كيف ألغت البرتغال تجريم كافة أنواع المخدرات وكيف كانت النتائج؟

276165-12968418-portugal_homepage_1998x1470_jpg

تجمع الدبلوماسيون بمقر الأمم المتحدة في نيويورك في أبريل 2016 لمناقشة مستقبل السياسة العالمية لمواجهة المخدرات، وحاز أحد المسؤولين البرتغاليين ويدعى جاو غوالو اهتماماً كبيراً بعرضه نتائج خطوة جريئة أقدمت عليها بلاده منذ ستة عشر عاماً حين أوقفت تجريم حيازة جميع أنواع المخدرات من الماريجوانا إلى الهيروين.

لجنة الإرشاد

فلم تعد السلطات البرتغالية تعتقل أي شخص تجد لديه كمية أقل من مؤونة عشرة أيام من مخدر محظور مثل غرام من الهيروين أو الأمفيتامين أو غرامين من الكوكايين أو 25 غراماً من حشيش القنب. وبدلاً من ذلك يتسلم هذا الشخص أمراً بالمثول أمام ما يسمى لجنة الإرشاد المكونة من خبراء في المجالات القانونية والاجتماعية والنفسية. وببساطة تُعلّق معظم القضايا، أما الأشخاص الذين يتكرر مثولهم أمام اللجنة فإنهم يُلزَمون بعلاج يتراوح بين المشورة التحفيزية والعلاج البديل.

لقد تعرضنا لانتقادات حادة. هذا ما قاله غوالو وهو طبيب متخصص في علاج الإدمان، وأدى عمله إلى إصلاح البرتغال لقوانينها المتعلقة بالمخدرات عام 2000 إصلاحاً شاملاً. وبعد إقرار قانون إنهاء التجريم، تلقت البرتغال أولى الاستفسارات من الهيئة الدولية لمكافحة المخدرات وكانت بلهجة توبيخية حادة، لكن الأمور تغيرت تغيراً كاملاً اليوم، وأصبح النموذج البرتغالي يُعَدّ أفضل تطبيق لروح اتفاقيات حظر المخدرات.

وتتناول التجربة البرتغالية التي استمرت عقداً ونصف العقد النظامَ الصحي العام وبرامج العلاج الموسعة وصعوبة تحديد كمية الآثار الانتشارية الناجمة عن القانون. وفي مجتمع لا تعد المخدرات فيه وصمة عار كبيرة فإن مشكلة متعاطيها تبدو أكثر قابلية للعلاج. وإذا اشتبهت الشرطة في أن شخصاً ما يتعاطى المخدرات فسيكون أقل عرضة للإزعاج. وبالرغم من تقديم 25 دولة على الأقل بعض أشكال إنهاء التجريم فإن النموذج البرتغالي المتكامل واستخدامه لجنة الإرشاد يبقى الأكثر تميزاً.

ما هي نتائج إنهاء التجريم؟

o-DRUG-ADDICT-facebook

انخفض معدل الإصابات الجديدة بفيروس الإيدز في البرتغال انخفاضاً حاداً من 1016 حالة عام 2001 (وهو العام الذي وُضع فيه القانون موضع التنفيذ) إلى 56 حالة عام 2012. أما عدد وفيات الجرعة الزائدة فقد تناقص من 80 حالة في 2001 إلى 16 فقط في 2012. وبالمقارنة بالولايات المتحدة فإن 14000 شخص لقوا حتفهم في 2014 من جراء تعاطي جرعة زائدة من المخدر. وبلغ معدل الوفيات الناجمة عن تعاطي المخدرات في البرتغال ثلاثة لكل مليون نسمة، وهو أقل بخمس مرات من المعدل المسجل في الاتحاد الأوروبي والذي يبلغ 17.3 وفقاً لإحصائيات الاتحاد الأوروبي.

وعندما قررت البرتغال سن قانون إنهاء التجريم في عام 2000، افترض المُشكّكون أن عدد متعاطي المخدرات سيشهد ارتفاعاً حاداً، لكن الواقع أن تعاطي المخدرات انخفض خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، وهو اليوم يتأرجح صعوداً وهبوطاً ضمن الاتجاه العام في أوروبا، باستثناء زيادة هامشية بين المراهقين. ويقدر المسؤولون البرتغاليون نسبة مُتعاطي الهيروين في البرتغال في تسعينيات القرن الماضي بـ 1% أي ما يعادل 100,000 شخص، أما اليوم فقد انخفض العدد إلى 50,000 يخضع معظمهم للعلاج البديل. ولاحظ غوالو عودة بعض المدمنين السابقين الذين تخلصوا من الإدمان لتعاطي المخدرات، ويعزو ذلك إلى الأوضاع الاقتصادية السيئة التي تمر بها بلاده.

واستطرد قائلاً: يلجأ الناس للمخدرات إما للحصول على المتعة أو لتخفيف التعاسة، ويحمل نوع المخدرات التي يتعاطاها الأشخاص إضافة إلى طبيعة شخصيتهم الكثير من الدلائل عن الظروف المعيشية في البلاد.

إن إجراءات الحد من الأضرار المرافقة لتعاطي المخدرات مثل استبدال الإبر واستخدام العلاج البديل للمخدرات مثل الميثادون والبوبرينوفين يشكلان وسيلة لمنع انتشار الأمراض المعدية.

ويعتقد غوالو أن تخفيف الضرر يكون أيضاً في مساندة المدمنين واحترام توقيتهم في التخلي عن المخدرات والنظر إليهم كأشخاص يستحقون أن يتمتعوا بحياة أفضل وأطول. كانت هذه التصريحات تُعد راديكالية فيما مضى، لكنها أصبحت أكثر قبولاً لدى مسؤولي مكافحة المخدرات في البلدان الأخرى.

ولاتزال المخدرات غير قانونية في البرتغال، فتجار المخدرات والمهربون يُحاكمون ويُزجون في السجن، ولاتزال البلاد ملتزمة باتفاقيات الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات. لكن الخبراء يرون أن هذه المعاهدات تعطي الدول حرية كافية في التعامل مع متعاطي المخدرات.

مواقف متباينة

155103515_XS

وعندما سنّت البرتغال قانون إنهاء التجريم، كان قد مر على الدورة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة والتي عُقدت في 1998 عامان فقط. وتهدف هذه الدورة لمكافحة المخدرات في العالم. وبعد ثمانية عشر عاماً عُقدت الدورة الاستثنائية مجدداً هذا العام وتبنت الدول الأعضاء وثيقة ختامية جديدة تدعو لإعادة النظر في السياسة المتبعة تجاه مكافحة المخدرات. وتعكس الوثيقة التحول في سياسة مكافحة المخدرات في العديد من أنحاء العالم خلال العقدين الماضيين، لكنها تبين أيضاً التأثير القوي للدول التي لاتزال تفضل سياسة المنع. ويُشكك غوالو نفسه في بعض مظاهر السماح بالماريجوانا في أماكن مثل الولايات المتحدة، ويقول إن ذلك يمكن أن يخلط بين الاستخدام الطبي وأغراض التعاطي.

وعلى الرغم من أن الهيروين يذكر باستمرار لإظهار فعالية النموذج البرتغالي، فإن معظم المتعاطين الذين مثلوا أمام لجنة الإرشاد، ضُبطوا لاحقاً بتعاطي الحشيش أو القنب، وفقاً لنيونو كاباز وهو عالم اجتماع يعمل في لجنة إرشاد في لشبونة. ونحو 80 إلى 85 % من الأشخاص الذين يحضرون إلى اللجان هم مستخدمون لأول مرة مستخدمون للمتعة وعادة ما تُعلّق قضاياهم. ويمكن أن يواجه مستخدمو المتعة غرامات مالية أو يترتب عليهم تقديم خدمة المجتمع.

دور الشرطة

Dig-for-Madeleine-Mccann.jpg

أما بالنسبة للمدمنين والأشخاص الذين يتكرر ضبطهم فإن اللجان تأمر بمعاقبتهم أو علاجهم، وإذا رفض المدمنون العلاج فهم مجبرون على زيارة الطبيب بانتظام للتحقق من حالتهم الصحية. وإذا لم يحضر المدمن إلى الطبيب تُسلِّم إليه الشرطة مذكرة تبين وجوب مراجعة الطبيب، والهدف من ذلك ربط المدمن بالنظام العلاجي. ودور الشرطة هنا هو التنسيق مع مسؤولي الصحة للتحقق من تغير العلاقة بين الشرطة ومتعاطي المخدرات خلال العقد والنصف الماضيين. ويوضح كاباز أن هذا التغير الصغير يصنع تغيراً كبيراً في طريقة عمل رجال الشرطة، فجميعهم يعلمون الأماكن التي يتجمع فيها المدمنون للتعاطي، وبإمكانهم الذهاب إلى هناك والقبض على الشخص نفسه مرات عديدة، لكن ذلك لا يحدث.

والعمل بشكل موازٍ للجهود الحكومية والجماعات غير الربحية يؤدي دوراً في تأمين الإبر النظيفة وتوزيع أنابيب الكراك كطريقة لجذب متعاطي المخدرات إلى شبكة موردي الخدمة للدولة.

ويعمل ريكادو فيورتيز منسق مشروع لدى GAT، وهي منظمة للتوعية أسسها أشخاص يحملون فيروس الإيدز ومقرها يقع في بناء سكني. وبالرغم من تردد متعاطي المخدرات على المكان، لا توجد شكاوى من الجيران بخصوص ذلك. وقد شعر القائمون على أمور الرعاية والتوعية بوطأة الأوضاع الاقتصادية السيئة للبلاد، ففي 2011 انتشل الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي البرتغال من ضائقتها المالية، مما فرض إجراءات تقشفية أدت لتخفيض كبير في الخدمات العامة.

ويقول غوالو إن برامج علاج الإدمان لم تتأثر، لكن قُللت المبالغ المرصودة لبرامج التوظيف التي تساعد أرباب العمل على دفع الأجور لمتعاطي المخدرات. وزعم فيورتيز أن بعض الموردين اضطروا إلى تقليص التكاليف، موضحاً أن التمويل الحكومي المخصص لسنة واحدة فقط يجعل وضع الخطط الطويلة الأمد أمراً صعباً.

وينظر العاملون في المجال الصحي في البرتغال إلى ما حدث في اليونان كدرس تحذيري، فقد شهدت اليونان انفجاراً في معدل انتقال فيروس الإيدز، بعد أن أدى تخفيض الميزانية وبرامج التقشف إلى جعل البرامج الصحية تعاني نقصَ التمويل. ووفقاً لأرقام الاتحاد الأوروبي فإن اليونان ولاتيفيا هما الدولتان الوحيدتان اللتان عانتا تخفيضات أكبر من البرتغال في الخدمات الصحية العامة من 2005 إلى 2007 ومن 2009 إلى 2012. ولم تشهد البرتغال ارتفاعاً ملحوظاً في انتقال فيروس الإيدز بفعل التدابير الاحترازية المتخذة.

سر النجاح

jars-4

ولنجاح نموذج إنهاء التجريم لابد من تقديم خدمات مثل استبدال الإبر وإزالة السموم والتجمعات العلاجية وخيارات التوظيف للمتعاطين، فالتعاون بين القانون والخدمات السابقة هو ما يصنع النجاح. ويصعب أن تجد في البرتغال من يعارض هذا النموذج.

وفي الدورة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة، أكد غوالو ضرورةَ أن تأخذ الدول بعين الاعتبار طبيعة بيئتها المجتمعية قبل نسخ التجربة البرتغالية، فهو يرى أن التجربة ليست حلاً سحرياً لكنها ساهمت في تلاحم النظام كله، وأن مسؤولية السلطات تكمن في إخراج مسألة الإدمان من دائرة العقوبات، وهو أمر مهم لأنه يسمح بإسقاط وصمة العار عن المدمنين.

56-big

المصدر: Vice