عالم من الجدران: لماذا ازداد بناء الأسوار بين حدود الدول؟

The Arizona-Mexico border fence near Naco

اقتراح مرشح الإنتخابات الرئاسية الأمريكية دونالد ترامب لبناء جدار بين حدود الولايات المتحدة والمكسيك ليس بالأمر القديم. إنه من علامات هذا العصر. ففي الأيام الأخيرة انتقد بيل كلينتون وباراك أوباما دونالد ترامب بأنه رجل من الطراز القديم الميئوس منه. وخلال تجمع حاشد في نيوجيرسي أخيراً، صرّح الرئيس الأمريكي السابق بأن لدى زوجته هيلاري فهماً أفضل لعالم اليوم المترابط من منافسها الجمهوري في انتخابات 2016. والدليل على ذلك خطة ترامب لبناء جدار على طول الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك لمنع الهجرة غير الشرعية والإرهاب.

وخاطب كلينتون الجماهير قائلاً: الحادث الإرهابي الأخير الذي تعرضنا له كان في سان برناردينو في كاليفورنيا. لقد غير هؤلاء الناس قناعاتهم (إلى الإسلام الراديكالي) عبر وسائل الإعلام الاجتماعي… يمكننا بناء جدار عبر حدودنا مع كندا كذلك، وإنشاء جدران بحرية عملاقة على طول المحيطين الأطلسي والهادي… كما نستطيع أن نرسل البحرية الأمريكية كلها إلى ساحل الخليج الأمريكي ونمنع أي شخص من الدخول إليه. ويمكننا أن نستخدم جميع  طائرات سلاح الجو الأمريكي لمنع الطائرات من الهبوط. لكن لا يمكننا السيطرة على وسائل الإعلام الاجتماعي.

وشارك الرئيس الأمريكي الحالي في الحملة في نيوجرسي أيضاً، وقال: أضحى العالم أكثر ترابطاً من أي وقت مضى، وهو يزداد ترابطاً كل يوم. ثم أضاف بناء الجدران لن يغير ذلك… فإن كنا قد تعلمنا شيئاً في العقدين الماضيين فهو أن أكبر التحديات التي نواجهها لا يمكن حلها بالانعزال.

وأشار كلينتون إلى أن الجدران عديمة الفائدة ضد تهديدات اليوم العابرة للحدود. ويوضح أوباما أن العالم يتجه نحو الترابط أكثر من أي وقت مضى، ساحقاً الجدران في طريقه. وبينما عدّ كلاهما الجدران شيئاً من الماضي، فإن الواقع يعكس سير بناء الجدران الحدودية والأسوار بأسرع وتيرة عرفها العالم منذ الحرب الباردة.

57057389-20050730img_4390

يَرِد أحد الدلائل في كتاب جديد عن عواقب الترابط. فيذكر جوشوا كوبر رامو في كتابه الحاسة السابعة  أن العالم في العصر الحديث ينتظم في شبكات تظهر عندما ترتبط العُقد والتي يمكن أن تكون مؤلفة من الأشخاص أو الأسواق المالية أو الحواسيب أوالهواتف النقالة أوالطائرات بدون طيار أوغيرها مع العقد الأخرى. والنقاش المركزي للعصر الشبكي يتمحور حول الدرجة التي يجب أن تكون عليها هذه الأنظمة المترابطة مفتوحة أو مغلقة، وهو نقاش أبعد ما يكون عن الحل، على الرغم من التصريحات الواثقة لكلينتون وأوباما.

وقد تحدث رامو عن ذلك هناك أسباب معينة تدفع الشبكات لأن تكون مغلقة وذلك يتعلق بكفاءتها، فإذا كانت الشبكات مفتوحة بالكامل فستصبح غير فعالة بحيث تتوقف عن النمو… والنقطة الأساسية للسيطرة في أي نظام شبكي هي البوابة.

يذكر أن رامو صحفي سابق والمدير التنفيذي المشارك ونائب المدير العام لمؤسسة كيسنجر للاستشارات، وهو يطبق نظرية الشبكة على الشؤون الدولية. ويقول إن سقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة قد ساعدا على إعلان عولمة بلا قيود، ولكن ردود الأفعال توالت بعد ذلك، فقد أنتجت العولمة تدريجياً رغبة في الانفصال ضمن أجزاء معينة من العالم، ولاسيما بعد سلسلة من الصدمات بما فيها هجمات الحادي عشر من سبتمبر والأزمة المالية العالمية والتعرض لمخاطر التكامل الحر. ويتزايد باضطراد تحقيق الانفصال من خلال الحواجز المادية.

يسوق رامو إحصائية عن انتشار الجدران من دراسة قام بها اثنان من علماء السياسة هما رون هاسنر وجيسون ويتنبرغ، فمن بين 51 حدوداً محصنة بنيت بين الدول منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بُني ما يقارب نصفها بين عامي 2000 و 2014. ووجد هاسنر وويتنبرغ أن بنية هذه الحدود التي تشبه تلك الأسوار القائمة بين الولايات المتحدة والمكسيك و الجدار الفاصل بين الضفة الغربية وإسرائيل  والسياج الحدودي بين المملكة العربية السعودية واليمن قد شيدتها على الأرجح دول غنية تسعى لمنع دخول مواطني البلدان الأكثر فقراً، وأن العديد من هذه التحصينات بُنيت بين دول في العالم الإسلامي.

dba86149a

عدد حواجز الفصل المنشأة حول العالم بين عامَي 1945 و2014

ويرى رامو أن الجدران والأسوار وخنادق العالم المعاصر ستزداد طولاً وطموحاً،  وستغدو لها مبررات أفضل مع السنين، لأن إنشاء البوابات هو النتيجة المباشرة للاتصال.

ظهر العديد من تلك الأسوار في أوروبا في الآونة الأخيرة، حيث تصارع تلك البلدان لحل مشكلة تدفق المهاجرين واللاجئين. (لا يحتسب الشكل السابق جميع الحواجز الجديدة التي أقيمت منذ عام 2014).  ولاحظت الإيكونومست في يناير أنه نتيجة لأزمة اللاجئين والصراع في أوكرانيا، ستشهد أوروبا قريباً المزيد من الحواجز المادية على الحدود الوطنية أكثر مما كان موجوداً خلال الحرب الباردة. فهناك ضوابط وحواجز حدودية جديدة بما في ذلك سور النمسا المقترح على طول الحدود مع إيطاليا مما يهدد حيوية بقاء منطقة الشنغن للاتحاد الأوروبي. وإليكم ما بدا عليه الموقف مع مطلع شهر مارس:

c16fe723d

نقاط الحدود في أوروبا

أسوار لا تغطي كامل الحدود (رويترز/ المفوضية الأوروبية)

وضع هاسنر وويتنبرغ نظرية بأن الانتشار الأخير للهياكل التي تشبه الجدران هو في جانب منه استنساخ دول لتجربة دول أخرى، فكتبا يبدو أن الدول تتعلم تقنية الحدود المحصنة من الدول المجاورة ومن القوى الإقليمية التي يرون أنها نفذت هذه التقنية بنجاح. وكلما ازداد عدد الدول التي تقوم بذلك خاصة القوى الكبرى مثل الولايات والاتحاد الأوروبي غدا استخدام الحواجز المادية للدفاع الوطني أكثر قبولاً. ولجعل هذه الممارسة تنتشر أكثر، يجب أن ترجح الكفة ضد الحماس المسبق للعولمة وقابلية اختراق الحدود التي ميزت العالم بعد الحرب الباردة ووصمة العار المرتبطة بالحواجز كرمز للاضطهاد مثل جدار برلين.

وبهذا فإن الأدلة على ما إذا كانت هذه الجدران والأسوار قد حققت أهدافها مشوشة تنحصر الأهداف في هذه الأيام بمنع الهجرة والإرهاب والتهريب وخصوصاً عند تحليل التكاليف والعواقب غير المقصودة المرتبطة بالحواجز. من جانبهما وجد هاسنر وويتنبرغ أن الجدران تكون فعالة أفضل عندما تكون مجرد جزء من استراتيجية أوسع للسيطرة على الحدود وعندما لا تكون هناك طرق بديلة إلى البلد الذي يبني الجدار.

ما الذي سينتج في نهاية المطاف من هذه الفترة من التغيير؟ يعتقد رامو أن عهداً جديداً من العولمة التي ستتميز غالباً بإنشاء نُظم ضبط للبوابات، والسؤال المفتوح في رأيه ما الشكل الذي ستبدو عليه البوابات؟ مع وجود الشبكات يمكن للأمور أن تكون إما مفتوحة أو سريعة أو آمنة… فإذا كنا نرغب في نظام مفتوح وسريع حقاً فإنه لن يكون آمناً، لأن ذلك يعني السماح لأي شخص بالدخول. ويرى رامو أن الجميع الآن يحاولون معرفة كيف يمكن موازنة هذه العوامل.

وأضاف رامو: الحديث عن وجود الجدران من عدمه ليس النقاش الصحيح، فهو يفضل أن يكون النقاش حول كيفية عمل البوابات وتحديد نوع الهجرة المطلوب تشجيعها وكيفية تنسيق هذه العملية.

أحد الأسباب التي تجعل هذه الاتجاهات مهمة هو أنها تعيد صياغة انتخابات 2016 من نزاع بين الماضي والمستقبل، كما ذكر بيل كلينتون وباراك أوباما، إلى خيار بين مستقبلين معقولين. قد يطلق عليه رامو التفريق بين الحكمة بالانفتاح أكثر مقابل شبكات أكثر انغلاقاً. بنى ترامب حملته الانتخابية على الجدران والحواجز التجارية،  في حين دعت هيلاري كلينتون لهدم الحواجز. وهذا النقاش الجدلي يحدث بين المُرَشَّحين لأعلى منصب في البلد الذي يقطنه مهاجرون أكثر من أي دولة في العالم.

لقد تعلمنا  بالفعل من العقدين الماضيين شيئاً عن الترابط، كما ذكر أوباما في خطابه، لكن ما تعلمناه قد لا يكون ما يفكر فيه أوباما.

المصدر: The Atlantic

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.