في عصر الإنترنت نستذكر: كيف ساهم اختراع الورق في تشكيل الحضارة الإنسانية؟

A visitor walks through the installation "Murmur Study" by Artist Christopher P. Baker which is exhibited at the book fair in Frankfurt

ما الطريقة التي كان أفلاطون سيستخدم بها تويتر؟ هل سيخبر العالم ماذا تناول على الغداء؟ أم يتحدث عن حفل جوائز إيمي Emmys ؟ أم يوبخ كيم كاردشيان؟

ربما لن يفعل، لكنه ترك لنا دليلاً، فقوله الحكماء يتحدثون لأن لديهم ما يقولونه، أما الحمقى فيتحدثون لأن عليهم قول شيء يلخص ما سيفعله، رغم أن هذا القول قد يكون منسوباً له زوراً، إلا أن الشخص المجهول الذي أنشأ حساب @Plato على تويتر قبل ثماني سنوات أخذ هذه الكلمات على محمل الجد ولم يغرد بأي كلمة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، كيف يمكن أن يتجاوب أفلاطون مع التغيرات الحديثة في طريقة تواصل البشر؟ ففي زمنه كان الناس يكتبون أفكارهم وتجاربهم، وقد استبد به القلق من أن تقلل اللغة المكتوبة اعتمادنا على الذاكرة. فالآلة تجعلنا أقل آدمية وأكثر اعتماداً عليها، ويرى أفلاطون أن ما دُوِّن على عجل لن يأتي نابعاً من داخل الشخص، لذا سيكون أقل أصالة وبالتالي أقل مصداقية.

ومجدداً يعبر أفلاطون عن هذا القلق في فيدروس (حواره الأكثر شهرة) عبر كتابة الحوار.

علاقة أفلاطون المعقدة مع الكتابة أو في الواقع مع التحولات الزلزالية للتغيرات التقنية شكَّلت نواة كتاب جديد مثير للإعجاب  الورق: قراءة عبر التاريخ (Paper: Paging Through History) لمؤلفه مارك كيرلانسكي، الذي صدر له كتابان قبل ذلك وهما  “تاريخ الملح في العالم” (Salt: A World History) و”سمك القد: سيرة السمك الذي غير العالم” (Cod: A Biography of the Fish that Changed the World). يستخدم الكاتب في كتابه الجديد التاريخ المختصر للموارد والمواد لاستكشاف التاريخ العالمي الأوسع للإمبراطورية والرأسمالية، ويلتقط مجدداً سلعة عادية كالورق لفحص ظاهرة أوسع وهي المواقف التاريخية تجاه التقنيات المُدمَّرة. ويطرح سؤالاً حول كيفية قيام البشر بامتصاص المعلومات ونشرها، وتساعد إجابته على كشف التحول في كل من الجوانب السياسية والاقتصادية لكيفية وصول العالم إلى هذا التنظيم.

الكاتبة كتكنولوجيا جديدة

1362434350_1

تطورت الكتابة خلال القرون، من الكتابة على الألواح الطينية التي سادت ثلاثة آلاف عام فترة أطول بشكل ملحوظ مقارنة بالفترة التي استُعمل فيها الورق إلى يومنا هذا بحسب كيرلانسكي، وتميزت بأنها غير مكلفة ومتوافرة ويسهل استخدامها. لكن صعوبة حملها ونقلها شكل تحدياً كبيراً. فتحوّل البشر إلى استخدام ورق البردي المأخوذ من نبات القصب الذي يكثر في المستنقعات، لكنه كان سريع التفتت والتفسخ. وظهر الشمع كأحد البدائل، فكان الأفضل للكتابة التي ينبغي التخلص منها،  بعدئذ ظهرت الرُّقوق (جمع رَقّ) وهي تُصنع من جلود الحيوانات المُعالجة. وللحصول على كتاب واحد نحتاج إلى جلود نحو مئتي حيوان.

وكما هو الحال مع جميع الاختراعات الجديدة، رأى البعض أن الرُّقوق تمثل طريق المستقبل في حين استهان بها آخرون. والأسباب وراء ذلك سياسية بقدر ما هي اقتصادية. فالرقوق كانت أكثر متانة من ورق البردى وبعيدة عن احتكار المصريين للأخيرة، لكنها لاتزال مكلفة نسبياً وتحتاج إلى عمالة كثيرة لإنتاجها. وأثار قلق الحكام أيضاً فكرة أن زيادة التعليم والوصول إلى أفكار جديدة قد يؤثر على شعوبهم. ويتابع كيرلانسكي: 

بدأت طريقة تفكير جديدة بالتشكل، وكان لابد من تدوينها بطريقة جديدة، فظهرت الحاجة لمادة يمكن التخلص منها مثل الشمع وخفيفة مثل ورق الشجر ورخيصة كألواح الطين ومتينة كالرقوق.

لا يعرف أحد المنشأ الأصلي للورق، ويبدو أمراً بعيد الاحتمال أن شخصاً عبقرياً اكتشف فكرة الورق بمفرده. إذ يظن العلماء المعاصرون أن الصينيين هم الذين اخترعوا الطريقة العامة لتصنيع الورق من تحطيم ألياف السيليلوز ثم نسجه معاً عشوائياً، لكن تفاصيل القصة غير واضحة. ربما لأن القصص العظيمة تبدو أفضل بوجود بطل رئيسي، يتعلم الأطفال الصينيون في المدرسة بأن الورق ابتُكر في الصين قبل الميلاد بمئة وخمسة أعوام من قبل أحد المخصيين في البلاط الملكي في عهد أسرة هان يدعى تساي لون، فقد تزايد الطلب على مواد للكتابة في عهد أسرة هان، إذ ظهر للوجود التاريخ الوطني الصيني الشامل لأول مرة، وجرى إعادة إصدار الأعمال التقليدية التي دمرتها الأسر الحاكمة السابقة، كما دوّن الإصدار الرسمي الأول من تعاليم كونفوشيوس.

الورق كمحرك للحضارة البشرية

p02xlbqt

وبمرور الوقت عمل الصينيون على تطوير الورق ليصبح أقوى وأرق وأقل تكلفةً في الإنتاج. وانتقلت هذه الابتكارات للعالم الإسلامي الذي كان يعيش ثورة ثقافية عظيمة خلال القرن التاسع. ولأن القرآن يحث المسلمين على التعلم، فقد سعوا في طلب العلم واستخدموا الكثير من الورق والحبر لكتابة مؤلفاتهم وتدوين علومهم، ويرى البعض أن أصل كلمتي كاغد وقرطاس والمقصود بهما الورق جاءت من اللغة الصينية. وقد استخدم المسلمون الورق لنشر علوم الرياضيات والفلك والطب والهندسة والزراعة والأدب لجميع أنحاء العالم بما فيه الغرب.

وتخلفت أوروبا عن ركب التطور هذا، وليس معلوماً السبب الذي جعل الأوروبيين يستمرون في استخدام الرقوق فترة طويلة، ونظراً لتأخرها في استخدام الورق فقد تأخر تطورها. وحتى القرن الثالث عشر كان الكثير من ملوك وأمراء أوروبا أميين لا يجيدون القراءة ولا الكتابة. والسبب الرئيس لاستخدام الأوروبيين في نهاية المطاف للورق هو رخص ثمنه. فاستخدموه في البداية لصنع أناجيل أفضل، ثم تعلموا بسرعة الاعتماد عليه في استخدامات أخرى، مثل النقود والمصارف. ونتيجة لذلك توسعت إمبراطورياتهم، وفي القرن الثالث عشر بدأ الأوروبيون استقاء الكثير من العلوم من الحضارات الأخرى، فتغيرت صورة أوروبا كلياً وتوالت الاكتشافات واحداً تلو الآخر، لكنْ هناك حدود لانتشار المعرفة، فصنع الكتب يستلزم عمالة كبيرة إذ كانت تكتب بخط اليد وهناك حاجة لنساخين ومن يُملي عليهم، وهذا ما جعلها مُكلفة، وزاد على ذلك الميل لترصيع أغلفة الكتب بالجواهر. وقد كاد العالم الإيطالي بيترارك الذي عاش في القرن الرابع عشر يفقد ساقه عند سقوط أحد هذه الكتب عليها.

واستمر تزايد الطلب على الكتب، وبحلول القرن الربع عشر كانت صناعة الورق نشاطاً صناعياً شائعاً في أوروبا، مما أدى إلى اختراع  الطباعة وهو تطور عظيم آخر قدم دفعاً كبيراً لمحركات الحضارة البشرية. ويلاحظ كيرلانسكي أن التغير الأعظم في أوروبا الذي أدى إلى عصر النهضة كان خروج صخب الحياة الفكرية من الأديرة إلى الجامعات وغيرها من الأماكن ليصبح عاماً في متناول جميع الناس“، وتماماً كأفلاطون، لم يتقبل الجميع هذه الثورة.

ويسرد لنا كيرلانسكي في روايته التاريخية كيف بدأ الناس يشتكون من التغيير واستخدام الورق، فيقول: ككل تقنية جديدة، كان هناك من يزدريها. فالبعض يظنها همجية وآخرون يرون فيها نهاية الحضارة وقسم ثالث يرى أنها تُشكل تهديداً لوظيفته.

“وفرة الورق تؤدي إلى مزيد من الكتابة والبيروقراطية”

545470_Maine-Paper-Mills.JPEG-0109

وبالعودة إلى القرن الثامن، اشتكى الشاعر الصيني توا فو من أن وفرة الورق تؤدي إلى مزيد من الكتابة، وهذا ما خلق المزيد من البيروقراطية. ولأن الكتب كانت نادرة فقد منحها ذلك قوة فريدة، أما الطابعات الجديدة فقد كان يُظَن أنها تخفي أجندات سياسية خائنة نظراً لقدرتها على إنتاج الكتب بكميات هائلة. وعندما ذهب جوهان فوست وهو مساعد الناشر الألماني جوهانز غوتنبيرغ إلى باريس لبيع الكتب، طردوه من المدينة لأنهم عدّوه عميلاً للشيطان. ورأى النساخون في انتشار الكتب والطباعة تهديداً لوظائفهم، في حين نظر العديد من الأرستقراطيين لهذه البدائل على أنها تقليد رخيص، وشعروا بالخوف من فكرة قضاء النمط الجديد على القديم نهائياً.

لكن الكتب المطبوعة لم تلغِ الكتب المخطوطة فوراً، فالعديد من الناس استمروا في اقتناء الكتب المخطوطة، تماماً كما يفضل الكثير من الناس اليوم الكتب المطبوعة على البدائل الرقمية الأرخص، أو يفضل البعض تفصيل الملابس لدى الخياط على الملابس المنتجة في المصانع. تنشأ هذه المخاوف عادة بسبب مغالطات حول التقنية، وحالما يتم اختراع تقنية جديدة فلا يمكن إيقاف عجلة التطور.

يكتب كيرلانسكي يقوم المجتمع بتطوير التقنيات ليواكب التغيرات التي تجري بداخله. فعلى خلاف ما كان توا فو يعتقد فإن الكتابة لم تخلق البيروقراطية الصينية، بل البيروقراطية هي التي استدعت تطور الكتابة. فمع تطور المجتمع الصيني وزيادة تعقيدات الحياة، نشأت الحاجة للكتابة ثم ظهرت ضرورة البحث عن مواد أفضل لاستخدامها في الكتابة.

ويوضح كيرلانسكي وجهة نظره عبر مثال الصحافة، فهي صناعة يرتبط مصيرها بتاريخ الورق أكثر من أي شيء آخر. بنجامين فرانكلين، بارون الصحافة الأمريكية الأول، لم يُصدر الصحف فقط بل كان لديه أيضاً استثمارات في ثلاثة عشر مصنعاً للورق. وفي عام 1753 تمت تسمية فرانكلين وزميله معاً كنائب مدير مكتب البريد العام، فازدادت المراسلات بين المستعمرات الأمريكية، وكان هذا الأمر مفيداً لتجارة الصحف. وفي العقود التالية أدى الحصول على ورق أرخص إلى الانتقال من الهجوم الصحفي الحاد إلى المنشورات التي كانت أطول وأكثر تأملية. ذلك الأمر مكَّن كُتّاباً أمثال توماس باين، قبل الثورة الأمريكية، من طرح أعمال مثل الحس السليم (Common Sense) للمواطن العادي لا للمثقفين فحسب، مما ساهم في نشر أفكار سياسية جديدة. وفي القرنين التاليين، تطورت الصحف الأمريكية نظراً لمواجهتها المنافسة الخارجية من الراديو والأفلام والتلفاز.

الورق وظهور الإنترنت

150811_EM_Kindle

واليوم تصارع الصحف في معركة البقاء حيث يتحول القراء إلى المنصات الرقمية. ليس لأن الناس لا يرغبون في قراءتها وإنما، بحسب ما يراه كيرلانسكي، لأنه تم تأسيسها منذ البداية وفق نظام اقتصادي لم يعد صالحاً للعمل. فوفق النظام القديم فإن كامل أخبار الصحيفة تحزم معاً مع إعلاناتها، منشئة اقتصاداً على مستوى يمكن أن يؤدي خدمة صحفية أفضل. واليوم فإن المنصات الرقمية تنتظم حول نموذج أكثر تطوراً، حيث الإعلان مرتبط بشكل أقرب بالمتطلبات الفردية للمستخدم. وبالاقتران بفضاء الإنترنت الرحب فإن هذا يخلق شكلاً يقدم الكمية على النوعية.

ليست التقنية هي المُلامة على الحالة الحالية،  فهي مجرد استجابة لمتطلباتنا بالحصول على اتصال أسرع وأرخص. هذه المطالب أوصلتنا إلى وضعنا اليوم حيث لا يكمن التحدي في نقص المعلومات بل ربما في وجود الكثير منها. لا ينبغي تجاهل من ينتقد هذه الحالة كما نتجاهل جماعة محطمي الآلات، ففي الكثير من الأحيان تكون شكواهم في محلها.

لا تدع ذلك يربكك فحل هذه المعضلة حتماً سيأتي مع ابتكار جديد، ربما مواقع أو برامج تقدم ترشيحات أفضل أو بوابات موثوق بها أكثر أو نماذج اقتصادية فعالة، وذلك لأن التغيير ومقاومة التغيير، يعملان معاً يداً بيد بحسب كيرلانسكي.

المصدر: The Atlantic

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.