كيف تحوّلت آيسلندا من منتخب ضعيف إلى أحد أقوى المنتخبات الأوروبية؟



0242D2160000044D-3659782-image-a-49_1466864381762

انطلقت بطولة كأس الأمم الأوروبية بمباراة فرنسا، البلد المستضيف للبطولة، ضد رومانيا في المباراة الافتتاحية.

وتشارك في البطولة مجموعة من أقوى وأفضل المنتخبات في العالم، بينها المنتخب الألماني الذي يضم نفس قائمة اللاعبين الذين فازوا بكأس العالم قبل عامين، لكنه يفتقر إلى جهود ميروسلاف كلوزه، وبينها أيضاً إسبانيا التي حصلت على بطولة أوروبا مرتين. وأخيرًا، يظهر الجيل الذهبي في بلجيكا، أما فرنسا فلديها العديد من المواهب الرائعة هذا العام وهي مرشحة بقوة للفوز بالبطولة. وكان من المحتمل ظهور إنكلترا بمستوى مختلف هذه المرة، في بعض المباريات على الأقل، لكن لم يتحقق لها ذلك، كما لم يكن لبلجيكا، رغم فريقها القوي، حظ التأهل للأدوار العليا بعد إقصائها.


هذه نُبذة سريعة عن بطولة أمم أوروبا التي وصلت إلى دورها ربع النهائي هذا الأسبوع. ولكن دعك من ذلك كله، فإذا كنت مشجعًا محايدًا، يجب أن تشجّع آيسلندا.

نعم، آيسلندا، جزيرة الصخور البركانية النائية التي حققت أفضل إنجاز لها في تاريخها الرياضي بالحصول على الميدالية الفضية في لعبة كرة اليد في دورة الألعاب الأولمبية 2008، هذا إلى جانب خسارة مخيبة للآمال في نهائيات كأس العالم للهوكي.

شجّعْ أيسلندا

iceland-football-team-2016

تتبوأ آيسلندا حالياً المركز الـ34 في التصنيف العالمي لكرة القدم، على الرغم من أنها تمتلك عدد سكان أقل من قبرص (رقم 84)، ولوكسمبورغ (رقم 146)، ومالطا (رقم 166). إذ يصل مجموع سكّان آيسلندا إلى 330 ألف نسمة، وهي أصغر دولة تتأهل لبطولة كرة قدم كبيرة، باستثناء تاهيتي، التي تأهلت عن أوقيانوسيا في كأس القارات عام 2013، والتي خسرت حينها ثلاث مباريات بإجمالي عدد أهداف 24-1، والهدف الوحيد الذي سجلته أثار احتفالات الجماهير في مدرجات البرازيل. 
لكنَّ آيسلندا ليست تاهيتي، وهي لم تذهب إلى فرنسا لتحقيق انتصارات معنوية؛ فمن أجل التأهل لنهائيات كأس الأمم الأوروبية عام 2016، هزم المنتخب الآيسلندي نظيره الهولندي ذهابًا وإيابًا وحصل على ست نقاط من المباريات التي خاضها على ملعبه ضد تركيا وجمهورية التشيك.


فكيف حصل ذلك؟ ومن أين أتت آيسلندا إلى عالم كرك القدم بهذه القوة؟

شجّعْ منتخب آيسلندا لأنّ القرعة المواتية جعلت أبناء “بيورك” (مطربة آيسلندية شهيرة) مستعدين للنجاح في هذا اليورو. فقد ضمت مجموعة آيسلندا فريق البرتغال (تعادل الفريقان بهدف لكل منهما) التي لعبت ثلاث مباريات في نهائيات كأس العالم 2014 برعونة شديدة ومستوى ضعيف، وغالبًا ما كان المنتخب البرتغالي أشبه بمنتخب كريستيانو رونالدو وفريق الدعم الخاص به. كما ضمت المجموعة منتخب النمسا (فازت أيسلندا على النمسا بهدفان لهدف)، وهو المنتخب الذي يقوده الظهير الأيسر لنادي ليستر سيتي والمدافع القوي كريستيان فوكس، وهو عاشر أفضل فريق في العالم وفقًا لتصنيف الفيفا، لكنَّ النمساويين لا يستطيعون استغلال لاعب خط الوسط والمدافع ديفيد آلابا في كل مكان في الملعب، على الرغم من جهود بيب غوارديولا للقيام بذلك في بايرن ميونيخ. أما منتخب المجر، فقد جاء في المركز الثالث في أضعف مجموعة في التصفيات المؤهلة لكأس الأمم الأوروبية، بعد أن فاز على النرويج في مباراة فاصلة من أجل التأهل.

المفاجأة الكبرى

541065730_20160618200429-k1HI--980x554@MundoDeportivo-Web

جنّبت القرعة آيسلندا من مواجهة منتخبات مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا في الدور الأول من اليورو، وذلك بفضل النظام الجديد للبطولة المكّون من 24 فريقًا، ولذلك كان من الممكن أن تتأهل حتى لو جاءت في المركز الثالث بين هذه الفرق الأربعة، لكنَّ المفاجأة أنَّ آيسلندا تأهلت للدور ربع النهائي من البطولة بعد أن أطاحت إنكلترا في الدور ثمن النهائي.

في سيناريو يعيد الى الاذهان ما حصل قبل اثني عشر عامًا، إذ شهد يورو 2004 أكبر فائز مهضوم حقه في التاريخ الدولي الحديث. كانت اليونان في التصنيف 36 في عام 2004، واستطاع منتخبها الفوز على حامل اللقب السابق (فرنسا)، والمنتخب الوحيد الذي لم يُهزم في البطولة (جمهورية التشيك)، والبلد المستضيف (البرتغال) في الطريق إلى اللقب.

الاهتمام بالتدريب


ادعمْ وشجّعْ آيسلندا لأنَّ منتخبها يستحق ذلك. لقد قاد الاتحاد الآيسلندي ” Knattspyrnusamband” لكرة القدم المنتخب الوطني من المركز الـ 112 في التصنيف العالمي منذ ست سنوات فقط، وذلك بفضل سلسلة من الاستثمارات الذكية في التعليم والبنية التحتية.
ففي ظلّ غياب التدفق المفاجئ للمهاجرين البرازيليين الذين كانوا يساعدون في تدريب الشباب، كان يجب على الاتحاد الآيسلندي القيام بما فعله، إذ جدد نظام التعليم والتدريب في البلاد في محاولة لتحسين مستوى اللاعبين. وبينما كان على الأشخاص الراغبين في التدريب السفر إلى بعض الدول الأوروبية للحصول على شهادة تدريب، سمحت الدورات التدريبية الرخيصة في العاصمة ريكيافيك لمئات المدربين بالحصول على الرخصة “A” والرخصة “B” من الاتحاد الأوروبي دون الحاجة للسفر خارج آيسلندا. ونتيجة لذلك، يدرب الأطفالَ الصغارَ في آيسلندا مدربون أكفاء يعرفون ما يقومون به. وكتب ديفيس هاربر في مجلة “Howler” أنَّ هناك مدرباً مؤهلاً من الاتحاد الأوروبي لكل 500 آيسلندي، أما في إنكلترا فمدرب لكل 10000 شخص، كما تفوق النسبة في آيسلندا كذلك نظرائها في اسبانيا والمانيا.

يقول مدرب منتخب ايسلندا هيمير هالغريمسون (وهو واحد من مُدرِّبَين يشرفون على الفريق): “مهما كانت القرية صغيرة او كبيرة فإنها ستحظى بمدربين مؤهلين يتساوى مستواهم مع مدربي أندية الدرجة الممتازة، وبذلك يمر الجميع بنفس مراحل التطور بغض النظر عن محل إقامتهم”.

وبسبب ذلك، فقد أنجبت ايسلندا مواهب شابة عديدة في السنوات العشر الماضية اكثر من اي وقت مضى، وهو أمر من المرجح ان يستمر.

تطوير الملاعب لتفادي الطقس

Ck7zy0vXAAAY58Q

بطبيعة الحال، هناك تحدٍّ يواجه آيسلندا ولا يواجه إنكلترا وهو البيئة، فالرياح الشديدة ودرجات الحرارة تجعل من الصعب اللعب في الهواء الطلق لفترة طويلة من العام، ولذلك، أنشأ الاتحاد الآيسلندي 15 ملعبًا مغلقًا تابعًا للقطاع العام، وحوّل الهواية الموسمية إلى لعبة يمارسها الجميع على مدار العام، وأكمل بناء أكثر من 20 ملعباً في الهواء الطلق وأكثر من 100 ملعب صغير في جميع أنحاء البلاد. وقد تمّ بناء أول ملعب مغلق في عام 2000. وبعد ستة عشر عامًا، تأهلت أول مجموعة من اللاعبين الذين يتمتعون بالمرافق الجديدة والمدربين الجدد لبطولة قارية كبرى لأول مرة في تاريخ البلاد.

يقول أتلي إدفالدسون اللاعب السابق والمدير الفني الأسبق للمنتخب الأيسلندي: “كان الموسم الكروي يمتد من مايو إلى سبتمبر. وبعدها كنا نتوقف عن ممارسة النشاط الكروي الرسمي محليا”.

وأكمل: “بهذا كانت ممارسة اللعبة رسميا تغيب لشهور طويلة، وكل شيء كان يتجمد، في هذه الأوقات، اعتدنا ممارسة رياضات أخرى. والآن، لدينا أربعة ملاعب داخلية ضخمة وعدة ملاعب متوسطة المستوى كلها ملاعب مغلقة”.

وواصل: “منذ تدشين هذه الملاعب، يمكننا اللعب لأربع أو خمس مرات أسبوعيا في أفضل المنشآت الرياضية. هذا قادنا للتقدم خطوة هائلة، وكذلك، أصبح لكل مدرب رخصة بغض النظر عن الفئة السنية التي يدربها”.
هذا التجديد، هو استمرار لملحمة تاريخ كرة القدم الآيسلندية التي أنجبت عددا من النجوم الذين غزوا الملاعب الأوروبية بحثًا عن حظوظهم. فهكذا فعل أسجير سيجفنسون، الذي لعب لنادي ستاندارد لييج في بلجيكا وبايرن ميونيخ وشتوتغارت في ألمانيا في فترة السبعينيات والثمانينيات، ولحقه أرنور غوديونسون من نادي أندرلخت البلجيكي ونادي بوردو الفرنسي، الذي أنجب (بالمعنى الحرفي للكلمة في هذه الحالة) إيدور غوديونسون، الذي لعب لتشيلسي وبرشلونة في العقد الماضي، وهو الآن ضمن قائمة المنتخب الآيسلندي في يورو 2016، وعمره سبعة وثلاثون عاماً.

من هم لاعبو ايسلندا؟


هؤلاء النجوم عادوا إلى الجزيرة (ايسلندا) لقيادة منتخبها ضد عمالقة أوروبا. ولم يتبقَّ سوى القليل من هذا الإرث. لاعب خط الوسط المهاجم لنادي سوانسي الإنكليزي، جيلفي سيجوردسون هو النجم الأول لهذا الفريق، سجل تسعة أهداف في 17 مباراة شارك فيها مع سوانزي ساهمت في بقاء الفريق في الدوري الإنكليزي الممتاز، وقاد آيسلندا بإحراز ستة أهداف في التصفيات، ولكن لا يوجد لاعب في القائمة النهائية للمنتخب في بطولة اليورو يلعب لنادٍ محلي في آيسلندا.
ولأن الدوري الآيسلندي هو دوري شبه محترفين، فإن توقيع أفضل اللاعبين الآيسلنديين يعد أمرا غير مكلف للفرق الأوروبية. لكن اللاعبين الآيسلنديين يواجهون تحد دائم في هذا الأمر، فإذا كنت لاعب ذو طموح فإن الطريقة الوحيدة لتحقيق احلامك هي بالذهاب إلى الخارج. ولآيسلندا الآن 58 لاعبا محترفا في دوريّات أوروبا و 23 في ضمن فئة الشباب في القارة.

ويبدو مما نراه أن نهج آيسلندا الجديد قد أدى إلى تطوير شامل.

الشخصية الآيسلندية

3590503C00000578-0-image-a-5_1466713568375

هنا نصل للعنصر الثالث الذي يدفع كل هذه المواهب الآيسلندية للأداء القتالي في الملاعب وهو ما يمكن ان نسميه “الشخصية الآيسلندية”، ان صح التعبير، وما يعنيه ان تعيش في جزيرة صغيرة في شمال المحيط الأطلسي، اذ تتلخص المسألة بالتالي:

لقد وصل الشعب الآيسلندي منذ فترة طويلة الى تفاهم مع فكرة أن الحياة كفاح. فآيسلندا، وهي جزيرة مهجورة، كانت واحدة من آخر الأنحاء التي استقر بها البشر في أوروبا. وقبل الحرب العالمية الثانية، كانت آيسلندا واحدة من أفقر البلدان في أوروبا، أما اليوم، فهي واحدة من أكثر البلدان تقدما، إلا أن روح النضال ضد الظروف، وضد العزلة الجغرافية، لا تزال باقية لدى الآيسلنديين، وهذا ما نراه منهم في روح الإصرار والعزيمة لقهر الظروف والتوقعات داخل المستطيل الأخضر.

ان الطفرة في البنية التحتية والتدريب بدأت بالتشكل عندما كان معظم لاعبي المنتخب الوطني الحالي في سن المراهقة. اما الآن فهناك العديد من الأطفال ممن يبلغون خمس سنوات يستفيدون من هذه البنية الكروية مما يرجح أن يستمر الآيسلنديون في لعب دور مميز في كرة القدم الأوروبية لسنوات قادمة. لذلك تذكر، ان كنت محايدا في متابعتك للبطولة الأوروبية، ربما عليك ان تشجع آيسلندا تشجيعا لقيم للمثابرة والعمل والدقة التي أرساها الآيسلنديون لبناء هذا الفريق.

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن

There is one comment

Comments are closed.