صنوف التجربة الدينية: كيف تؤثر الأديان على شخصية الإنسان؟

Creación_de_Adán_(Miguel_Ángel)

تخيل أن تستيقظ يوماً لتجد أن كل المعالم الدينية قد اختفت من فوق سطح الأرض، فزالتْ دور العبادة وكل ما يتعلق بالدين من كتب مقدسة وملابس ورموز ورجال دين وغيرهم.. كل ذلك تلاشى وكأنه لم يكن موجوداً ذات يوم.

وهنا يطرح سؤال نفسه.. هل يتبقى لدينا خبرات دينية بدون هذه الرموز؟ بالنسبة لويليام جيمس والد البراغماتية ومؤلف كتاب صنوف التجربة الدينية” (The Varieties of Religious Experience)، فإن الإجابة هي نعم. وخلال  صفحات كتابه المذكور يكشف جيمس قيمة التجربة الدينية في حياة الإنسان، ويقدم دراسة نقدية للدين. وهو يعتقد بأن الدين يمكن أن يغير تفكير كثير من البشر، وأن التجارب الدينية قد تكون شفاء للعقل والروح.

التجارب الدينية ببساطة تجربة إنسانية يمكنها تغيير وجهات نظر البشر

كتاب صنوف التجربة الدينية هو سلسلة من المحاضرات التي ألقاها ويليام جيمس في عامي 1901 و 1902، ويُعَدّ كشفاً في عمق التجربة الإنسانية مع الدين وكيف أن المقاربة الشخصية الدينية يمكن أن تحمل فائدة كبيرة للإنسان.

من هو الكاتب؟

William-James-II

ويليام جيمس طبيب وفيلسوف وعالم نفس أمريكي عاش بين عامَي 1842 و1910، وعدّه البعض والد علم النفس الأمريكي، وكان شخصية بارزة في عالم البراغماتية وعمل على تطوير الراديكالية التجريبية، وكتب عام 1907 أطروحته عن البراغماتية التي تتشارك في كثير من الأفكار مع  كتاب صنوف التجربة الدينية.

أهم ثلاث نقاط يجب معرفتها من كتاب صنوف التجربة الدينية

أولاً: الدين نوعان.. مؤسسي وشخصي، والأخير هو أساس الخبرة الدينية

 

12

يقتضيالدين المؤسسي (نسبةً لمؤسسات الدين) وجود أنظمة مشاركة دينية من خلال طقوس وشعائر جماعية، وتكون نتيجة الثقافة السائدة في تلك البيئة. فمثلاً إقامة صلاة عند الجنازة أمر متوقع كجزء من عرف اجتماعي.

وفي المقابل، فإن الدين الشخصي يمثل مصدر معتقداتنا ويوظف هذه المعتقدات على أنها حقائق ثابتة، ولا يتمحور الدين الشخصي بالضرورة حول إله أو آلهة، فالملحد لا يؤمن بالآلهة، والإيمان بالعلم وحده يمكن أن يُعد ديناً شخصياً من نوع ما.

ولكن ألا يكون الدين الشخصي بذلك مشابهاً للأخلاق والمباديء والفلسفة؟

ليس تماماً، فالدين يختلف عن الأخلاق أيضاً، لأن الأخيرة هي نتاج تفكير منطقي دون استخدام العواطف. ويتضح ذلك لدى مقارنة كيفية مواجهة المسيحيين والرواقيين (أتباع الفلسفة الرواقية) لتحديات الحياة، فالمسيحي المؤمن يرى أن المصاعب التي يتعرض لها امتحانٌ إلهي، ولذلك يتقبلها بكل سرور، في حين يتعامل الرواقي الأخلاقي مع المشاكل دون تذمر، لكنه لا يرى أن هنالك غاية من وراءها.

ثانياً: يمكن أن يتجدد إيمانك مرة أو مرتين وهذا يرتبط بمدى سعادتك

The-Varieties-of-Religious-Experience-Church-800x534

يعتقد جيمس أن البشر يحققون سلامة الذهن بطرق مختلفة، وما يصلح لهم يعتمد على ما إذا كانوا قد ولدوا مرة أو مرتين (والولادة هنا تعني أن يتجدد إيمان الإنسان أو تتجدد حياته في ما يشبه الصحوة الإيمانية أو الإنسانية)، فالذين ولدوا مرة واحدة يمتازون بصفاء السريرة ويتمتعون بذهن سليم بطبيعتهم، وهم ببساطة لا يرون الشر في العالم، لذا لا يجدون سبباً يمنعهم من الشعور بالسعادة. أما الأشخاص الذين ولدوا مرتين فهم ينقسمون إلى أخيار وأشرار، ولكي يحققوا سلامة الذهن فذلك يتطلب منهم تحدي الأجزاء السلبية من العالم إما برفضها أو تجاوزها أو تجاهلها.

وبينما ينتمي البعض إلى المجموعة الأولى وهم أصحاب النفوس المطمئنة وسليمو الذهن، فإن معظم البشر ينتمون إلى المجموعة الثانية التي يجب عليها تبني سلامة الذهن كوجهة نظر للحياة. وذلك مكسب ثمين فالكثير من الأمراض الجسدية يمكن أن تشفى بذلك. وليتمكن هؤلاء من الاقتراب من سلامة التفكير فعليهم خوض تجربة دينية.

ثالثاً: يقترح جيمس تحويل اللاهوت إلى دراسة نقدية وعلمية للدين

The-Varieties-of-Religious-Experience-Buddhism-800x531

ترتكز الفلسفة الدينية أو اللاهوت على أعمق شعور بالتجربة الدينية والسعي تاريخياً لإثبات وجود الإله. ويمكن عبر الفلسفة الدينية ترجمة هذه المشاعر العميقة تجاه غير المحسوس. وقد حاول الفلاسفة السكولاستيين (فلسفة لاهوتية ذات عقيدة مسيحية ظهرت في العصور الأوروبية الوسطى) أمثال توماس أكويناس إثبات وجود الله باستخدام الفلسفة من خلال صياغة بيانات فكرية تدعم إيمانهم بأن الله هو خالق العالم. لكن هذا النقاش اللاهوتي المجرد في الدين باستخدام لغة فلسفية ليس له تأثير عملي على المؤمنين، مما يجعل هذه النقاشات وفقاً لرأي جيمس بلا معنى. ويؤكد أن الأجدى هو العمل على دراسة نقدية للدين، لأن ذلك سيسهم في التخلص من الأفكار الدينية التي أثبت العلم عدم منطقيتها والتخلص كذلك من المغالطات الفردية والتاريخية حول الدين.

مفهوم مثير للاهتمام من صنوف التجربة الدينية“:

ما معنى القداسة وما الصفات التي تجعل المرء قديساً؟

ينظر الناس إلى القديسين على أنهم بشر ترفعوا عن كل متطلبات الجسد واهتموا بتغذية الروح، فهم يتصفون بالزهد في متاع الحياة ويجدون لذة السعادة في العيش البسيط والتضحية لأجل الآخرين. كما أنهم يملكون قوة الروح التي تمنحهم الشعور بالطمأنينة والسكينة فيغيب عنهم القلق وتزول المخاوف. ومن صفاتهم أيضاً النقاء، فسعيهم لتجنب المثيرات الحسية يجعلهم يفضلون العزلة، إضافة إلى أن القديس يمتلك قلباً حانياً يتسع للجميع فيسعى لفعل الخير وتقديم المساعدة للمحتاجين.

وتتجسد الصفات السابقة في فرانسيس الأسيزي الذي اختار لحياته طريق الزهد، وكرس نفسه لمساعدة مرضى الجذام الذين ينفر منهم الناس دون أن يخشى الإصابة بالعدوى.

فكرة مدهشة من صنوف الخبرة الدينية“:

معنى القداسة يتغير بمرور الزمن واختلاف الوعي الثقافي

بمراجعة صفات القدسية التقليدية من منظور حديث سنرى أن الصفات التي تؤهل القديس لاكتساب هذه المرتبة تتطور أيضاً.

فلم يعد فرط الطهارة في العديد من الثقافات فضيلة عالية، وتضع الأخلاقية الحديثة مد يد العون للآخرين وفعل الخير في المقدمة أيضاً، في حين فقدت العزلة والتنسك أهميتهما. ولابد لفعل الخير أن يكون مدروساً، فالعطف على الأعداء قد يجلب المخاطر. أما الزهد فهو يستدعي للذهن صور الرهبان الفقراء يمشون حفاة ويقتاتون على هبات الطعام، لكن جيمس يعتقد أن الفقر مثالي لتعليمنا درساً مهماً في العصر المادي الذي نعيشه.

إن كنت ستتذكر أمراً واحداً من الكتاب فليكن ما يلي:

لا تحتاج التجارب الدينية إلى أن تُحصر ضمن حدود الدين المؤسسي، فهي تجارب شخصية وفريدة ولا تحتاج لعقيدة معينة. ويمكن أن يكون الدين الشخصي أمراً كفضيلة الالتزام بالحقيقة. فكل منا يستطيع أن يتعلم من التجارب الدينية، وأن يدرس الدين كله دراسةً نقدية.

Faithful pray in Ottoman-era Sultanahmet mosque during Ramadan, in Istanbul

المصدر: Blinkist