فيها وحولها (كما نفعل الآن هنا)، ثم من بعد ذلك نزرع بدلا منها رموزا ثقافية جديدة قائمة على فتح صفحة جديدة من الصداقة والمودة بين الشعبين. يجب أن تمر “العملية” الثقافية بهذا المسار حتى تقترب من النجاح، ولهذا السبب نجد أن القفز من فوق هذه الخطوات والمطالبة المباشرة بنسيان الماضي دائما ما ستواجه برفض ومقاومة عنيفة تحول سمننا وعسلنا إلى… “هردة!”.

    Liked by 1 person

  4. بوشيخه

    مقال تافه .. خالف تعرف
    أقنعيني أن أزمة عبدالكريم قاسم و أدعائه ب ملكية العراق للكويت .. كانت علاقه موده ؟
    أقنعيني بممارسات المنتخب العراقي لكرة القدم ضد الكويت كانت مودة ؟
    و مع أحترامي لأشخاص الأدباء الكويتيين .. ما يمثلون المجتمع الكويتي
    راح يبقى الغزو عراقي و إلي أغتصب أرض الكويت و قتل عيالها عراقيين و بمساعدة من الخونة الفلسطن .. إلي ماشفنا ولا كاتب من الي ذكرتيهم يتكلم عن خيانه الفلسطن

    Liked by 1 person

  5. مناير عيسى

    مقال واقعي جدا وينطلق من حقائق ..شكرا للقلم الجريء استاذة شيخة… للاسف نحن شعب نعاني من ازمة حقيقية في احتقار الاخر والدولة ساهمت في ذلك ووجهتنا له . بدليل القوانين التي تخرج علينا يوميا والتي ترسخ فكرة احتقار الاخر .. بكل شي . والمصيبة لما نجد شخصيات تدعي الليبرالية وبنفس الوقت تسب الجنسيات الاخرى وتحتقرهم
    بصراحة المقال مكتوب بذكاء
    وبالنسبة لرد الدكتور مؤيد . صحيح انه يشرح بعض الامور . لكن لم يعجبني فيه تفصيله للشتائم وكأنه يستمتع بها . اتصور لابد ان يراعي انه استاذ جامعي ولابد أن لا يكتب من هذا المستوى
    لكن على ما يبدو هو يعبر عما يؤمن به هو حقا . لان العلاقة قبل الغزو صحيح لم تكن سمنا وعسلا لاننا نحتقر الجنسيات الاخرى لكنها على الاقل كانت جيدة بدليل علاقات الزواج . والسفر الدائم وامتلاك البيوت . تقريبا جميع العائلات المعروفة بالكويت لديها املاك بالعراق . اما من كان يشتم ويسب ويحتقر كان هو المريض والذي يعاني من مشكلة مع جميع الجنسيات .
    فاتمنى ان يفكر الدكتور قبل توثيق هذا الكلام لانه يعيبه هو . وبه نبرة ترسيخ العنصرية لا نبذها كما يدعي من الخارج ..ومرة اخرى شكرا للاستاذة شيخة
    تحياتي . دانة

    Like

    1. moayad

      أخت مناير…

      أولا، ذكرتُ بوضوح أنني لم أذكر تلك الألفاظ التي أشرتِ لها تأييدا لها لا سمح الله، فقد أوردتها فقط كمثال على اللغة العنصرية التي كان بعض الكويتيون يستخدمونها في وصف الآخر العراقي. وناقل الكفر ليس بكافر كما قلت، بل إني حاولت أن أورد مثالا على ذلك “الكفر” بغرض دراسته والتفكر فيه… وليس إيمانا به، والفرق بين الأمرين واضح.

      ثانيا، كلمات “كاولي” أو “معيدي” أو “ماجدة” ليست شتائم ولا كلمات بذيئة أصلا! فالكواولك والمعيدية هي أسماء حقيقية لجماعات وقبائل (إن صح التعبير) موجودة بالعراق… وليست سُبة بحد ذاتها. كذلك لفظ ماجدة طبعا… ليس شتيمة بل مدح أساسا كما هو معروف. لكن العقلية العنصرية لدينا، وحتى لدى العراقيين ذاتهم، هي التي تنظر لؤلائك الأقوام البسطاء نظرة دونية واعتبرت اسمهم شتيمة (كذلك الأمر مع “الهيلق”). ونفس الشيء مع كلمة الماجدة. لذلك الألفاظ التي أوردتها في ردي ليست شتائم بحد ذاتها، بل نحن من حولناها بعقولنا لشتائم.

      ثالثا، العنصرية التي تحدثت عنها ليست بحاجة “لتوثيق” مني ولا من غيري، فهي معروفة وشائعة ومتداولة بالحديث العادي وبالإنتاج الثقافي… للأسف. وهناك فرق كبير بين تداول الظاهرة الثقافية بشكل شعبي وبين وضعها تحت مجهر الدراسة والتحليل كما حاولت أن أفعل هنا. والدراسة والتحليل والنقاش لا يمكن أن يثمر عن شيء إن تم تقييده والتضييق عليه باسم العيب أو الحرام أو الفشلة! لن نتطور ولن يتغير تفكيرنا إن كنا “حساسين” أكثر من اللازم تجاه حديثنا عن ما قد يضايقنا أو نعتقد أنه قد يضايق غيرنا، وكما ذكرت في كتاب “الصورة الكبيرة” لا يمكننا أن نجري فحصا شاملا للمريض إن كان ذلك المريض يرفض أن “يتعرى” قليلا للطبيب المعالج! لذلك… عطونا شوية حرية وبلاش ضغوط وتقييد وقمع 🙂

      رابعا، لا ندخل بالنوايا رجاءً. يعني ما دمتِ تعرفين أني “د. مؤيد” الأستاذ الجامعي فلا بد من أنك تعرفين من أنا وما هي أفكاري وتعلمين أني لا يمكن أن أكون عنصريا أو أدعو للعنصرية، لذلك لا أعلم كيف استشفّيتي أني أعاني من العنصرية وأني مستمتع بها!

      ويعطيج العافية

      Like

  6. مناير عيسى

    شكرا دكتور على التوضيح . واتمنى فعلا ما تكون عنصري لاننا مافينا شي زود على الناس . بالعكس هذي الدول لها تاريخ عريق . زرت سوريا قبل سنوات وانبهرت من تاريخهم وانا اتنقل فبلدهم واحنا عندنا نستهزئ بالسوري ونشتمه بس لانه يعيش فبلدنا ويشتغل ويتعب. وطبعا المصريين نعاملهم اسوأ معاملة وغيرهم وغيرهم . الاستاذة شيخة حطت ايدها هلى الجرح . وانت حاولت تبين ان الحكومة مالها شغل وانا اختلف معاك . انا معاها بصراحة . الحكومة تبي جذي . بدليل كل المشاكل مع السعودية لكن الشعب ما يتعرض لهم لان الحكومة ما تبي احد يتعرض للسعودية حتى المشاكل مع السعودية لا يعرف عنها احد. طبعا في ناس اتطنز على السعودية بس مو علني .. الحكومة والشعب يتعامل معاهم من مبدأ اذا حبتك عيني ماظامك الدهر مع ان وايد من مشاكلنا سببها التطرف لدى الشعب . وكل يوم مافي حساب بالانستغرام مافيه سعوديين يترحمون على صدام !؟؟؟ يعني العلاقة مو عسل بس صج الحكومة السبب
    ومشكورين على فرصة المشاركة

    Liked by 1 person

Comments are closed.