فرقة “طرب باند”.. تحكي قصص الحرب من خلال الموسيقى العربية

نشأت نادين الخالدي في العراق ومصر ولم يكن لديها أي اهتمام بالموسيقى العربية. وعندما كانت طفلة درست العزف على آلة الكمان، وفي سن المراهقة أُعجبت كثيرًا بالمغنية الأمريكية الشهيرة جوان بايز (Joan Baez)، وفي سن العشرين أرادت تكوين فرقة موسيقية، فكيف أصبحت نادين قائدة لفرقة “طرب باند” التي تغني باللغة العربية على إيقاعات شرق أوسطية؟

خلال مكالمة هاتفية من إسبانيا حيث توجد فرقة “طرب باند”، تقول نادين البالغة من العمر 35 عامًا إنَّ أغانيها هي انعكاس لحياة مضت بين الدول والصراعات المختلفة.

وُلِدت نادين الخالدي في العراق عام 1980، عندما بدأت حرب الثماني سنوات مع إيران، وأفسدت حرب الخليج الأولى سنوات مراهقتها، ومع الحرمان الناجم عن العقوبات الاقتصادية، ازداد التطرف والاضطرابات المدنية. وتقول نادين: “الحرب لم تتوقف”.

كانت الموسيقى – خاصة الموسيقى الغربية – مهربًا من كل المعاناة. وقالت والابتسامة واضحة في صوتها:

“لقد تربيتُ على الاستماع إلى أبا (Abba) وسيناترا (Sinatra)، وكل يوم جمعة كنا نشاهد فيلم “The Sound of Music” أو “صوت الموسيقى”. وكانت والدتها المصرية عازفة بيانو، ووالدها العراقي ممثلًا ومطربًا، والتحقت نادين بمدرسة الموسيقى والباليه في بغداد عندما كانت في الحادية عشرة.

وكان والدها، كما تقول، بوهيميًا “أحب الفن والحقول الخضراء والطبيعة”. ولما انتهت الحرب مع إيران، خططت العائلة للسفر إلى أوروبا ولكن عندما حصلوا على جوازات السفر، كانت الحدود مغلقة بسبب غزو الكويت وحرب الخليج التي كانت تلوح في الأفق حينئذ.

وتحكي نادين:”لقد كانت أسوأ فترة في حياتي”. كانت شقة الأسرة في موقع محفوف بالمخاطر، بين وزارتين حكوميتين ومحطة إذاعية. “لقد رأينا القنابل والجثث في الشوارع. كل شيء حدث حولنا. لقد كان لدينا أسلحة مضادة للطائرات على سطح المبنى”. وتضيف: “كنا نعيش في قبو مدة أسبوع مع الكثير من الناس الآخرين، ولم نكن نعرف متى سيُقصف. عندما نخرج، هل سنرى جثث الموتى؟ أم المنازل المدمرة؟ لا يمكنني تحسين الأمر؛ إنّه وضع لا يحتمل. ولكن بطريقة أو بأخرى كنا نتكيّف مع هذا الوضع بأعجوبة”.

بعد انتهاء الحرب، مرضت الأم وانتقلت الأسرة إلى مصر من أجل علاجها. “كنا نعامل مثل الأجانب، ولم يكن لديّ الحق في الذهاب إلى مدرسة الموسيقى. لوم نستطع تحمّل الوضع في مصر أيضًا”. وبعد ذلك بعام ماتت والدتها.

وعلى الرغم من أنها وشقيقتها الكبرى ووالدها ظلوا في مصر حتى عام 1998، قالت نادين إنها وجدت صعوبة في التكيّف ولم تشعر بأنها تعيش في موطنها. ومع تقدّم والدها في العمر، ونضج ابنتيه، أصبح الأب أكثر قلقًا إزاء القيود التي تواجهها الأسرة في مصر. وأضافت نادين: “كان يريد تأمين مستقبلنا. لقد أراد منا أن نلتحق بالجامعة”.

4782.jpg

انتقلت العائلة إلى العراق، ولكن في أثناء دراسة نادين للحصول على درجة علمية في الأدب الإنجليزي والترجمة، كان العراق يمر بفترة صعبة.

“كل شيء كان يتداعى. كان عليك الانتظار والوقوف في طابور طويل للحصول على الخبز والماء. وكانت الكهرباء تعمل ثلاث ساعات يوميًا حتى في درجات حرارة وصلت إلى 45 درجة. إضافة إلى الهجمات التي وقعت على الضواحي. كان قلق والدي الرئيسي هو كيفية الاعتناء بنا في بلد مثل ذلك، وفي مثل هذا النظام الفاسد. لم نكن نعرف ما يمكن أن يحدث بفتاتين في سن المراهقة تمشيان في الشوارع”.

في خضم هذه الاضطرابات كان هناك شيء واحد ساعدها على الاستمرار. “دائمًا أقول إن الذين أنقذوني كانوا بوب ديلان، وجوان بايز، وسيمون وغارفانكيل”. وإلى جانب صديقاتها، لجأت نادين إلى الثقافة “الفتيان والفتيات الذين قضينا بعض الوقت معهم كانوا يهتمون بفرقة البيتلز (Beatles)، والمطرب الأمريكي الشهير جيمي هندريكس (Jimi Hendrix).”

وعندما أعطاها صديقها كتابًا عن وودستوك (Woodstock)، كانت نادين من أشد المعجبين بأغاني بايز على وجه الخصوص. “لقد كان الأمر بمنزلة فتح أبواب الجنة. أنا أحب البساطة في الموسيقى، وأن أكون مع أشخاص ملهمين يغنون عن الحرية والمساواة ويرفضون الحرب. رؤية جوان بايز، وهي حامل، مع الغيتار وصوتها القوي، تغيّر ما بداخلي”.

لكنها لم تستطع منع نفسها من مقارنة الحرية وأصوات النساء ورسائل السلام في كتاب وودستوك بالوحشية من حولها، التي كانت تقترب أكثر من أي وقت مضى.

وتحكي نادين أنّه:

“بحلول نهاية عام 2000، كان هناك حدث مرعب في المبنى الذي أعيش فيه. في إحدى الأيام سمعنا صراخ النساء والأطفال. كنا نعيش في الطابق السادس وخرجت ونظرت إلى الفناء. شاهدنا رجلين يرتديان أقنعة سوداء. كان معهما سيوف، وقطعا رأس امرأتين تعيشان معنا في نفس المبنى. وكتبا على بوابة المبنى أنَّ ذلك كان تحذيرًا للنساء حتى “يعشن حياة كريمة”.

وتقول نادين إنّه كان من المستحيل معرفة لماذا قُتلت جاراتها. “قال بعض الناس إن الرجلين كانا من المتطرفين الدينيين، وقال آخرون إنَّ المرأتين كانتا من العاهرات وظهرتا في مقطع فيديو يمارسن الجنس على العلم العراقي. وآخرون قالوا إنّهما كانتا تتواعدان مع رجال من الحكومة ويعرفن الكثير من الأسرار.”

عندما سمعت شائعات حول حرب محتملة تلوح في الأفق، هربت النساء ودفعت الأموال للمهربين لنقلهم إلى أوروبا. لم تعد نادين الخالدي أبدًا، على الرغم من أن ندوبها العاطفية لاتزال موجودة.  لقد قُتل نصف أصدقائها العراقيين، كما تقول، وبعضهم بطرق مرعبة. أحد أصدقائها، وهو عازف غيتار، اختطفته وعذّبته مجموعة من المتطرفين المقتنعين أنّه كان يعمل لجاسوسًا لقوات المشاة البحرية الأمريكية. في الواقع، تقول الخالدي، إنّه كان يقوم بالترجمة لمحطة الإذاعة الالمانية. وقُتل في نهاية المطاف جنبًا إلى جنب مع زوجته الحامل، ووالده وصهره. وقالت: “تركوا جثثهم على الرصيف… كان يمكن أن أكون أنا أو أختي”.

4256.jpg

في نهاية المطاف، وصلت نادين إلى السويد حيث ألقت بنفسها في صناعة الموسيقى، وكتبت الأغاني وعزفت في الحانات في غوتنبرغ، وفي وقت لاحق، في مدينة مالمو. في إحدى الأيام، اتصل بها مخرج مسرحي، يبحث عن مطرب عربي، لإظهار خلط الشعر والموسيقى العربية والسويدية. “كنت متشككة”، هكذا تحكي نادين، وقلت: “أنا لا أغني باللغة العربية”، لكنه استمر في الاتصال بي. وكان ذلك أول عمل لي في السويد.”

في نفس المسرح كان يوجد جبريل هيرمانسون (Gabriel Hermansson)، الذي كان يدرس الموسيقى الشعبية، وكان متحمساً جداً للموسيقى في الشرق الأوسط. وبعدها، شكلا معًا فرقة، وتدريجيًا، أولعت نادين الخالدي بالموسيقى العربية، وتأثرت بموسيقى الجاز، والموسيقى الفارسية واللاتينية مع انضمام المزيد من الموسيقيين للفرقة. وبحلول عام 2014 فازت الفرقة بمجموعة من الجوائز في حفل توزيع جوائز الموسيقى العالمية السويدية.

تستند أغانيها، كما تقول، إلى “كوابيسي واضطرابات ما بعد الصدمة التي عشتها، وعلاقاتي وقضايا الولاء – حقيقة أنني لا يمكن أن أدخل في علاقات عابرة”. وتقول إنها فوجئت، وشعرت بسعادة غامرة، عندما اكتشفت المتابعة الكبيرة لفرقة “طرب باند” في الشرق الأوسط. “قالت لي الفتيات في مصر:” نحن نريد أن نفعل ما تفعليه، ولكن المد ضدنا قوي جداً”. لذلك يبدو الأمر وكأنه من الواجب التفكير فيما يمكنني القيام به لمساعدتهم”.

وغالبًا ما تؤخذ أغاني نادين الخالدي من واقع الحياة. أغنية زافات جيلان، على سبيل المثال، تدور حول فتاة كردية تذهب لقتال تنظيم الدولة الإسلامية.  وأغنية “أشوفك بعدين” هي قصة زوجين عراقيين نشرا صورهما على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أيام من غزو داعش لبلدتهم.

مشاهدة موجة جديدة من اللاجئين الفارين من منطقة الشرق الأوسط تصل إلى أوروبا هو شعور غريب، كما تقول الخالدي، التي بدأت تعليم اللغة السويدية للمهاجرين الذين وصلوا حديثًا. “لقد بدأت من الصفر وبنيت حياتي مرة أخرى. ولكن، بطريقة أو بأخرى، أشعر بالذنب وأنّه يجب أن أقوم بالكثير من الأمور”.

أثناء الحديث عن مراقبة الحدود الجديدة التي توضع على جسر مالمو بين السويد والدنمارك، تغيّرت نبرة صوت نادين، وقالت: “إنّه لأمر محزن أن نرى قوات الشرطة وهي تنزل الأسر والأطفال من القطار عندما تعلم من أين أتوا وما الذي يفرون منه”.

وعندما سألتها ما إذا كانت أوروبا تفعل ما يكفي لرعاية اللاجئين، أجابت: “أوروبا تفعل ما لم تفعله الكثير من الدول التي تقع بالقرب من سورية والعراق – دول الخليج. لماذا لا تحرك تلك الدول ساكنًا؟”

وكانت حادة بنفس القدر عندما سألتها عما إذا كانت تأمل أنَّ أغانيها ستُظهر جانبًا مختلفًا للثقافة العربية، وقالت:

“هذا يعني أنَّ الجانب الآخر هو الإرهاب، وأنا لا أتفق مع ذلك. لقد وُلِدت في بلد مسلم ولكن هذا لا يجعلني إرهابية. أنا ملحدة، أؤمن بالحب والموسيقى والبشر، لكن وسائل الإعلام تستمر في انتقاد العرب والمسلمين وتصفهم بالإرهابيين. الإرهاب في كل مكان. انظر إلى أندرس بهرنغ بريفيك، لا أحد يصفه بالإرهابي. لقد كان مرتكبو هجوم اسطنبول من الروس وأوزبكستان. لا أحد يتحدث عن الروس ويقول إنهم إرهابيون”.

فرقتها، كما تقول، تُظهر ما يمكن تحقيقه عندما يتحد الناس من مختلف الثقافات معًا. مع انصهار الأنماط الموسيقية “تقول الكثير دون كلام”، كما تقول نادين. “نحن لا نفكر في الشخص من منظور عربي أو سويدي؛ نحن نعزف الموسيقى فقط، وهذا شعور رائع”.

المصدر: Guardian

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.