إذا كانت المسلسلات الكويتية لا تمثل الكويتيين.. فمن تمثل؟

picturemain

سحر الهاشمي - الكويت

في الأسبوع الماضي أطلق بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي حملة شعبية تحت هاشتاق (#المسلسلات_الكويتية_لا_تمثلني) على “تويتر”، وذلك في أعقاب تسريب مشهد محذوف من أحد المسلسلات المعروضة في الموسم الرمضاني الحالي يظهر فيه رجل يرجو من حبيبته العودة إليه بتقبيل قدمها.

وسجّل المغردون خلال الحملة سيلاً حاداً من الاعتراضات والتهم، كان أبرزها ذِكر أن مثل هذا النوع من الأفعال هو “عار على شهامة الرجل الكويتي”.

وعلى إثرها، اعتبر الجزء الأكبر من المنتقدين أن جميع المسلسلات الكويتية غير واقعية وذات حبكات مُختلقة بغرض تشويه صورة المجتمع وإظهاره بشكل يسيء للشعب عن قصد، خاصةً المشاهد التي حُسبت مستهجنة ومخلة بالحياء العام.

واحتج البعض وطالب بمطالب غريبة لتفادي التشويه الذي مسّ المجتمع، مثل إشهار جنسيات الممثلين والممثلات في مقدمات المسلسلات والتركيز على المهن النبيلة والنماذج المشرفة بشكل أكبر من خلال الأعمال القادمة.

وعلى ضوء ما سبق من الأحداث، سنخوض في مجموعة التساؤلات المطروحة والمطالب التي أثارها المشاهدون ونحاول إلقاء الضوء عليها بإيجاز، فهل حقاً تعتبر المشاهد التي أثارت الجدل معدومة الحياء وبعيدة عن الواقع؟ وهل سيساهم توظيف النماذج الحسنة في تحسين صورة المجتمع؟ وما علاقة جنسيات الممثلين بأداء المشاهد على الشاشة؟!

المجتمع والفن

المسلسلات في الأصل هي انعكاس لأحداث الواقع على الشاشة، وليست نقلاً حرفياً للوقائع كما يحدث مع نشرات الأخبار اليومية، فإضافات المشاهد من موسيقى تصويرية وحوار ومواقع تصوير وتقنيات صورة ومونتاج جميعها عناصر تقنية تؤدي في المجمل إلى إبراز الشكل الجمالي للنص بنكهة مميزة تضمن للمشاهد الترفيه والمتعة أثناء تلقيه الحدث الدرامي.

أما الواقع المعاش في المقابل، فهو رتيب ومليء بالأحداث الثقيلة، لذا يقع على عاتق رب العمل (المخرج) هذه المعادلة الصعبة في تحقيق الموازنة بين أرض الواقع وتلك اللمسات الفنية المضافة، وقد يُوفق في التسوية بين كفتي الميزان أو تغلب إحداهما الأخرى. لهذا السبب عندما يُعرض نتاج تلك الأعمال ويتم التفاعل معها أخيراً عبر الشاشة، من المتوقع إما أن يلاقي صدىً إيجابياً لدى الجماهير أو يرتد الأمر سلباً ويبدون اعتراضهم على العمل مثلما حدث مع المشهد المذكور أعلاه.

وكما أنّ من حق المشاهد أن ينتقد أي عمل فني فمن حق أربابه أيضاً أن يستشفوا المعايير التي استند إليها المشاهد في نبذ معطيات العمل.

فعندما نذكر على سبيل المثال أن مشهداً ما خادش للحياء، فذلك يعني أن المُشاهد رفض فعل أو ردة فعل معينة بدرت من أحد شخوص العمل بناءً على معيار “خدش الحياء” الخاص بعين المشاهد، وبما أن المعايير خاضعة للتأويل والتفسير بأكثر من طريقة حسب الخلفية الثقافية للمشاهد (وقد يكون استقاها من العادات والتقاليد أو ثقافته الشخصية أو ما يراه صحيحاً)، فذلك يفيد بأن العمل الفني في الأساس هو قابل للتأويل والجدل ولا يوجد قالب موحد لقبول العمل أو نبذه.

كذلك فإن الرقابة -وإن اختلفنا مع فكرتها-  تقوم بدورها على أتم وجه من حيث فرض المعايير على المسلسلات الكويتية للظهور بالشكل المطلوب، كما فعلت مع نص مسلسل “ساق البامبو” الذي لم تُجزْه، فاضطر القائمون عليه إلى تصويره كله خارج الكويت رغم أنه يطرح قضايا غير بعيدة عن الواقع كالزواج من الخادمة والتفاوت الطبقي وقضية البدون، وعندما يطالب المشاهد أيضاً بقص الأحداث بناءً على معاييره الشخصية سيؤول بنا المطاف مع تكرار القص والحذف إلى صناعة مسلسلات مثالية قائمة في أساسها على شخصيات ملائكية لا تخطئ.

picture2

توظيف نماذج الخير في الفن

بما أن المسلسلات هي نموذج مصغر عن الواقع فهي نسيج من الصالح و”الرديء” ولا يقتصر الواقع على الصالح فقط من أطباء ومتطوعين بأعمال الخير، فبالإشارة إلى مطالبات الحملة المذكورة، إن ظهور فئة مع إخفاء الأخرى عن العلن هو من اللاعدالة في تصوير المجتمع الكويتي وتشخيص أطيافه المختلفة.

في عالم المدينة الفاضلة يمكننا أن نلقي الضوء من خلال المسلسلات والبرامج على أصحاب العطاءات المشرفة والقيم النبيلة، ويمكننا اختراع شخصيات ومحاور عمل أساسية قائمة على تعاطي الخير بكل وسائله، ولكننا في الواقع لسنا جزءاً من يوتوبيا أفلاطون ولايزال لدينا العديد من القضايا التي تحتاج إلى الطرح والنقاش بشكل جدّي، نذكر منها ارتفاع معدلات الطلاق في الكويت مثلاً بحسب آخر دراسة قام بها المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون الخليجي عام ٢٠١٥ عن الزواج والطلاق للفترة من ٢٠٠٣ حتى ٢٠١٢ والتي أفادت بأن الكويت تصدرت جميع دول مجلس التعاون الخليجي في معدلات الطلاق الموثقة رسمياً، أما على صعيد الجرائم فسجلت وزارة الداخلية في الكويت أرقاماً مخيفة في العام الماضي، إذ بلغت الجنايات في السرقة (جرائم المال العام) 2777 جريمة، في حين بلغت جرائم المخدرات (جرائم العرض والسمعة) 2229، ووصلت جرائم السلب بالقوة إلى 1012 جريمة، بمجموع وصل إلى 6018 جريمة جنايات.

picture3

وبينت الإحصائية أن عدد جرائم الجنح بلغ 11642 جنحة خلال العام ذاته، بحيث سجلت 8535 جريمة سرقة والشروع بها، و2079 جريمة اعتداء بالضرب (جرائم النفس)، و1028 جريمة إساءة هاتف (جرائم العرض والسمعة) وغيرها كثير.

بعد كل هذه الإحصاءات عن رصد معدلات الطلاق وأرقام الجرائم في الكويت، مازلنا نتهرب من جدية الطرح ونطالب بتصنع المثالية، فأين هو هذا المجتمع المثالي الذي يطالب به المنتقدون؟

من الواضح أن هناك مشاكل حقيقية في المجتمع الكويتي تستحق إثارة التساؤل وعرض مواضع الخلل عبر إلقاء الضوء على تلك الحالات التي تقع ضمن هموم الأسرة الكويتية.

هوية الفن

على عكس ما يحاول البعض تأكيده، فإن الفن لا هوية له والدور لا علاقة له بجنسية الممثل أو خلفيته الاجتماعية بل يعود بشكل رئيسي إلى الشخصية المكتوبة بالنص، كما أن الممثل يعير الشخصية إحساسه وشعوره من خلال الأداء والتمثيل من غير إملاء طريقة تصرف أو توجه فكري معين على الشخصية، لذا فالبراءة من الممثل مع تناسي أن مسؤولية إدارته عائدة إلى المخرج هو من باب المبالغة بالشيء.

المثير للجدل في هذا الموضوع هو أن المنتقدين أبدوا اعتراضهم الكامل على المشهد المذكور أعلاه معللين بأن الأمر عائد لأن بعض أفراد فريق العمل من جنسية أخرى وغير ملمين بـ”العادات الكويتية” وكأن الإساءة مقبولة من جنسية دون أخرى ومن مجتمع دون آخر.

المقارنة بين الجيل القديم والحديث

وبالعودة إلى بدايات المسلسلات الكويتية منذ ستينيات القرن الماضي، نجد الفارق في مستوى القيمة الفنية بين مسلسلات الحاضر والماضي، ففي مسلسلات على غرار “إلى أبي وأمي مع التحية” -الذي أُعيد إنتاجه وعرضه في ٢٠١٤- كان هذا الحنين لـ”الماضي الجميل” هو السبب الأول ليعيد المنتجون النبش فيه، ولكنه لم يحقق النجاح المطلوب لدى إعادة إنتاج جزئه الثالث.

picture4

ويرجع ذلك إلى تعزيز تلك النماذج من المسلسلات صورة “الماضي الجميل” في وعي المتلقي وإيهامه أن مجتمعنا الكويتي مثالي بشكل غير قابل للنقاش، وأن تلك الشخصيات المائلة للصواب بالفطرة هي النموذجية وأن غيرها هو الشر المطلق.

المفارقة هنا أن مسلسلات أخرى أُنتجت في نفس ذاك الوقت مثل “الأقدار” التي كشفت عن أننا لا نعيش في يوتوبيا أفلاطون ولدينا نماذج من الشخصيات الحقيقية التي تجرب وتخطئ وتكتشف ذاتها مثلنا تماماً.

ومع تطور الدراما والانفتاح على مسلسلات عوالم أجنبية بات مُشاهد اليوم يتوقع الأفضل دائماً، ولم تعد قوالب الشخصيات القديمة المتمثلة في الشر المطلق والخيّرة حتى السذاجة مقنعة بما فيه الكفاية. ربما لو ركز الكويتيون على الاهتمام بهذا القطاع الفني الذي كان مزدهراً في الماضي من خلال تقديم إبداعاتهم وأفكارهم وخلق عوالم جديدة تحاكي الواقع ولاتستنسخ تجارب الآخرين، لشاهدوا أعمالاً أكثر واقعية، وخصوصاً على صعيد تجسيد القضايا الساخنة على الشاشة بدلاً من المطالبة بنقل واقع “مشرق” غير موجود.