إعادة صياغة التفكير: كيف توقف الأصوات التي تجول في رأسك؟

حاول أن تتذكر آخر مرة راودتك فيها فكرة سلبية أو انتقدت فيها ذاتك، ثم فكر متى كانت آخر مرة أثنيت فيها على نفسك ومنحتها دعماً إيجابياً… أيهما أسهل في التذكر؟

لايزال كثير من الناس ينتقدون أنفسهم ويجلدون ذواتهم ويملؤون أدمغتهم بأفكار سلبية عن أنفسهم، وسواء كان ذلك يُعزى للمورثات أو كيمياء الدماغ أو للتجارب الخاصة أو مهارات التعايش، فإنهم يستمرون في اجترار نفس الأفكار السلبية غير المثمرة مراراً وتكراراً.

تتشكل كل فكرة عبر نموذج معقد من النشاط بين البروتينات ومواد كيميائية أخرى والتعبيرات الوراثية والوصلات العصبية في أدمغتنا. وكلما ازدادت أفكارنا زادت قوة هذه الحلقة. فالفكرة التي تتطور جيداً تشبه “مسار تزلج على الثلج، فكلما تزلجت فيه ازدادت سهولة أن تذهب من ذلك الطريق لا من غيره” بحسب ما يقول أليكس كورب وهو عالم أعصاب و مؤلف كتاب “اللولب الصاعد: استخدام علم الأعصاب لعكس مسار الكآبة، تغيير صغير في كل مرة”.

ومع العزم والممارسة يمكنك أن تُنشئ  مساراً آخر لتسلكه الأفكار. ويُسمي علماء النفس هذه التقنية إعادة التقييم المعرفي، وتثمر نتيجتها في شبكات عصبية أقوى مخصصة للأفكار الإيجابية أو بمعنى آخر دماغا أكثر سعادة.

يحظى الأشخاص الذين يقومون بذلك بصحة عقلية أوفر ويشعرون بارتياح ورضا أكبر عن حياتهم. وأظهرت الدراسات أن قلوبهم تتمتع بصحة وأداء وظيفي أفضل. وتُعد هذه التقنية من صميم العلاج المعرفي السلوكي الذي يمارسه العديد من علماء النفس، والذي يُمكنك أن تقوم به في منزلك.

لا تعني إعادة التقييم المعرفي إيقاف الأفكار السلبية، إذ يستحيل فعل ذلك دون استبدالها بأفكار أخرى. وليس الأمر أيضاً أن نحول الأفكار السلبية غير الحقيقية إلى أفكار إيجابية غير حقيقية أيضاً. فالهدف هو إعادة صياغة الأفكار بشكل بنّاء بحيث تستند إلى الواقع.

وتُوضح حورية جزايري وهي متخصصة في الزواج والعلاج الأسري وباحثة في قسم علم النفس لدى جامعة كاليفورنيا كما تدرس التنظيم الانفعالي “أُخبر عملائي بأن عليهم أن يفكروا كالعلماء، فأنت تستخدم ملاحظاتك ووصفك لنفسك بدون حكم تقييمي ومراقبة ووصف الحقائق”.

وإليكم الخطوات العلاجية:

كن حذراً

أنت بحاجة لمعرفة الأفكار التي تريد تغييرها، وينبغي أن تتعلم ملاحظة متى تبدأ باجترارها. وتُذكر نفسك بأن ذلك مجرد مضيعة للوقت.

عليك كتابة الأفكار التي تراودك، وتحديد العوامل التي أثارتها بالضبط مثل: “جاء مديري في العمل ليكلمني وأخشى أن يكون قد كره طريقة أدائي للعمل، لذا فأنا فاشل”. وبحسب أحد المعالجين النفسيين فإن “تفريغ الدماغ يُزيل الأفكار المجترة من ذهنك”.

Challenge what you tell yourself when you ruminate. Turn the negative thought into a question: “I am a loser?” Then look at the answer. Typically, you will find little evidence.

ابحث عن أدلة تعزز ثقتك بنفسك

عادة ما تكون الأمور التي يخبر بها الناس أنفسهم عندما يجترون الأفكار السلبية غير حقيقية. أنت بحاجة لتحدي معتقداتك، وتحويل الأفكار السلبية إلى أسئلة: “هل أنا فاشل؟ هل أفشل في كل شيء؟” ثم قدم لنفسك الإجابات، وعلى الأرجح لن تجد الكثير.

ثم عليك البحث عن أدلة تثبت العكس. اسأل نفسك ما النجاحات التي حققتها؟ وهل حصلت على ترقية السنة الماضية؟ وهل أنت والد صالح؟ ثم اكتب ذلك في قائمة طويلة ومحددة. لأن الكتابة تقوي الذاكرة بحسب جيفري بورينشتين الرئيس والمدير التنفيذي لمؤسسة أبحاث الدماغ والسلوك في نيويورك.

تحرَّ الدليلَ. ربما لن تنجح طوال الوقت فلا أحد يحالفه النجاح دوماً، لكنك قد تنجح أكثر مما تفشل. والهدف أن ترى نفسك بشكل أوضح، وذلك بحسب ما يقول ستيف أورما، وهوعالم نفس سريري في سان فرانسيسكو ومؤلف كتاب “توقف عن القلق واخلد إلى النوم”.

Ruminative thoughts have created strong neural circuits so you will need to practice a new thought over and over. Set a time each day to write a ‘journal dump’ of negative thoughts and your refutation.

الممارسة فالممارسة ثم ….الممارسة

لن تترسخ أفكارك الإيجابية الجديدة خلال الليل. فقد أمضيت سنين بانتقاد نفسك ومحاكمتها. وأفكارك السلبية لديها ارتباط جيد بالمسارات العصبية، لكنك ستنجح في تحويل أفكارك الجديدة إلى عادات في وقت قصير نسبيا. فقد أظهرت دراسة نشرت في نوفمبر 2014، في مجلة أبحاث السلوك والعلاج أن الأشخاص الذين مارسوا إعادة التقييم المعرفي كجزء من العلاج السلوكي المعرفي كانوا قادرين على تقليل انفعالاتهم ومشاعرهم السلبية بشكل ملحوظ خلال 16 أسبوعاً.

هذا يتطلب الممارسة. واظب على كتابة أفكارك السلبية عندما تَحضُرك وتحدَّها، وسيفيدك أن تحظى ببعض عبارات الدعم الجاهزة لتكتب عنها مثل  “أنا ذكي” أو “أنا والد صالح”. والهدف هو التكرار، ويقول الدكتور أورما “إن كنت ترغب في الحصول على شكل معين لجسمك فلا يمكنك ذلك عبر أداء التمرين الرياضي مرة واحدة، والأمر مماثل بالنسبة للذهن”.

This friend has the same traits and experiences as you. Then imagine your friend telling you that he has the same ruminations you have. And refute him. Tell him why he is great. Give him advice. Then take that advice.

اجعل لنفسك صديقاً تخيلياً

عادة ما نكون أكثر لطفاً مع أصدقائنا مما نحن عليه مع أنفسنا. فإن أخبرك صديقك بأنه يستمر بإخبار نفسه تلك الأمور غير المنطقية  ذاتها التي تقولها لنفسك، فلن تجد أي مشكلة في أن تخبره بأنه على خطأ.

لذا تخيل أن لديك صديقاً يشبهك في كل الجوانب، أَطلق عليه اسماً، ثم تظاهر بأنه يقول لنفسه ذات الأفكار الهدامة التي تقولها لنفسك. فكيف ستفند أقواله تلك؟ وما الدلائل التي ستعرضها لتثبت له خطأ تفكيره؟ استمع جيداً لما ستقوله لصديقك، واكتب نصيحتك له وطبقها على نفسك.

Tell yourself you are the biggest loser on earth. The absurdity will be striking, and you will rattle your neural pathways. Also, laughter is a great healer.

المبالغة في تضخيم الفكرة

تَتَبّع أفكارك السلبية إلى أقصى نهاية لها. فإن كنت تظن أنك فاشل فأخبر نفسك بأنك أكبر فاشل في البلاد. وإن كان هناك أولمبياد للفاشلين فستحصل فيه على عشر ميداليات ذهبية، وستضع مجلة التايم صورتك على غلافها تحت عنوان عريض “أكبر فاشل على وجه الأرض”. يقول الدكتور أورما “ستصاب بنوبة ضحك، وهذا وحده كفيل بتحسين مزاجك. إن تضخيم الأفكار السلبية يساعد على تأكيد سخافتها”.

غَيّر مسارك

إذا توقفت شاحنة ضخمة أمامك فجأة على طريق سريع فستغير مسارك بسرعة. وهذا ما تحتاج لفعله عندما تراودك الأفكار السلبية.

حول تفكيرك فوراً لشي آخر. يمكنك أن تستخدم إشارة بيدك كما تفعل عندما تقود دراجتك الهوائية. وابق في ذهنك بعض المواضيع التي تجدها ممتعة في حالة جاهزية لاستخدامها في تلك الحالات: مثل التفكير في مشكلة تحتاج لحلها في العمل أو التخطيط لعطلتك أو خذ نفسك في جولة ذهنية لممارسة هواية تحبها. أبقِ دماغك مشغولا بفكرة إيجابية إذ لا يمكنه أن يفكر في موضوعين في الوقت ذاته.

lake quiet alone doubt

المصدر: WSJ

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.