ماكينزي والرؤى الاقتصادية المُعلَّبة: هل يمكن واقعياً إنجاز رؤية السعودية؟

saudi-arabia riyadh

السابقة التاريخية المشؤومة والأكثر إثارة للدهشة، التي استحضرها الكاتب والمعلّق في شؤون منطقة الشرق الأوسط، باتريك كوكبيرن أثناء تعليقه على الرؤية الاقتصادية 2030 للأمير محمد بن سلمان، لا تتعلق بماوتسي تونغ أو صدام حسين، ولكن شاه إيران. وتحديداً قبل خمس سنوات من الثورة الإسلامية الإيرانية في عام 1979 فيقول كوكبيرن:

باستخدام عائدات النفط الإيراني، وبإيعاز منالتفكير التنمويالحسن النية من الغرب، اقترح الشاه في عام 1974 نمو اقتصاد إيران بمعدل الربع كل سنة، تحت نسخة موسَّعة من خطة التنمية الخمسية. وكانت نتيجة رغبة الشاه الجنونية في النمو والتحديث هي زعزعة الاستقرار والغضب الشعبي الذي ساهم مساهمة كبيرة في سقوطه“.

وأضاف كوكبيرن: “في قلب سقوط الشاه تقع الغطرسة والتفكير الحالم الذي أدى إلى إطاحته في نهاية المطاف“. وقد اعتمد هذا الموقف في إيران على هدوء رجال الدين والتجَّار، الذين نفد صبرهم ورغبتهم لتحمل الوضع.

أعمدة النظام الهشّة

السعودية بحاجة إلى التغيير، ونموذجها الاقتصادي الحالي هو نموذج غير مستدام في أعقاب انهيار أسعار النفط، خاصة مع هيمنة وجود الأمير الشاب الذي راهن بالأموال السعودية في الحروب في سورية واليمن، والإشارات المكلّفة في السياسة الخارجية للمملكة في مصر ولبنان والعراق وليبيا. والآن، وكما هو متوقع، استُدعيت شركة الاستشارات الغربية، ماكينزي، لإنقاذ المملكة من تلك الأزمة التي تحاصرها.

في زمن الشاه، كانت النصيحة الغربية تتعلق بالتنمية، والتعاون الإقليمي والتصنيع. أما اليوم، فقد صاغت الليبرالية الجديدة مصطلحات مثل الخصخصة، وتسييل الأصول الثابتة، والنمو القائم على الديون، والتنافسية، وهي صيغة مختلفة عن الصيغة الإيرانية السابقة، لكنها ربما لا تكون أقل ضررًا للأعمدة الهشة التي يقوم عليها نظام الحكم في السعودية، رجال الدين الصامتين، والغالبية العظمى من الشباب السعوديين (70٪)، الذين يقضون أوقاتهم في بيروقراطية القطاع العام، ويُدفع لهم بسخاء مقابل عدم القيام بأي شيء. والسؤال هو، ما إذا كانت شركة ماكينزي، بنية حسنة بطبيعة الحال، قد أعطت محمد بن سلمان المنشار المتمثل فيالرؤية 2030″ الذي سيقطع به الغصن الذي تعتمد عليه الملكية السعودية؟

رؤى اقتصادية معلّبة

OMA_McKinsey-IV

يشير البروفيسور فيجاي براشاد أنَّهذا التقرير [الرؤية 2030]، يمكن أن يكون قد كُتب من دون معاينة الواقع على الأرض. إنّه يحمل كل كليشيهات الليبرالية الجديدة: تحويل الاقتصاد من اقتصاد تقوده الحكومة إلى اقتصاد يقوده السوق، وخفض الدعم والمدفوعات التحويلية، وبيع الأصول الحكومية لتمويل هذا التحوّل الاقتصادي. ليس هناك إشارة إلى نموذج الاقتصاد السياسي الغريب في المملكة أو إشارة إلى السياق الثقافي والاجتماعي للمملكة العربية السعودية. ويدعو التقرير إلى خفض وظائف القطاع العام في المملكة العربية السعودية وخفض العمّال الأجانب من ذوي الأجور المتدنية الذين يصل عددهم إلى ثلاثة ملايين عامل، لكن الاقتصاد السياسي للمملكة العربية السعودية وثقافة رعاياها هي أمور تعتمد على توظيف الدولة للرعايا، مطيعي الأوامر من ذوي الأجور المنخفضة من العمالة الوافدة. ولذلك، فإنَّ تغيير هاتين الركيزتين قد يشكّك في بقاء الملكية“.

تركت شركة ماكينزي بصماتها في منطقة الخليج عن طريق إنتاج مثل هذه الخطط الكبرى، كما يلاحظ سالم سيف، إذ تنتج الشركةرؤى اقتصاديةلكل بلد. تقدّم هذه الخطط الرئيسية لكل بلد خطة خاصة لتحويل اقتصاداتها كلها، وتعد بنقلها من الاعتماد على النفط إلى اقتصادات أكثر ثراءً، قائمة علىالتنوع الاقتصاديواقتصاد المعرفة“…  وقد كانت دولة البحرين هي حقل تجاربالرؤى الاقتصاديةلشركة ماكينزي، ففيها تعاونت مع ولي العهد الطموح في منتصف عام 2000 لوضعرؤية اقتصادية لعام 2030″؛ وهي خطة لإصلاح البحرين وتحويلها إلى مجتمعتنافسيّ“. وكانت أبوظبي الغنية بالنفط، عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، هي المدينة التالية في خط الرؤى الاقتصادية لعام 2030 من شركة ماكينزي.

وإذا كانت هذهالرؤى الاقتصاديةتبدو متشابهة بشكل ملحوظ، فهذا لأنّه، كما يجادل سالم سيف: “تساعد على تنويع الاقتصاد بعيدًا عن الاعتماد على النفط، ونمو الاقتصاد من خلال تحويله إلى مركز لوجستي، ومالي وسياحي أيضًا. وقد تحوّلت دبي، في جوهرها، إلى هذا المركز بشكل أو بآخر“.

ويقول سيف (راجع مقاله كاملاً هنا):

القطاع الخاص هو الطريق إلى النجاح. وفي نفس المقابلة تمّ الإعلان عن خصخصة شركة أرامكو، وأوضح الأمير محمد بن سلمان خطط خصخصة البنية التحتية العامة، والتعليم، والرعاية الصحية“.

هذا الهوس بالخصخصة هو أمر غريب خاصة في منطقة الخليج؛ حيث يتكّون القطاع الخاص من الشركاتالمملوكة للعائلات الكبرىفي مجالات البناء والتشييد، والتجزئة، والضيافة التي لا تعتمد على الدعم، والتي تعاني انخفاضَ الإنتاجية، وتعتمد اعتماداً كبيراً على العمّال الوافدين المستغَلين، والذين يتقاضون أجورًا زهيدة وينتجون خدمات غير قابلة للتصدير.

في المقابل، الشركات التابعة للدولة في الخليج، سواء كانت مملوكة كليًا أو جزئيًا من الحكومة، تميل إلى أن تكون أكثر ديناميكية وإنتاجية، ودهاء من الناحية التكنولوجية. تمتلك هذه الشركات علاقات عمل أفضل وتوظف المزيد من العمّال المحليين. وسواء كانت منخرطة في مجال النفط والخدمات اللوجستية والنقل الجوي، أو إدارة الثروات السيادية، فإنها من بين أكثر الشركات المعترف بها دوليًا التي تقدمها المنطقة.

غياب المواطنين

Saudi-Building-Pillar-Hero-Visual

القاسم المشترك بين جميع هذه الرؤى الاقتصادية،  سواء التنموية أو النيو لليبرالية، هو الغياب شبه الكامل لمشاركة المواطنين أنفسهم، وهذا أمر غير مألوف لدول الخليج.

يعاني سكّان المنطقة الازدراءَ؛ إذ يرى حكامهم أنهم لا يستحقون أداء أي دور في صنع القرار، وكثيرون في جميع أنحاء العالم، وبينهمالتقدميون، يميلون إلى اعتبارهم مجرد مقيمين في دول غنية وقمعية. ونادرًا ما يتم منحهم أي سلطة.

إنَّ القاسم المشترك بين المملكة العربية السعودية وإيران في عهد الشاه هو عدم وجود أي هياكل رسمية لاستيعاب وتوجيه ردود الفعل الاجتماعية والسياسيةالمتفجرة في بعض الأحيانعلى أي تغيير جذري وسريع. وبحسب ما ذكره الناقد سيلفام كانغارتانا، فإنَّالهدف النهائي للأمير محمد بن سلمان هو إنهاء العقد الاجتماعي طويل الأمد الذي يحصل بموجبه المواطنون السعوديون على وظائف سهلة في القطاع الحكومي وعلى مستوى مرتفع من المعيشة، في مقابل أن يكونوا سلبيين سياسياً وأن يدينوا بالولاء لأسرة آل سعود الحاكمة“.

يمكن بسهولة أن نعتبر هذه السلبية السياسية أمرًا مفروغًا منه. في كتابه بعنوانالهيمنة السياسية الغربية والإسلام السياسي، يكتب خالد سعيد، كيف أصبح الشاه غافلًا تمامًا عن الصعوبات الهائلة التي يواجهها الإيرانيون بسبب سياساته الاقتصادية للتصنيع السريع، يمثل هذا العمىالغطرسة والتفكير الحالمالذي غرق فيهما الشاه.

70 بالمئة من القوى العاملة السعودية تعمل في وظائف مريحة غير مُتَطَلِّبة في بيروقراطية الدولة. فهل سيرحبون بالتحول إلىالتنافسية؟ لدى الأمير محمد بن سلمان خطط كبيرة لخصخصة البنية التحتية العامة، والتعليم، والرعاية الصحية. ولكنهلسترحّبالمؤسسةالوهابيةبهذاالتحديثوالتغريبداخلمجتمعها؟

تساؤلات حول الرؤية

saudi-arabia-oil

اليوم، أصبح الشباب السعوديون مثقفين بشكل متزايد ويستخدمون الإنترنت بشكل كبير. المملكة العربية السعودية لديها أكبر عدد مستخدمي تويتر نشطين في العالم العربي بواقع 2.4 مليون مستخدم، وهو أكثر من ضعف العدد في مصر، التي يبلغ عدد سكّانها ثلاثة أضعاف عدد سكّان المملكة.

ويخلص البروفيسور براشاد إلى:

إنّه من أجل التحوّل من اقتصاد يعتمد على النفط إلى اقتصاد صناعي سياحي ومالي، فإنَّ المملكة العربية السعودية بحاجة إلى جرعة كبيرة من الاستثمار. ولجلب مثل هذا الاستثمار، تخطط المملكة العربية السعودية لبيع حصة صغيرة من شركة أرامكو المملوكة للدولة. وتهدف الخطة إلى جمع تريليوني دولار على الأقل من بيع أرامكو ومن بيع الأصول الأخرى المملوكة للدولة. وهذه الأموال تعزز صندوق الثروة السيادية المستنزف بالفعل، والذي قد ينفد نهائيًا بحلول 2017-2020″.

سيُستخدم صندوق الثروة السيادية لتطوير قطاعات صناعية جديدة مثل البتروكيماويات والصناعات التحويلية المتوسطة الحجم والتمويل والسياحة، وسيُسمح للأجانب بتملك العقارات في المملكة وستشجع الدولة النشاط التجاري. كيف يحدث كل ذلك بحلول عام 2020 – الموعد الذي اقترحه الأمير  محمد بن سلمانأو حتى بحلول عام 2030، السنة التي ارتبطت بخطة الأمير؟ هل ستكون المملكة العربية السعودية قادرة على تحويل سكانها من قبول مدفوعات عائدات النفط ليصبحوا مجرد عمّال في بيئة سوق غير آمنة؟ يشير التاريخ إلى فترة طويلة من عدم الرضا في أوساط الجمهور خلال هذا النوع من التحوّل الهائل. فهل يمكن لأفراد العائلة المالكة السعودية إدارة مستوى الغضب والتندر الذي من الممكن أن يثيره هذا التغيير؟“.

وكتحذير، استشهد موقع بلومبرغ بتقرير نشرته مؤسسة “Capital Economics” يوضح أنَّ: “التاريخ يشير إلى أنه من الأفضل عدم أخذ إعلانات الإصلاح في المملكة العربية السعودية على محمل الجد“.

المصدر: Conflicts Forum

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن