هرر: مدينة القات والقهوة والتراث الإسلامي في اثيوبيا

Harar-Gate.jpg

إذا كنت سائحاً أجنبياً تتجول في أزقة مدينة هرر أو في القرى القريبة منها أو في سوق الجِمال فستسمع صرخات يُطلقها عادة الأطفال المتحمسون تناديك “فرانجو”… والكلمة تعني ببساطة أجنبي.

ويُقال إن جوغل هرر -المدينة القديمة المسجلة على لائحة اليونسكو للتراث العالمي- هي رابع مدينة إسلامية مقدسة إذ ينتشر فيها 82 مسجداً.

كانت هرر مملكة مستقلة مزدهرة، تعيش وجوداً انعزالياً غريباً، وقد بنيت المدينة الصحراوية المحصنة في القرون الوسطى بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر وتضم 102 مزار ومنازل تكشف تصميماً داخلياً رائعاً. خلال فترة الظهيرة الحارقة، يختفي الرجال من الطرقات وسرعان ما تدرك أن الجميع انطلقوا لبيوتهم لتناول القات الذي يُشعرهم بحالة من الذهول والابتهاج.

تأسست هذه المقاطعة الإسلامية خلال القرن العاشر في أقصى شرق إثيوبيا، وهو بلد معروف بمعتقداته المسيحية الأرثوذكسية. ومدينة هرر من أقدم المدن الإسلامية في شرق إفريقيا، وبالرغم من كثرة مساجدها فإنه لا يُسمح بالجهر بالأذان، وتميز تلك المساجد القبة التقليدية مما يذكِّر بمكانتها الثقافية.

ethiopia
عندما تتمشى في أزقة المدينة الملتفة كالمتاهة وممراتها الممتدة، ترى النسوة الكادحات يثرثرن ويقايضن البضائع على امتداد شوارع السوق، أو يشترين الحبوب من مطحنة دقيق التف لصنع خبز “إنجيرا” أو يقتنين الأقمشة الملونة أو يتسوّقن التوابل العطرية.

ترتدي جميع النساء ملابس مزركشة نابضة بالحياة، ويدل اختلاف نمطها على المجموعة العرقية التي تنتمي إليها المرأة سواء كانت أورومو أو أرغوبا أو صومالي أو أداريس.
وفي شارع ماكينا جرجر تجد قلة من الرجال منكبين على آلات الخياطة من نوع سنجر ذات الدواسة. كلمة ماكينا موروثة من حقبة الاستعمار الإيطالي في ثلاثينيات القرن الماضي، وكلمة جرجر تعبر عن صوت أزيز آلات الخياطة القديمة.

hararstreetshop.jpg

لا يمكن للمدينة القديمة، هرر جوغل، أن تفشل في جذبك خاصة بواجهاتها الملونة ذات الألوان الزاهية كالفيروزي والفوشي والبنفسجي، وكان أول أجنبي وضع قدمه فيها عام 1855 هو المستكشف البريطاني سير ريتشارد بورتون، وسارع للمغادرة بعد عشرة أيام بسبب نفوره من مظاهر الفقر و انتشار الكلاب الجرباء والأصوات المرتفعة والوقحة والانحلال الأخلاقي لمدمني المشروبات والجعة.

rimbaudmuseum.jpg

بالمقابل وبعد ثلاثين عاماً استقر آرثر رامبو وهو شاعر فرنسي وتاجر قهوة ومهرب أسلحة في هرر عشر سنوات. وعلى الرغم من أن أماكن إقامته المتعددة قد اختفت منذ ذلك الحين، فإن قصراً قديماً وكبيراً لأحد التجار الهنود يستضيف اليوم متحفاً مليئاً بصور كانت محببة إليه، وكُرّم الشاعر في المدينة الحديثة وذلك بإطلاق اسم بلدته تشارفيل على أحد الشوارع فيها.

واليوم تزخر هذه الجادة الرئيسية بأسراب من بيجو 404S ذات اللون الفيروزي من ستينيات القرن الماضي، وأصبحت تزاحمها أخيراً عربات باجاجي المستوردة من الهند.
وعلى مسافة بضع شوارع من متحف رامبو، في قصر هندي مزخرف، يقع متحف عبدالله شريف المتخصص في الثقافة، الذي يحتوي على مخطوطات قرآنية وعملات قديمة وحلي وأزياء تقليدية. ويُثبت غنى معروضات المتحف أن هرر كانت مزدهرة، لأنها تقع على مفترق طرق التجارة مما جذب التجار الأرمن والبرتغاليين والعرب والهنود للتداول بالعاج والقهوة والقطن والتبغ والعبيد (توقفت تجارة العبيد في ثلاثينيات القرن الماضي).

hararshewagate.jpg

أما اليوم فقد حل القات محل جميع هذه الصادرات بشكل كبير، وهو محصول مربح وله سوق محمومة طوال الليل إلى الشمال من هرر في أواداي. ومنها يُشحن بأقصى سرعة إلى المستهلكين المتعطشين له في الأراضي الصومالية. وعند الانطلاق إلى بابيل حيث سوق الجمال، تمر بك شاحنات الإيسوزو يتخللها القطيع الذي يمشي الهوينى يقوده بدوي مرتحل. تبدو الحياة هنا وكأنها تسير بسرعتين.
يقع سوق المواشي في التلال القاحلة في وادي ريفت الشرقي، ويظهر للعيان وكأنه وادي الأعاجيب، حيث المناظر الطبيعية المبهرة للتشكيلات السريالية للصخور وتحتل الجِمال أحد أجزائه، في حين ترتع في الجزء الآخر الأغنام والماعز وغيرها. والعبرة من ذلك أن الجمال تُباع عبر الضغط بالإصبع بشكل صامت، لذا لا يعرف أحد السعر المعروض لها.
تجري الأمور كلها بتنظيم وهدوء غريبين، بالرغم من سرعة التحولات في قسم الأغنام والماعز حيث تعد النساء العاملات بالتجارة رزماً ضخمةً من المال. وفي أرجاء المكان رجال مسنون بلحى مخضبة بالحناء يضعون النظارات الشمسية والقلائد ويراقبون الغرباء بفضول، ويتخلل المشهد صيحات “فرانجو” بين الحين والآخر لدى رؤيتهم أحد السياح. وهناك بالطبع نساء يعرضن باقات القات الطازج، في حين يغط بعض مالكي الجمال في سبات عميق في ظل طاولة الشاي.
وبعد تجاوز الطرقات الترابية عبر التلال المحيطة بكورومي ستتجه لزيارة مزارعي القهوة في شرق إثيوبيا، الأرغوبا. تجدهم يلقون التحية على المارة من خارج منازلهم الحجرية البسيطة، وترى نساءهم يرتدين ملابس مزينة بألوان مبهجة إضافة للأوشحة والأقراط والقلائد. قد يكون الجو جافاً أسفل الوادي، لكن في هذه المنطقة تنساب الجداول من الجبال بحرية، في حين تعبر إحدى النساء عن قلقها من الجفاف في شمال شرق إثيوبيا، وتتحدث عن أمطار الربيع التي لم تصل إلى هذه المنطقة.

يزرع أهالي المنطقة القهوة العربية باستخدام تقنيات يدوية قديمة، وهذا المنتج المزروع والمجفف في المزارع العائلية الصغيرة يعد من أهم الحبوب في العالم. وبالعودة إلى هرر يمكنك أن تغوص في مطحنة قهوة لتشتري عبوة بوزن كيلوغرام واحد بتكلفة خمسة جنيهات إسترلينية وتأخذها معك لديارك.

shutterstock_354832430.jpg

ولمشاهدة أغرب تقليد على الإطلاق عليك أن تتجه قبل حلول الظلام لخارج أسوار المدينة. إنه وقت إطعام الضباع، إذ يجلس رجل بمفرده من الجيل السادس من عائلة هررية بجوار سلتين كبيرتين من بقايا اللحوم والعظام، ويتحلق حوله نحو عشرين ضبعاً، ثم ينادي تلك الحيوانات المرقطة واحداً تلو الآخر ليطعمها قطع اللحم المغروزة في رأس عصا. وقد طور السكان هذه الخدعة لاستباق هجمات الضباع على المدينة، وأصبح هذ التقليد يستقطب السياح.

ولدى العودة للديار، فإن كوباً تلو كوب من قهوة هرر سيدفعك للعودة إلى ذلك المكان الخلاب، حيث السكان الهادئون والألوان المبهرة والجِمال والقات والضباع الطوافة.

المصدر: independent

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.