ما هو تأثير إدمان الإنترنت على حياتنا العملية والإجتماعية؟

pg-8-internet-alamy

كان وقت المناقشة الجماعية في ريستارت، وهو مركز لإعادة التأهيل يقع على بُعد 30 ميلًا خارج ولاية سياتل. جلس أربعة مواطنين في غرفة الجلوس وتحدثوا عن حالات كفاحهم مع الإدمان وعكفوا على النقر بأصابعهم على سيقانهم واللعب بأربطة أحذيتهم. شرح أحد الشباب كيف أنه ترك الكلية وسعى لتلقي العلاج من مشكلة مُعوِّقة له جلبتهم كلهم إلى هنا: استخدام الإنترنت استخدامًا قهريًّا.

تفاقم المشكلة

من السهل الاستخفاف بفكرة إدمان الإنترنت الذي لا يُعترف به رسميًا على أنه اضطراب سلوكي في الولايات المتحدة. ولم تُشخص العلوم الطبية على وجه التحديد حتى الآن ما الذي يحدث في دماغ المدمن، ولا يوجد تعريف واضح عما يتبع إدمان الإنترنت، لكن ثمة عددًا متزايدًا من الآباء والخبراء يقولون إنَّ إدمان الشاشات أصبح مشكلة رئيسية للعديد من الشباب الأمريكيين تدفعهم إلى الانسحاب من المدارس ومن عائلاتهم وأصدقائهم، وباتوا يعانون حالات قلق حادّة عند حضورهم مناسبات اجتماعية.

 ووجدت دراسة حديثة أجرتها مؤسسة كومون سنس ميديا، أنَّ 59 في المئة من الآباء يعتقدون بأنَّ أولادهم المراهقين مدمنون لأجهزة الموبايل. وفي الوقت نفسه، يشعر نحو 50 في المئة من المراهقين بالشيء نفسه. وقد شارك في تلك الدراسة نحو 1300 من الآباء والأولاد في هذا العام.

ومن الواضح أنَّ الإقبال على المراكز مثل ريستارت، الذي سيصدر قريبًا برنامجًا للمراهقين بعد تلقيه مئات مكالمات المناشدة من الآباء بأن العديد منهم يكافحون الجانب المظلم من الاستخدام التكنولوجي بالرغم من أن عالمنا المهووس بالبيانات لم يستطع بعد قياسها. ويعتقد بعض الآباء بأنَّ هذه الحالة خطيرة إلى الحدّ الذي يبدون معه استعدادهم لدفع عشرات الآلاف من الدولارات لإرسال أبنائهم للمعالجة، وذلك لأنَّ التأمين لا يغطي التكلفة.

إدمان حقيقي

o-TEEN-ON-LAPTOP-facebook

وقال أليكس، وهو شاب يبلغ من العمر 22 عامًا، ذهب إلى مركز ريستارت خمسة أيام في قصة مألوفة: إنّه ليس بوضوح إدمان المادة أو الجوهر، لكنه إدمان حقيقي جدًّا جدًّا. وكان أليكس قد ترك الكلية لأنه كان يفضّل لعب الألعاب أو استخدام الإنترنت قبل الذهاب للفصل الدراسي أو العمل. (وكباقي المرضى الآخرين، امتنع عن الكشف عن اسمه الكامل خشية وسمه بأنه مدمن).

وقال إنَّ والديه كانا يشجعانه دائمًا على استخدام التكنولوجيا من دون إدراك حجم الضرر الذي سيتسبب فيه استخدامها، وكانا يحاولان تنشئته في عالم مليء بالتكنولوجيا التي لم تكن موجودة عندما كانا في عمره.

وقال: إن جيلنا حقل تجارب

ثم أضاف: لقد كنت مستقلًا تمامًا 

ويقول بعض الخبراء إنَّ أولئك الذين يقولون إنّهم يعانون إدمان الإنترنت يشتركون في العديد من الأعراض الموجودة في الأنماط الأخرى من الإدمان من حيث الكيميائيات التي تنساب إلى داخل الدماغ؛ إذ تنتعش مراكز السعادة في الدماغ عندما تتلقى المحفز. ويفقد المدمنون الاهتمام بالهوايات الأخرى أو في بعض الأحيان، لا يطورون أي هوايات أخرى.  وعندما لا يُسمح لهم بالدخول للموقع فإنهم يشعرون بأعراض الانسحاب مثل النزق والاكتئاب أو الاضطراب الفسيولوجي.

هروب من الواقع

ويوضح الخبراء أنَّ المدمنين ينسحبون إلى داخل زوايا الإنترنت حيث يستطيعون تحقيق نجاح سريع عامل مهيمن في لعبة أو منشور فيس بوك محبب لا يحصلون عليه في الحياة الواقعية.  

بيتر البالغ من العمر 30 عامًا يعرف ذلك. وقبل أن يبدأ برنامج ريستارت كان من دون مأوى وعاطلًا من العمل. كما أنه كافح إدمان الكحول لكنه يعتقد بأن استخدامه القهري للتكنولوجيا قاده إلى أحلك لحظات حياته.

وقال بيتر: لقد كنت متواكلًا تمامًا. ولكن ذلك الأمر كلفني خسارة الكثير من العلاقات.

بدأ اعتماد بيتر على التكنولوجيا عندما كان عمره 13 عامًا بعد أن مات والده. انسحب بيتر إلى داخل الألعاب حتى يواكب الحياة، وفي بعض الأحيان كان يلعب من لحظة شروق الشمس حتى الغروب، دون التمتع باستراحة لتناول الطعام أو حتى دخول الحمّام.

لقد قدّمت له الألعاب هروبًا ممتعًا من الواقع. ولذلك، قضى بيتر الكثير من الوقت في لعب الألعاب ومشاهدة أشرطة الفيديو على المواقع المختلفة والدخول في نقاش على وسائل التواصل الاجتماعي والمنتديات. وانسحب من باقي العالم متجنبًا ألم ومشاعر التفاهة التي انتابته عندما حاول علاج مشاكله. ونتيجة لذلك تأثر عمله المدرسي، وتداعت صحته الفسيولوجية لأنه لم يسبق له تعلم الطبخ أو التنظيف، أو كما يقول العيش بطريقة راشدة. وقال إن ذلك قد أفسد علاقته بأمه.

تعرف هيلاري كاش المؤسِسة المشاركة لمركز ريستارت والمسؤول الرئيس في عيادتها، هذه السلوكيات على نحو جيد. وكانت قد عالجت أحدهم من إدمان الإنترنت في عام 1994، وكان رجلًا راشدًا كلّفه إدمانه لمواقع الألعاب انهيار زواجه. والعديد من مرضاها الشباب يعانون ضعف السيطرة على المحفز وعدم القدرة على التخطيط للمستقبل. وقالت كاش إنَّ فكرة التخطيط لإعداد وجبة طعام كانت تدخل بعض مرضاها في حالة خوف.

السير بلا رؤية

o-hand-holding-phone-facebook

بعض الخبراء أقل تأكدًا من أن هذه المشاكل قد تُضاف إلى حالة محددة. في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، لا توجد هناك أي تعريفات لإدمان الإنترنت؛ فهو غير معترف به لدى الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية الذي يضع المعايير الرسمية للاضطرابات الذهنية في الولايات المتحدة. وهناك تعريف مبدئي يشمل إدمان ألعاب الفيديو في ملحق خاص بمراجعة بحثية، لكن لا يوجد فصل خاص بالاستخدام التكنولوجي العام.

وقالت نانسي بيتري الطبيبة والأستاذة بكلية الطب في جامعة كونيكتيكت إنّه من الصعوبة التعرف من الأبحاث الموجودة على ما يستتبع إدمان الإنترنت. وكانت بيتري عضوًا في لجنة تابعة لرابطة الطب النفسي الأمريكية التي قيّمت السلوك الإدماني للنسخة الخامسة من الذين يعانون الاضطراباتِ العقلية. وهل يعتبر إدمان المواقع التي تعرض صورًا إباحية، على سبيل المثال، إشارة إلى إدمان الإنترنت أو اضطراب جنسي؟ أو هل يمكن أن يكون كليهما؟ قالت بيتري إنه عند النظر إلى شيء مثل إدمان ألعاب الفيديو، يجب على الباحثين أن يحددوا أي جوانب اللعبة تشكّل إدمانًا فريدًا من نوعه.

وأضافت بيتري: أعتقد بأنَّ ذلك الجزء من المسألة يكمن في هذه الحالة المعينة. ولذلك، يجب ألّا تكون مسألة مقتصرة على التكنولوجيا فحسب. أنت لن تكون مصابًا باضطراب طبي يستند إلى تكنولوجيا في حد ذاتها، حيث أدى ذلك إلى حالات تناقض ما يقيّمه الأفراد. وعندما توسّع نطاق المسألة لتشمل إدمان الإنترنت تصبح الأمور أكثر فوضى.

وأوضحت بيتري أنَّ هناك اقتراحًا بأن إدمان اللعب، هو على الأقل، حالته الخاصة الفريدة من نوعها، ومن الممكن أن يكون هناك المزيد من الحالات المتصلة باستخدام الإنترنت. وقالت إنَّ هناك حاجة ماسة لمزيد من الأبحاث لتحديد السلوكيات التي تعتبر فريدة من نوعها وتستحق الاعتراف بها.

ومع ذلك، هناك بلدان أخرى تعترف رسميًا ببعض أنواع إدمان الإنترنت وتعتبرها أنواعًا خطيرة. في كوريا الجنوبية، على سبيل المثال، يوجد تعريف رسمي لإدمان الإنترنت، حيث يتم تشخيص الطلبة ويرسلون إلى مراكز حكومية للمعالجة. وفي الصين، عالجت معسكرات التدريب المكثفة ملايين الشباب، وأجرت اليابان اختبارات حول معسكر الصوم عن الإنترنت عند الشباب.

ويقول الباحثون إنَّ المشكلة في الولايات المتحدة تحتاج إلى مزيد من الدراسة. وقال جيم ستاير، المدير التنفيذي لمؤسسة ميديا كومون سينس الذي وجدت دراسته أن لا أحد بإمكانه الموافقة على تعريف يقول إن من الصعوبة بمكان معرفة عدد الأشخاص المدمنين للإنترنت بشكل متواصل والذين لديهم مشكلة خطيرة في هذا المجتمع: إننا نسير بلا رؤية لأننا قمنا بالقليل من البحث في هذا المجال.

من دون تعريف ما الذي يعنيه الإدمان المتصل بالإنترنت فمن الصعب الحصول على تغطية تكاليف التأمين للمساعدة في الدفع مقابل برامج إعادة التأهيل المكثّفة مثل ريستارت. ويكلّف البرنامج 25000 دولار نظير 45 يومًا يقضيها مدمن الإنترنت في المركز حيث يُعرض على عيادات معالجة تقدم علاجًا عالي الجودة.

وقالت كاش إنّه مع أنَّ هيئة التأمين لا تدفع نظير أي معالجة من ذلك القبيل فإنَّ بعض العيادات تستطيع الحصول على دُفعة إذا كان المدمنون يعانون اضطرابًا آخر مثل إدمان الكحول الذي تعترف به الرابطة.

وكان لدى كيمبرلي يونغ، الطبيبة التي أسست المركز الأول من نوعه لعلاج إدمان الإنترنت في عام 1995، القليل من الحظ للحصول على دعم مالي لمرضاها نظير علاجهم. وقالت: إن شركات التأمين قاسية جدًا حتى عندما يكون لدينا مدمن مخدرات يحتاج إلى عمل فإنها لا تريد أن تدفع. وأضافت: نحن نعيش في عالم قاسٍ عندما يتعلق الأمر بالتأمين الصحي والصحة العقلية والإدمان، خاصة في شيء جديد مثل الإنترنت.

دجاجات بدلًا من الشاشات

o-PHONE-ADDICTION-facebook

ثمة نقاش واسع حول نوع العلاج الفعّال في مركز ريستارت الذي عالج نحو 150 مريضًا تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عامًا، تكمن المهمة في مساعدة الأفراد على التخلص من السموم وتعليمهم المهارات الأساسية للحياة التي يحتاجون إليها لموازنة استخدامهم للتكنولوجيا على نحو مناسب. والمركز هو عبارة عن منزل تمّ تحويله ويشغل مساحة خمسة أفدنة حيث يوجد الكثير من الممرات وغرفة صغيرة للدجاج. وهناك القليل من التكنولوجيا في المنزل، ولا توجد هواتف ذكية ولا ألعاب ترفيهية، وتصادَر كتب الخيال العلمي عند البوابة للمحافظة على المرضى دون أن ينسحبوا إلى عوالمهم الخاصة. وهناك غرفة للموسيقى بها هاتف لإجراء مكالمات خاصة.

معظم النزلاء من الشباب، يُرسلهم آباؤهم وينامون في أسرة مزدوجة، ويمارسون ويتعلمون تحقيق أهدافهم والتوازن وكيفية التعامل مع القلق والاكتئاب اللذين بإمكانهما تغذية سلوك الإدمان. ويتعلم النزلاء أيضًا شراء المواد الغذائية وغسل الملابس؛ فالعديد منهم يأتون للمركز وهم لا يعرفون كيفية حتى تنظيف التواليت. وبمجرد أنَّ تتم إعادة تأهيلهم أثناء إقامتهم في المركز، يكون بإمكانهم العودة لمنازلهم أو العيش في شقق مع أفراد آخرين.

وتدير يونغ عيادتها في شمالي بنسلفانيا باعتبارها برنامج علاج تقليدي، وتخفف في بعض الأحيان الأعراض بالتطبيب النفسي. وقالت إنَّ مراكز إعادة التأهيل مثل ريستارت يمكن أن تكون فعّالة، لكنها تساءلت عما إذا كان من الصعب بالنسبة لبعض المرضى إعادة الدخول والاندماج في العالم الحقيقي.

وأضافت: من الأسهل للمرء أن يكون في منزل وبيئة مهيكلة حيث تحصل على الكثير من الدعم في حال انتكاستك، لكن إلى أي مدى يكون ذلك عمليًا في وقت لاحق؟.

ومع ذلك، يوافق الجميع على أنَّ الآباء يلعبون دورًا كبيرًا في تأسيس العادات الصحية نظرًا لأنه لا يمكن تجنب استخدام التكنولوجيا.

وقال يونغ: أقول لهم، أنت بائع مخدرات وتحتاج لأن تفهم ما الذي فعلته مع هذا الطفل.

وقال مدير الأبحاث في المركز، مايكل روب، إنّه يجب على كل الآباء الدخول في محادثات مع أطفالهم حول الاستخدام المتوازن للتكنولوجيا. إنَّ الاستخدام المكثّف للتكنولوجيا لا يشير بالضرورة إلى وجود مشكلة، ولكن يجب على الآباء أن يعرفوا أولادهم.

وأضاف: ليس كل شيء يُعدّ مرضيًا، هناك أشياء يمكن أن تنطوي على مشاكل لكنها ليست مَرضيّة بالضرورة.

واستكشفت ديلاني رستن، الطبيبة ومنتجة الأفلام، طائفة واسعة من المسائل التي تحيط بالاستخدام اليومي للتكنولوجيا وذلك في فيلمها “Screenagers” وعرض الفيلم كفاحها الخاص مع ابنتها الشابة حول كيفية رصد وتعديل استخدام التكنولوجيا.

وتعتقد رستن أننا يجب أن نكون حذرين في الطريقة التي نستخدم بها كلمة إدمان في المحادثات اليومية حول استخدام التكنولوجيا. وتوافق على أنَّ إدمان الإنترنت يُعدّ مشكلة حقيقية. لكن بالنسبة للطفلة التي لا تريد التخلي عن هاتفها خلال تناول وجبة العشاء، فإن وصفها بالمدمنة قد يلحق بها المزيد من الضرر.

وفي النهاية، قالت رستن: يجب علينا أن نكون حذرين بحيث نتوقف عن استخدام كلمة الإدمان حتى يكون لدى الأطفال إحساس داخلي بالسيطرة، ويجب عليهم أن يعرفوا أنَّ الأجهزة الإلكترونية لا تسيطر عليهم.

المصدر: Independent

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.