فيلم ملكة الصحراء: النسخة النسائية من “لورانس العرب” تغفل التاريخ الحقيقي للمنطقة

awJ1LvXKhqZOPJB67AthCCVngi2

جرى أخيراً تسليط الضوء على فيلمملكة الصحراء” (Queen of the Desert) للمخرج الرائع فيرنر هيرتزوغ من ناحية أمانته التاريخية وفن تصويره السينمائي. وأدت دور البطولة فيه نيكول كيدمان التي لعبت دور العميلة والكاتبة البريطانية غيرترود بيل.

قد يتذكر بعض مشاهدي فيلمالمريض الانجليزي” (The English Patient) للمخرج أنتوني مينغيلا عام 1996، حواراً دار بين بعض الجنود البريطانيين الذين يحاولون الوصول إلى خط سكة الحديد برلينبغداد عبر الجبال. فقال أحدهمتشير خرائط بيل للطريق، ويأتي الرد من زميلهلنأمل أنه كان محقاً“. قد نتمكن من تبرير وقوع الممثل في هذا الخطأ، فلن يخطر بباله أن امرأة هي التي استكشفت كل تلك التلال والجبال والصحارى في الشرق الأوسط ورسمت خرائط للمنطقة منذ قرن مضى.

ولدى مشاهدة فيلمملكة الصحراءعام 2015 يغادر معظم المشاهدين المسرح بانطباع أنهم اطلعوا على حياة صانعة الملوكغيرترود مارغريت لوثيان بيل“. ومع ذلك، فإن هذه النسخة النسائية من لورنس العرب، التي لعبت دورها الممثلة نيكول كيدمان لا يمكن أن تضاهي أبداً بطولة بيتر أوتول في فيلملورنس العرب“. ومقارنة بالقصة الحقيقية لحياة بيل وما أنجزته في الشرق الأوسط بفضل مهاراتها اللغوية والسياسية لخدمة مصالح الإمبراطورية البريطانية، فإن الفيلم يعد فشلاً ذريعاً. وعلى العكس منلورنس العربفإن هذا الفيلم يعرض القليل من منجزات بيل في تدمير معيشة العرب الذين كانوا خاضعين للحكم العثماني.

أحداث الفيلم

HQRobertPattinsonQOTDBTS

يبدأ الفيلم بمشهد لصحراء تهب عليها الرياح، ثم نرى بعض البريطانيين ومن بينهم الشاب توماس إدوارد لورنس، في المكتب البريطاني العربي في القاهرة يتناقشون في كيفية انتزاع الإمبراطورية البريطانية لبلاد الرافدين (العراق) من الإمبراطورية العثمانية. يتابع الفيلم أحداثه عن سيدة إنكليزية جذابة وذكية جداً ومفعمة بالحيوية والبراءة وتشعر بالملل من الحياة المترفة في الريف البريطاني. ونعرف بشكل عابر أنها تخرجت بمرتبة الشرف في التاريخ من أوكسفورد، وتصر على والدها ببراءة أن يرسلها لأي مكان فإما إلى الهند أو الشرق الأوسط، كما لو أن المنطقتين كانتا الفناء الخلفي لمنزلهما.

تذهب الفتاة في البداية إلى طهران وتصادف أن القنصل البريطاني هناك هو أحد أقاربها. قد يتوقع المرء أن بيل ستشعر بغربة وكأنها سمكة خارج الماء ولكن على العكس، فلم تشعر بأي صدمة ثقافية ورغبت في استكشاف المنطقة كلها كعالمة وخبيرة في علم الآثار“. ثم نراها تتجول في تلك الأنحاء، وتُستقبل في قصور بعض شيوخ المنطقة وكأنها شخصية دبلوماسية بريطانية. وبين رحلاتها هذه تعيش قصتا حب مع اثنين من العاملين في طاقم القنصلية البريطانية. وبعيداً عن اللقطات البانورامية النادرة جداً للصحراء العربية، فإن الفيلم لا يستحق عنوانه الكبير لأن سير الأحداث يجري غالباً في أماكن مغلقة.

ينتهي الفيلم بمحادثة لها وسط الصحراء مع اثنين من زعماء العرب هما فيصل وعبدالله، اللذان تخبرهما بنظرة ثاقبة أنهما سيصبحان قريباً ملكين للعراق والأردن. ربما لن يتذكر المشاهدون من الفيلم سوى مغامرتيها الغراميتين وكلمةصانعة الملوك“. وللحصول على صورة أفضل عن الدور الذي أدته ضابطة الاستخبارات البريطانية هذه في تشكيل الشرق الأوسط الجديد، فالأفضل مشاهدة الفيلم الوثائقيرسائل من بغدادلزيفا أولبايوم وسابين كراينبول الذي أنجز عام 2014.

ما هي القصة الحقيقية؟

Gertrude Bell picnics in Iraq, 1922

ولأنيكاتب المقالشرق أوسطي تركي وسليل الإمبراطورية العثمانية، فقد كنت على دراية بالسمعة السيئة لبيل منذ طفولتي وقرأت بعض الأعمال عن سيرتها الذاتية. فإن كنت لا تعلم قصة حياتها الحقيقية، فستتعلم القليل عن ذلك من الفيلم. لا أدّعي أن الأفلام هي مصادر للمعرفة، ولكن من المتوقع منها على الأقل إعطاء لمحة عن الواقع.

كانت بيل تتحدث عدة لغات بطلاقة كالفارسية والعربية والفرنسية والألمانية لدرجة أنها ترجمت ديوان الشاعر حافظ الشيرازي وكانت ترجمة ممتازة عن الأصل الفارسي مع مقدمة عن حياته وأعماله. وإضافة إلى أنها عالمة موهوبة، ألفت بعض أفضل الكتب في أدب الرحلات ورسم الخرائط والإثنوغرافيا (وهو علم يتناول الدراسة الوصفية لطريقة وأسلوب الحياة لشعب أو مجتمع ما). ولا يبدو أمراً مستغرباً أن توظف الإدارة الاستعمارية البريطانية شخصية موهوبة مثلها. وقد سارعت للتعرف على المجتمعات العربية والكردية والدرزية والشيعية في المنطقة، وتم أخذ نصيحتها بالثقة بالسنة العرب بعين الاعتبار أثناء تشكيل الشرق الأوسط الجديد باعتباره امتداداً للانتداب البريطاني.  

فرّق تَسُد

12747534_1129529770421211_3750149987089433245_o

من الصعب أن نستنتج من هذا الفيلم أن بيل كانت هي التي تقف وراء جميع  المشاكل الحالية في الشرق الأوسط، فهي التي خطت حدوده بقلمها ومسطرتها، لكنها تظهر في الفيلم كما لو لم يكن لها علاقة بتقسيم الأراضي العثمانية واحتلالها.

في الواقع لم تكن تختلف عن أي بريطاني في المنطقة من جهة الاستشراق الصريح لتسويغ موقفهم من التفوق والنفوذ، فقد لمّحت لذلك في إحدى كتاباتها إذ تقول:

الشرقي مثل الطفل الكبيرفهو ليس عملياً في التجاوب معنا ومصلحته ليست مصلحتنا“.

ربما لم يكن قرارها الشخصي التحريض على التمرد من خلالالأقلية الصاخبةفي بلاد الشام ضد الانتصارات التركية في الدردنيل أو حصار كوت العمارة، حيث فقدت حبيبيها الثاني في حملة غاليبولي، لكنه يبدو كانتقام بأثر رجعي من العثمانيين. ومنذ قرن مضى وجه هؤلاء المستشرقون أصابع الاتهام للإمبراطورية العثمانية بالاستبداد غير المنطقي ومازالوا يقومون بالأمر ذاته عبر تشجيع الجماعات العرقية والطائفية المحلية على التمرد على سلطة الدولة. وهذه المرة ليس بإشراف البريطانيين وحدهم، بل هناك مجموعة من القوى الغربية الحديثة التي تحاول رسم خريطة المنطقة وفقاً لمصالحها الخاصة عبر دعم وتشجيع بعض القبائل المحلية على إنشاء دولها الخاصة، مع الحرص على أن تكون ضعيفة بما فيه الكفاية للاستماع لأسيادها الغربيين. لكنهم هذه المرة أكثر حكمة في إدراك أهدافهم عبرفرِّق تَسُدومن خلال حروب بالوكالة والاستعمار الجديد.

كاتب المقال علي مورات يل، وهو أستاذ في الأنثروبولوجيا في قسم الراديو والتلفاز والسينما لدى جامعة مرمرة في تركيا
_68664340_gertrudebbc

غيرترود بيل

المصدر: Daily Sabah

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن