هل الذات الإنسانية فردية أم اجتماعية؟

file (1)

في الآونة الأخيرة، أخذت ذاتي إلى جلسة مع  عشرات الذوات الأخرى لمناقشة فكرة الذات في الشرق والغرب، وأدى ذلك إلى تنافر غريب بين الفرضية النظرية للقاء والواقع العملي. جلس الأفراد حول الطاولة وبدا من الواضح أنهم ينتمون إلى نفس النوع من الكائنات، ولكن بعضهم ظل يخبر بعضاً بمدى اختلافهم في تصوّر الذات. وكان من الصعب إدراك الخلافات الحادة بين الذوات النظرية في التفاعل البشري العادي.
قد يخلص الشخص المتشائم إلى أن هذا يُعدّ دليلًاكما لو أنَّ هناك حاجة لمزيد من الأدلةعلى أن التوقعات المجردة التي يطلقها الفلاسفة ليس لها أي علاقة بالواقع المعاش في الحياة اليومية، ولكن ثمة تفسيرًا أكثر مصداقية؛ وهو أنَّ لدينا مفاهيم وتصوّرات مختلفة عن الذات في جميع أنحاء العالم لا لأنَّ الذوات مختلفة، بل لأنّه في أوقات مختلفة يتفاوت اهتمام الأشخاص بالجوانب المختلفة للذات. إنهم يقدّمون إجابات مختلفة عن سؤالما هي الذات؟“.

سؤال واحد.. ثقافات مختلفة

self

تساعد هذه الإجابات على فهم قيمة أن تسعى ثقافات متعددة أو أشخاص من تخصصات مختلفة  إلى الإجابة على سؤال محدد، وذلك ليس بهدف التوصل إلى نوع منالتفاهم العالميالمتبادل والمتجذر في الاحترام العميق للاختلاف، بل بهدف إدراك أن أسئلتنا ليست هي الأسئلة الوحيدة التي تستحق أن نطرحها وأنّه من خلال أخذ الآخر بعين الاعتبار، قد لا نفتح آفاقًا جديدة فحسب، بل يمكن أن نرى قاعدتنا الفكرية المألوفة في ضوء مختلف.

كل هذا صحيح بلا شكّ، ولكن نحن نسيء فهم ما يعنيه إذا كنا نرى أنَّ ذلك يشير إلى فكرة مختلفة تمامًا عن الذات لتلك الفكرة التي يتبناها الغرب. وهذا يشبه الوقوع فريسة لنوع منالتغريب، مصدر كل من كراهية الغرباء والتمجيد الرومانسي لـالآخرالأجنبي/الغريب. العديد من الهويات هي هويات علائقية في الغرب، مثل الوالدين والأطفال، وعضو المجموعة وهلم جرّاً. ما نفكر فيه على أنّه مفاهيم أو تصوّرات مختلفة عن الذات هو مجرد مسألة اختلافات حول ما هي الجوانب المتعددة للذات التي يتم التعبير عنها وأين ومتى.

الذات الفردية والذات الاجتماعية

Confucius presenting the young Gautama Buddha to Laozi, China, Qing Dynasty. http://commons.wikimedia.org/wiki/File:Confucius_Laozi_Buddha.jpgلماذا، إذن، تتلقى الجوانب المختلفة للذات تركيزًا بدرجة أكثر أو أقل في الثقافات المختلفة؟ الإجابة أخلاقية في المقام الأول، كما أعتقد. مفاهيم أو تصوّرات الذات عادة ما يُفترض أن تكون محاولات لوصف واقع موضوعي لماهية الذات، هذا هو في الواقع ما يعتقد المفكرون في جميع أنحاء العالم أنهم يفعلونه. ولكنَّ فلسفات الذات عادة ما تكون توجيهية بقدر ما هي فلسفات وصفية. على سبيل المثال، بعض المفكرين مثل كونفيوشوس يعرف أنَّ الناس يمكنهم اختيار العيش في عُزلة كفردانيين صارمين. إنَّ العيش دون علائقية ممكنٌ، لكنه ليس جيدًا. وسيكون هنالك بعض الذوات التي تعيش مثل هذه الحياة ولكنها ستكون ذوات فقيرة وضعيفة لا تقوى على شيء. لذا، فإنَّ الاختلافات بين مفاهيم الذات هي أكثر أخلاقية من كونها ميتافيزيقية، تبحث في ما وراء الطبيعة.

وبالتالي فإنَّ تلك السرديات الشرقية عن الذات لا توفر الأجوبة عن الأسئلة التي طُرحت في الغرب نظرًا لأنه قد يكون هناك أسئلة أخرى جديرة بالتساؤل. إذا كنا نريد أن نعرف ما الذي يشكّل أساس الهوية المستمرة للذات مع مرور الوقت، على سبيل المثال، يبدو لي أنّه لا يوجد شيء من الشرق يهدّد السردية التي طرحها علماء غربيون مثل هيوم ولوك، والتي تكون فيها الاستمرارية النفسية والسيكولوجية هيحامل الذات“. إنَّ السؤال المطروح أثناء الحوار المثمر والمشترك مع الشرق هو ما إذا كان من الأفضل دعم هذه الذات المستمرة من خلال مواردها الذاتية وحدها أو عن طريق مشاركتها مع المجتمع ومع الآخرين.
لم يتجاهل فلاسفة الغرب هذه الأسئلة. لقد تحدث ويليام جيمس صراحة عنالذات الاجتماعية“. بصفة عامة، ورُغم ذلك، استخف الفلاسفة بقيمة وأهمية العلائقية وأكّدوا على الفردية. كثيرون في الغرب يشكّكون الآن في هذا الأمر، ويتساءلون ما إذا كنا قد أصبحنا متشرذمين ومنفصلين إلى تلك الدرجة. إنَّ الأساليب الشرقية للتفكير في الذات هي مورد للتفكير في كيف يمكننا تغيير هذه الرؤية.

الفلسفة متعددة الثقافات

thinking-statue-philosophy

وفي ظلّ إعادة تفكير الغرب في أهمية العلائقية، فإنّه بحاجة أيضًا إلى التفكير في أيّ العلاقات أكثر أهمية من الأخرى. في هذه اللحظة تبدو هذه المسألة قيد التفكير. نحن نقلق حياللعب البولينغ بمفردناوتراجع التماسك الاجتماعي، ولكن هل العلاقات التي يمكنها إصلاح ذلك هي العلاقات مع الأسرة والأصدقاء، والحيّ، والمجتمع، والأمة، ووسائل التواصل الاجتماعي، وجماعات المصالح أو حتى الدْين؟ تبيّن لنا الفلسفة المقارَنَة أنَّ هناك أكثر من إجابة واحدة ممكنة، وربما إجابات أخرى لم تقدّمها لنا الأعمال الفلسفية العظيمة حتى الآن.
ثمة مكاسب أخرى من المواجهات الفلسفية متعددة الثقافات. أولًا، هناك بعض القيمة في فهم الفلسفات الضمنية التي تبقي الشعوب على اطلاع، وتفيد كلًا من المراقِبين والمراقَبين.
على الرغم من أنَّ الكونفيوشيوسية أثّرت بعمق في المستقبل الصيني، بعد عقود من الإنكار الرسمي لفلسفته، فإنَّ كثيرين في الصين لا يدركون مدى كونفوشيوسية تفكيرهم على نحوٍ غريزي. فهم يعيشون فلسفة كونفيوشوس دون وعي بذلك. وبالتالي يمكن للفلسفة متعددة الثقافات أن تعدو كونها مجرد وسيلة لفهم ثقافات الآخرين لتكون فهمًا لثقافتنا نحن. وهذا أمر مهمّ بشكل خاص عندما تبدأ البلدان التأثّر بالقيّم الأجنبية. في اليابان، على سبيل المثال، أصبحت الجوانب الفردية الغربية أكثر وضوحًا مع ظهور بعض الدراسات التي تشير إلى أنَّ التراث والطقوس الدينية وإلغاء الذات هي أشياء لا تحظى بتقدير الشباب.

تغريب الذات

o-PSYCHOLOGY-EXPERIMENT-facebook-1024x512

ومع ذلك، يجب علينا أن نكون حذرين من أنَّ جو الاحترام العالمي لا يمنع إجراء استنطاق حقيقي. ومن أجل التعلّم من التقاليد الأخرى يجب على المرء أن يرى فيها السيئ والجيّد كذلك.

إن الجانب السلبي من التركيز بدرجة أقل على الفردية، على سبيل المثال، يمكن أن يؤدي إلى الاحترام المفرط والافتقار إلى الفعّالية ضد الظلم. عند تعريف الذات علائقيًا، يمكن أن يجعلها ذلك أكثر تقييدًا من خلال المجتمع وأقل مرونة. هذا ربما يفسر لنا جزئيًا ارتفاع معدل الانتحار في اليابان. كما أنَّ كوريا الشمالية هي تذكير أقوى حول كيف أن تغريب الذات يمكن أن يكون أداة لأشياء مروّعة.
وهناك بالطبع بعض العناصر من الفلسفات الأجنبية التي يمكن أن يستعيرها الآخرون. لقد عمل جين لي على البحث في الاختلافات في الممارسات التربوية للأطفال عند الآباء الآسيويين والغربيين، على سبيل المثال، ويشير إلى أنَّ كل الأطفال في كل مكان بإمكانهم أن يستفيدوا من حملهم على التفكير حول الجهد والعمل وعلاقاتهم بالآخرين أكثر من التفكير في قدراتهم وتنمية الشخصية. ونحن قد نفكر أيضًا في قيمة الانسجام الكونفوشيوسيّ في السياسة، كما يحثّنا دانيال بيل في كتابه الأخيرالنموذج الصيني”.

يحدث الانسجام عندما تكون علاقاتنا الاجتماعية جيّدة، ولكي تكون علاقاتنا جيدة فإنها تتطلب الانفتاح حول الخلاف والنزاعات المعنيّة. إنَّ الانسجام ليس طموحًا لتوحيد البشر. إذ يشير بيل إلى أنَّواحدة من المقتطفات الأكثر شهرة لكونفوشيوسالمعروفة لدى معظم المتعلمين الصينيينهي أن الأشخاص المثاليين يسعون وراء الانسجام لا الاتفاق في الرأي (أو التماثل)”.
ومع ذلك، فإنَّ مثل هذا التخصيص له حدود بسبب ما أطلق عليه المفكر أشعيا برلينتعدديّة القيم، وهذا يعني أنَّ أكثر من جماعة واحدة قد يكون لها ما يبررها ولكنها قد تكون غير متوافقة. إنَّ مكاسب المجتمع الأكبر، على سبيل المثال، تؤدي إلى خسائر للقيم الحقيقية الناجمة عن الاستقلالية الفردية.

فهم الآخر

ولذا، فإذا نحن بدأنا اتخاذ قرار بشأن أيّ مجموعة من القيم هي الصواب وأيّ مجموعة هي الخطأ، فإننا بذلك نسأل السؤال الخطأ؛ إذ إنَّ كل مجموعة لها مميزاتها وعيوبها، وأنت لا يمكنك الدمج بينهما.

المفاهيم أو التصوّرات المختلفة عن الذات في مختلف الثقافات مهمّة جدًّا لأنها غامضة. لو كان لنا أن الاطلاع على هذه التصوّرات بشكل دائم لأدركنا كيفية التعامل معها. عندما يتحدث الناس لغة أجنبية، على سبيل المثال، فأنت تحتاج إما الحصول على مترجم أو تعلم تلك اللغة. ولكن عندما يطرح الناس افتراضات مختلفة، فإنّه من السهل أن تفوّت ما هو مختلف بشكل حاسم. وإذا افتقدنا ذلك، فلن نعزل أنفسنا عن الآخرين فحسب، بل سنعزل أنفسنا عن السُّبل المفيدة للتفكير حيال الطريقة التي نعيش بها.

ego

كاتب الموضوع جوليان باغيني، ناشر مجلةالفيلسوف، سبق له كتابة والمشاركة في كتابة وتحرير ما يزيد عن 20 كتاباً منهافضائل المائدة” (The Virtues of the Table) وحيلة الذات” (The Ego Trick). نقلاً عن النيويورك تايمز.

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن