تجربة شخصية: سَمَرَة مع حكيم في كهف

cave fire night desert

متعب المبلع - السعودية

كنت مدعواً إلى عشاء في إحدى الضواحي القريبة من الرياض، وكان ذلك في ربيع هذا العام، ومن سوء الحظ أنني انشغلت عن أصحابي الذين وعدتهم بأن أصطحبهم معي إلى العشاء، مما جعلهم يذهبون من دوني على أن ألحق بهم متى ما أنهيت عملي. وبالفعل هذا ما فعلته، فبعد أن أنهيت أعمالي الخاصة توجهت مباشرة إلى المكان، وكان طريقاً صحراوياً وعراً مما تسبب في انفجار إطارَي السيارة الأماميين.

فتكدرت مما حدث واتصلت بخالد ومحمد وأخبرتهما عن سبب تأخري، وأنني الآن في ورطة ولابد أن يأتيا لمساعدتي، وبعد إغلاق خط الهاتف المحمول وخلال انتظاري أخذت أتأمل السماء حيث عناقيد النجوم تتلألأ في كل زاوية منها، ثم أدرت بصري نحو  الصحراء الشاسعة التي يكسوها الظلام فأبصرت ضوءاً منبعثاً من أحد التلال القريبة مني، فعزمت أن استكشف الأمر وأذهب كي أرى مصدر الضوء، فربما وجدت أحداً يساعدني في ورطتي.

فاقتربت من التل، فإذا الضوء منبعث من كهف صغير في أعلاه، فشعرت بالوجل، وازداد خيالي  انفعالاً، واعتقدت لحظتها بأنني سأبصر مجموعة من الجن، وأخذت أتخيل أشكالهم وأنهم سيبدون كالأباريق لهم أنوف طويلة وآذان كبيرة وسيقان نحيلة، وقبل أن أدخل الكهف راعتني كثرة النقوش والرسومات المنحوتة على مدخله، لكنني سرعان ما تقدمت ودخلته، وإذ بي أُفاجأ برجل في الخمسين من عمره متكئ على صخرة يقرأ كتاباً وحوله سراج يضيء ذلك الكهف الصغير، فتعجبت من المنظر لكنني أخفيت تعجبي وألقيت على الرجل السلام، منتظراً ما سيأتي.  

نظر إلي الرجل، وأنزل الكتاب وقال: وعليكم السلام، مرحباً هل أضعت الطريق أم تعطلت معك السيارة؟

فقلت: بل انفجر إطاران السيارة الأماميان!

فقام عن مكانه وأحضر لي كيساً فيه خبز وزيت وقدمه لي وقال: “كل. يبدو أنك لم تذق شيئاً طوال هذا اليومثم عمد إلى إبريق قد وضعه فوق نار يكاد جمرها أن ينطفئ، فصب لي كوباً من الشاي.

حينئذ شعرت بحميمية عالية بيني وبين هذا الرجل وكأنه أحد آبائي الراحلين أتى ليتحدث معي. أكلت لقيمات قليلة، وكان طعمها مختلفاً ورائعاً ولذيذاً، وكأني لم آكل خبزاً أو أشرب شاياً قبل هذه الليلة، ثم أبعدت الطعام عني ودعوت له بالبركة، فرحب بي ثم استداء واتكأ على الصخرة وأخذ يواصل القراءة.

تعجبت منه.. أكل هذا انشغال بالقراءة؟!

man fire camp night

كسرت حاجز الصمت فقلت: يبدو أنك مدمن للكتب.

فأتاني رده: نعم هي رفيقتي طوال حياتي، وهي أعز أبنائي وأنفس أموالي ومنتهى أحلامي. فقلت: وهل جنيت منها ما يعوضك عن كل هذا الجهد والوقت الذي تبذله في مطالعتها؟

فقال: بلا شك فهي من جعلتني أعيش عصوراً ليست في عصرنا، وأسافر من غير تذكرة أو جواز، وأقتحم السجون لأراقب فرانك لي موريس وهو يستخدم عبقريته وصبره الدؤوب ليفر من أشهر السجون في العالم دون أن يعرف أحد عنه شيء بعد ذلك. وهي من سافرت بي إلى جزيرة جيمس تاون لأرافق الأميرة الصغيرةبوكاهانتسفي رحلتها المضنية بحثاً عن الحب والسلام بين الهنود الحمر والإنجليز. اقتحمت من خلال الكتب ساحات المعارك والحروب على مر التاريخ، ورأيت الجندي وهو يقتل الجندي المعادي له وكيف بعد ذلك يجتمع أشراف الدول بعضهم مع بعض ليشربوا كؤوس النبيذ الفاخرة ويعتذروا عما حدث.  

رأيت من خلالها العالم الذي لم أره، وسمعت الأحاديث التي لم أسمعها، فكيف لم تكافئني هذه الكتب عن وقتي وجهدي.   

فأعجبني حسن جوابه، وأخذت أسترسل معه في الحديث وأتطرق معه إلى شتى المواضيع، فتحدثنا عن الحياة والحب والشعر والخوف والأعداء والأصدقاء، وكان كلامه هادئاً وجميلاً تفيض منه روح الصدق وخلاصة التجربة.

desert night car

بعد مرور ساعة شعرت بضوء سيارات يقترب وأشخاص ينادون باسمي، فعلمت أنهم أصحابي قد جاؤوا لمساعدتي فقمت وقبلت رأسه وقلت له: شكراً على العشاء الجميل وعلى حديثك الأجمل، وأعدك أنني سأدونه في كتاب متى ما سنحت لي الفرصة.

في الحقيقة صورة ذلك الرجل لم تزل خالدة في ذاكرتي، وكأنني رأيته هذا اليوم.

لم أكن أعلم قبل لقائي له أن الإنسان يستطيع أن يبني عالمه الجميل بالقراءة والكتب. كنت أظن الكتب أجساداً بلا أرواح، لكنني أدركت بعد لقائي هذا الحكيم أنها هي الأرواح التي تجعل العالم يضج بالحياة وينبض بالأمل ويسعى إلى التقدم والكمال.

إن للحياة التي نعيشها معانيَ عديدة ومتجددة، والقارئ هو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يترجم هذه المعاني كما تريد الحياة نفسها لا كما يريد المتطفلون عليها.

desert night

عندما أخبرت أصدقائي بما حصل لي وتأثري بهذا الرجل الغريب المهيب ووقع كلماته على قلبي، أخبروني بأنهم لطالما سمعوا هذا الكلام في مدارسهم ونصائح معلميهم، لكنهم لم يلقوا له بالاً، وأنهم ندموا ندماً شديداً على ضياع العمر من دون أن يكون للقراءة نصيب فيه، وأخذ كل واحدٍ منا يضرب مثالاً بصاحبٍ له يعرفه كان يقرأ كثيراً حتى أصبح ذا منزلة مرموقة يستشيره الناس، ويأخذون بآرائه ويسيرون بناءً على نصائحه. حينئذ توقفنا قبل الوصول إلى الرياض، وتعاهدنا نحن الثلاثة أن نحاول أن نصبح مثل ذلك الرجل نعشق الحرف وتستهوينا القراءة، وأن نعتاد أن نضيف إلينا صديقاً رابعاً هوالكتاب“.

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن