هل يمكن أن نستغني عن نصف الكرة الأرضية من أجل الطبيعة؟

nature.jpeg

نكاد نكون مستيقنين أن كوكبنا الأزرق الجميل هو المكان الوحيد في الكون الذي ينبض بالحياة، لكن الأرض تعاني اختفاءَ أنواع عديدة من الكائنات الحية بمعدلات لم نشهدها منذ انقراض الديناصورات، والسبب وراء ذلك هو أسلوب حياتنا، فإن لم نعمل على تغييره فسنشهد انقراضاً جماعياً، وهذا الأمر لن يترك عالمنا بلا مخلوقات فحسب بل سيقضي على الجنس البشري أيضاً، إذاً ما الحل؟
اقترح إدوارد ويلسون أحد أكثر علماء الأحياء احتراماً في العالم، فكرة غريبة تشكل تحديا للبشرية بأن نُفرد مساحة تعادل نصف الكوكب للمحميات الطبيعية. وفي كتابه الجديد “نصف الأرض: حرب كوكبنا لأجل الحياة” يقول:

“حتى في حال اتخاذ أفضل تدابير الحماية التقليدية، فإن خسارتنا للتنوع الحيوي يجب ألا تكون مقبولة في نظر الشعوب المتحضرة.”

4202

قرد واكاري الأصلع في غابات الأمازون المغمورة بالمياه بالبرازيل، ويعد من الحيوانات المهددة في العالم

ويُعرف ويلسون بأنه والد البيولوجيا الاجتماعية، وهو متخصص في الجغرافيا الحيوية للجُزر وخبير في مجتمعات النمل ومتحمس للحفاظ على البيئة.يدافع ويلسون في كتابه عن فكرته بتخصيص نصف الكوكب للطبيعة بما في ذلك النظم البيئية البرية والبحرية. ويدعو جماعات الحفاظ على البيئة لتعيين هدف كبير بدلاً من السعي لتحقيق تقدم تدريجي.

فهو يعتقد أن الناس يفضلون الأهداف ويفهمونها بشكل أفضل، لأنهم يحتاجون للشعور بالنصر لا إلى مجرد متابعة إحراز تقدم هنا وهناك. فالطبيعة البشرية تتوق للوصول إلى الغايات، إلى شيء يُمكن إنجازه يعمل على تهدئة قلق الناس ومخاوفهم. والطبيعة البشرية تسعى نحو الأهداف الكبيرة، وصعوبتها تُمكن من تغيير قواعد اللعبة وجلب المنفعة للكون.

أما السبب وراء النصف، فجوابه بحسب ويلسون يقع في صميم علم البيئة.

فهو يرى أن السبب الرئيس وراء الانقراض هو فقدان المواطن الطبيعية لهذه الكائنات. ومع انخفاض المواطن يتهاوى العدد المستدام لهذه الأنواع إلى الجذر الرابع لمناطق المواطن الطبيعية. ويعزو ذلك إلى معادلة منحنى مناطق الأنواع التي توضح كيف تتمكن العديد من الكائنات من البقاء فترة طويلة ضمن منطقة محددة.

blue frog

الضفدع الأزرق السام: بينما يقلق العلماء حول التنوع البيولوجي في العالم، فإن الحيوانات البرمائية تعاني من أزمة انقراض تهدد وجودها. يعتقد العلماء أننا خسرنا نحو 200 كائن برمائي في العقود القليلة الماضية

وبتحويل نصف الكوكب إلى محميات فسنحافظ نظرياً على 80% من الأنواع الحية من الانقراض. وإذا ركزت جهود الحماية على المناطق ذات التنوع الحيوي الأكبر مثل الغابات الاستوائية والشعاب المرجانية، فيمكن أن نحمي ما يزيد على 80% من الأنواع الحية دون أن نتجاوز هدف نصف الكوكب. بالمقابل إن حمينا 10% من الأرض فإننا سنفقد نحو نصف المخلوقات الحية على الأرض بمرور الزمن، وهذا هو الطريق الذي نسلكه حالياً.

ويوضح ويلسون في كتابه كيف يؤثر معدل الانقراض بفعل سلوكنا على باقي أشكال الحياة، ويبدو أنه سيتواصل، وهو يعادل ضربة كويكب بحجم تشيكسولوب، ذلك الكويكب الذي أدى اصطدامه بالأرض إلى القضاء على الديناصورات.

وبحسب قاعدة البيانات العالمية حول المناطق المحمية، فإن نحو 15.4% من مساحة اليابسة محمية بما فيها المياه الداخلية وذلك حتى عام 2014. لكن حماية المحيطات لاتزال في بداياتها فنحو 3.4% فقط من البيئة البحرية تخضع لشكل من أشكال الحماية. وقد وضعت أهداف أيتشي Aichi للتنوع الحيوي هدفاً لحماية 17% من المناطق البرية و10% من المحيطات بحلول 2020، لكن ويلسون يرى أن ذلك ليس كافياً.

لم تسلم فكرة ويلسون الكبيرة من المنتقدين. فقد وصف روبرت فليتشر وبرام بوشير وهما عالما اجتماع في جامعة فاغينينغن في هولندا فكرة ويلسون بأنها “عجيبة حقاً” وذلك في مقالة كتباها لأيون Aeon.

فهما يعتقدان أن حماسته واستقامته في غير محلها، كما أن رؤيته مقلقة وخطيرة. وسيترتب عليها إسكان البشر في مناطق حضرية تكتظ باستمرار وتدار بطرق تكنوقراطية ظالمة. أما كيفية إنجاز برنامج عالمي للحفاظ على المجال الحيوي فهو متروك لخيال القارئ. ويرى فليتشر وبوشير أن الفقراء والمهمشين سياسياً سيكونون الأكثر تضررا من أي خطة لزيادة توسعة المناطق المحمية.

وفي الواقع فإن الحفاظ على البيئة له تاريخ طويل وقبيح من الترحيل القسري للسكان المحليين خارج مناطقهم لجعلها مناطق محمية، لكن ويلسون يوضح أن هدف نصف الأرض يعمل على إبقاء السكان الأصليين في أراضيهم، وذلك أصبح شائعاً بشكل متزايد في أمريكا اللاتينية وأستراليا. ويرى حماة البيئة هذه المناطق أنها مفتاح معركة الحفاظ على الطبيعة. مثل أراضي السكان الأصليين التي تبلغ نسبتها 13% من مساحة البرازيل بما في ذلك أجزاء ضخمة من غابات الأمازون المطيرة. ويبين ويلسون أن السكان الأصليين هم أفضل من يحمي البيئة في أراضيهم. وبعبارة أخرى فإن هدف نصف العالم لا يعني إخلاء نصف مساحة العالم من البشر، بل إبقاء تلك المساحات بعيدة عن التطور.

tribe.jpg

نساء من قبيلة هاوراني (من مجتمع بامينو في الإكوادور) يضحكن بينما يجلسن في إحدى غابات غابة ياسوني. يرى المحافظون على البيئة أن القبائل البدائية قد تكون خط الدفاع الأول أمام عمليات إزالة الغابات وفقدان التنوع البايولوجي، بالرغم من ذلك فإن العديد من القبائل البدائية يفتقدون حقوق الأراضي التي اعتادوا العيش فيها

ويتابع بأنه يمكن ممارسة أنشطة متنوعة في بعض أجزاء المحميات الطبيعية. فإدارة المنتزهات الوطنية الأمريكية بدأت بطبيق المحميات المحددة ضمن حدود المنتزه حيث يُسمح باصطياد الطرائد والأسماك.

وتحظى المناطق المحمية اليوم بتنوع متزايد، فهي ليست مناطق محمية بشكل صارم فقط، بل محميات تقطنها مجتمعات محلية تستخدم الموارد بشكل مستدام، وبذلك يُسمح بفضاء واسع للأنشطة البشرية في ظل أنظمة محددة. ويبين ويلسون أن حُسن إدارة وتمويل المحميات يجلب الفائدة للسكان المحليين كما هو الحال في منتزه غورونغسا الوطني في موزمبيق.

وعُزّز الحفاظ على المحمية الرائعة ووُسّعت عبر تطوير الزراعة والصحة والتعليم إضافة لوظائف جديدة في المناطق العازلة. ويتضح نفس التأثير حتى في الدول الصناعية. وخلافاً للاعتقاد الشائع، فقد وجدت الدراسات الحديثة أن الأماكن المحمية يمكن أن تحسن الظروف المعيشية للمجتمعات المحلية كما هو الحال في أوغندا وتايلند وكوستاريكا.

ويصر ويلسون على احترام حقوق الملكية الحالية للسكان المحليين. ويمكن للحكومات استخدام حوافز متعددة لدعم حماية الطبيعة في الملكيات الخاصة. وأشار إلى البرنامج الوطني الأمريكي لمعالم الطبيعة كنموذج يُحتذى، والذي يُشجع أصحاب الأراضي على حماية المواقع الحيوية والجيولوجية المهمة. ومع ذلك، لحماية نصف الكوكب فإن برامج كهذه ينبغي تعميمها حول العالم لتتلقى المزيد من التمويل.

وهنا يطرح سؤال نفسه: هل يمكن فعلاً تخصيص نصف كوكب الأرض لأجل الطبيعة؟ ربما وربما لا. في عام 2005 قدّر علماء من جامعة ويسكونسن ماديسون أن البشرية تستخدم ما يقارب 40% من مساحة الأراضي في العالم للزراعة إضافة لنحو 3% من أجل التنمية الحضرية. ومما لا شك فيه أن نسبة الأراضي المخصصة للزراعة قد ازدادت في العقد الماضي، حتى مع ازدياد نمو السكان العالمي لنحو مليار نسمة منذ ذلك الحين. والملاحظ أن 75% من مساحة الأراضي الزراعية مخصصة للمحاصيل الزراعية المعدة لتغذية المواشي. ويمكن تقليص مساحة الأراضي المطلوبة للزراعة فقط إذا قلل البشر تناول اللحوم والمنتجات الحيوانية، والواضح عالمياً أن الأمور تجري في الاتجاه المعاكس حالياً.

ويرى ويلسون في كتابه أن البشر لايزالون جشعين وقصيري النظر وينقسمون إلى قبائل متحاربة ويصعب عليهم اتخاذ قرارات حكيمة بعيدة المدى.

jellyfish

قنديل البحر المشط تم أخذه من الشعاب المرجانية بالقرب من جزيرة هيرون شمال كوينزلاند

من الأمور الرائجة بين دعاة الحفاظ على البيئة اليوم إصلاح الأراضي المهجورة وإعادة الحياة البرية لها،  ولكن فعاليات كهذه بحاجة لقفزة نوعية للوصول إلى هدف نصف الأرض.

وستكون حماية نصف المحيطات أمراً أكثر بساطة. ويتعين على الدول إضافةً إلى حماية أجزاء من سواحلها أن تتفق على تقليص الصيد في أعالي البحار وهو النشاط الأكثر انتشاراً اليوم، والحد من أنشطة التعدين واستخراج الوقود الأحفوري.وبالطبع فإن فقدان المواطن الطبيعية ليس التهديد الوحيد للتنوع الحيوي اليوم. فالحياة البرية تواجه الكثير من التحديات تتضمن التغير المناخي وتحمُّض المحيطات والتجارة المشروعة وغير المشروعة والتلوث والأنواع الغازية، لكن يوافق علماء الأحياء بالإجماع على أن فقدان المواطن الطبيعية يبقى التهديد الأكبر للتنوع الحيوي في أنحاء العالم. وحماية المزيد من أجزاء الكوكب يمكن أن تساهم في حل المشاكل البيئية بما فيها التغير المناخي. تسبب إزالة الغابات وتآكل التربة نحو 15% من انبعاثات الكربون سنوياً في العالم.

ويقول ويلسون إن الجهل كان العائق الأكبر لتحقيق هدفه في حماية نصف الأرض، لكن عندما نشجع الناس على إلقاء نظرة عن قرب على ما تبقى من الطبيعة وتعقيداتها وجمالها، سيدركون أن البيئة الطبيعية هي موطن تاريخهم القديم، ويصبح كثير منهم مؤيدين بحماس للمحميات.

المصدر: The Guardian

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.