رمضان جانا وربحنا به: هل تحول الشهر الفضيل إلى مناسبة تجارية؟

لطالما كان لشهر رمضان المبارك معنى خاص، فهو شهر الصيام والقيام، والزهد والغفران، يتحراه المسلمون كل عام للتقرب من الخالق عز وجل بالعبادات والإحسان، كالفرصة التي تأتي مرة كل عام لمراجعة النفس وصلاح ذات الإنسان.

ومن المؤسف أن تلك النظرة قد تغيرت، ولم يعد للشهر الفضيل تلك الروحانية، فالصيام يقضى بين نوم واستعسار، وتهديد بأشد العقوبات لكل من تسول له نفسه بالمجاهرة بالإفطار، وبالليل نلتهم الطعام وكأن القيامة على الأبواب، وبدلاً من أن نستشعر معاناة الفقير أصبحنا نستعرض ونتنافس في البذخ بالطعام والمظاهر قدر المستطاع، في حين تستمر المسلسلات في العرض من طلوع الشمس إلى غسق الليل، وهو ما يدعونا إلى التساؤل: كيف تحول شهر رمضان من فرصة لمراجعة الذات وتهذيبها، والخشوع في العبادات، إلى موسم للبذخ واللهو؟

بين رمضان والكريسماس

unnamed-3

فعل الفكر الاستهلاكي التجاري أفعاله بمجتمعاتنا وأفرغ الأشياء من محتواها، فكل شيء قابل للربح والاستغلال، وكل شيء يأخذ معناه وقيمته من سعره أو شكله أو لبسه. مناسبة وطنية؟ دينية؟ شهر فضيل كامل؟ أفضل وأفضل.

لقد غدا رمضان موسماً تجارياً ينتظره الجميع، إذ يبدو وكأنه يتحول إلى النسخة الإسلامية من “الكريسماس”، فهناك نجد عوامل تحويله إلى موسم تجاري ممثلاً بمظاهر عديدة كشجرة الكريسماس وما يعلق عليها من زينة، وتبادل الهدايا وبطاقات التهنئة، وأكل الديك الرومي على العشاء، حتى إن الشركات والمحال التجارية حول العالم تستعد للكريسماس قبله بشهر أو أكثر، وهي مظاهر ليست ببعيدة عما أصبحنا نراه في شهرنا الفضيل، فالتلفاز هو الحاضر الأقوى في رمضان، في حين أصبح مشروب “فيمتو” تقليداً راسخاً من تقاليد الشهر، حتى إن بعض التقارير تشير إلى أن نصف المبيعات السنوية للفيمتو تحدث في الشهر الفضيل، بالمقابل تلقى الفوانيس والإكسسوارات الرمضانية رواجاً في كل عام بمختلف الدول العربية، ولا ينقصنا إلا الشجرة وبابا نويل العجوز ليصبح رمضان مهرجان تسوق مكتمل الأركان!

انتظرونا في رمضان!

الفنانون والمنتجون يطلقون أقوى أعمالهم الفنية في الشهر الفضيل، تاركين باقي السنة للمسلسلات التركية والكورية والعربية التي لم يحالفها الحظ أو الظروف أن تعرض في رمضان. أصبح رمضان موسم الذروة للوسط الفني، مما رفع أجور الفنانين إلى مستويات غير مسبوقة، حتى أصبحت الغلبة في الوسط الفني للمنتج ذي السيولة، ولو كان من خارج الوسط الفني أساساً، فالمعادلة تغيرت، ولم تعد القيمة الفنية أساس اختيار النصوص والممثلين، بل الرغبة في تحقيق الربح الأقصى عن طريق الوصول إلى أكبر شريحة من المشاهدين، للكسب من إعلانات كبريات شركات الاتصالات والسفر والتجزئة (بما فيها فيمتو!) عن كل مسلسل أو برنامج، وهنا قد يصبح الأمر سباقاً للهاوية، تقوده الرغبة في الكسب المادي لا الإبداع أو تقديم قيمة عالية للمتابعين، ويجعلنا نرى بعض الفنانين في أكثر من ستة أعمال في رمضان فقط!

يا باغي الخصم أقبل

unnamed

أما الشركات فتستعد لرمضان كل سنة بحملة دعائية ضخمة وتقدم عروضها “المميزة” للناس، مستغلة  بذلك فرصة “شهر الخير” في منح خصومات وعروض في تقاتل محموم على انتباه الناس وجيوبهم. فالنظرة للناس على أنهم زبائن أو زبائن محتملون توضح دافع الشركات وراء هذا التهافت، فما أفضل من أن يشاهد دعايتك أناس جوعى متعلقون بالتلفاز؟ هؤلاء في وضع مثالي لابتلاع رسالتك، ولو لم يكن المنتج غذائياً، وقد ذكرت صحيفة الرياض السعودية أن الشركات السعودية تنفق 400 مليون دولار في الإعلانات الفضائية خلال شهر رمضان، ولهذا تأثيرات طويلة الأمد تتعدى شراء الناس للمنتج المعلن فحسب، لأنها تساهم في خلق معنى جديد لرمضان من خلال محاولة تغيير سلوكيات الناس وعاداتهم، أو على الأقل تعمل على توظيف هذه العادات لتشجيع الناس على الإنفاق، ولو تعدى ذلك قدرتهم المادية، ففي السابق كان الاستعداد للعيد هو هاجس الأسرة وما قد يثقل كاهلها، أما الآن فقد أصبح شهر الصيام نفسه مكلفاً.

ولم تكتفِ الشركات بالإعلان في التلفزيون، بل انطلقت لتكتسح وسائل التواصل الاجتماعي بمسابقاتها ودعاياتها، وعن  ذلك أوردت جريدة المال في موضوعها “كيف استغلت الشركات شهر رمضان على السوشيال ميديا؟” مساعي الشركات المختلفة للفت انتباه المستهلك، فتقول الصحيفة:

“قامت نستله باستغلال تزايد الإقبال على متابعة أهم وصفات الطبخ في رمضان ونشرت على  صفحتها (كل سنة وانتوا طيبين ورمضان كريم تابعونا على الصفحة لأفكار ووصفات رمضانية صحية اكتر) كما نشرت صوراً لبعض الوصفات الصحية لكي يختار الجمهور ما يفضله لكي تنشر وصفته”.

ما المشكلة في كل ذلك؟

unnamed-2

قد يقول قائل: ما الضرر في ذلك؟ أليس هذا التنافس في سبيل تقديم الأفضل للناس؟

التنافس فعلاً قد يدفع إلى الإبداع وكثيراً ما يؤدي إلى الارتقاء بالمستوى، وتقديم الأفضل للناس، لكن هذا ليس موضوعنا، فهذا قد يحدث في أي موسم آخر، موضوعنا هو رمضان وفقدانه لقيمته الدينية والروحية، أليس رمضان شهر جهاد النفس والابتعاد عن الملذات؟ شهر الشعور بمعاناة الفقير والانغماس في روحانيات الشعائر الدينية؟ في رمضان هناك صلاة التراويح، وصلاة القيام، والاعتكاف بالمساجد، وكلها شعائر لا يتم إحياؤها إلا في رمضان لما له من أهمية دينية لطالما تربينا عليها.

لم يعد هذا رمضان، بل على العكس أصبحنا نتفاخر بالبذخ، وننغمس بالملذات ونكتفي بممارسة شعائره بين مسلسل وآخر لا أكثر، بل حتى الصيام، العبادة التي فرضت على المسلمين في رمضان أفرغت من محتواها من خلال إقامة الموائد التي لم تُبقِ طبقاً إلا وضمته.

وعن ذلك، يقول الاختصاصي الاجتماعي الدكتور محمد الرشدان لجريدة المدينة السعودية: “العادات والتقاليد جعلتنا نشعر بالخجل إذا كانت كميات الطعام بسيطة أو قليلة، حتى صار البذخ في رمضان علامة من علامات الكرم الرمضاني”. يبدو أننا  اقتربنا من تحويل الشهر الفضيل إلى مهرجان موسمي للتسوق والتسلية والتسويق والأكل والفن والسفر لا أكثر.

فماذا بعد إفراغه من محتواه؟ والأهم.. ماذا بعد أن نستفيق من وهم الربح وشغف الحصول على الأشياء والبحث عن قيمتنا الذاتية فيما نقتنيه من سلع ومنتجات؟ أين ذهبت القيمة الروحية لما نقوم به؟