حكاية لجوء: لحظة عبورنا بين فكَّي العالم

لاجئين

من بلاد اللجوء ألمانيا يتحدث عبدالرحمن القلق عن شرايينه المفتوحة. هو سوري من أصل فلسطيني من مخيم اليرموك بدمشق، يكتب لنا من ملجئه كيف انتصرت الحرب على الجميع:

ليس في هذه البلادِ شاطئٌ بدفء المتوسّط!

ربما هي مصادفة، كي لا يذكّرنا بما كان فنكرهه!

من كان يصدّق أن الفتاة التي كبرتْ تدسّ  أصابعها برمل السّاحل السّوري وتحيي حفل زفافها على شاطئه لترقص حافيةً مع مدّه وجزره ستكرهه يومًا ما؟

من كانَ يصدّق أنها ستكره صوته ودفئه وكلّ شيء يذكّرها بالمياه المالحة التي ملأت جسدَ صديقتها حتى الموت؟

لم تكن الفاجعة فقط بالدم الذي سال من خمشة الحربِ على رقابنا!

لكنها تنامت سراً في قدرتها على تحويل أجمل ما لدينا إلى وجعٍ نشتاقهُ حينما كان جميلاً.

إن التجربة المستمرة بالتّشعب هي أكثر كثافة من أن تستطيع حتى أحدث آلات التصوير أن تلتقطها وتدوّنها في سجلّات حقوق الإنسان لتجعلها بنوداً لخبراء التاريخ والحرب واللجوء.

لذلك قررت أن أعدو فوق ذلك المشهد المحوّر بطباشير الدم الرطب وأنتقل بصورة مباشرة إلى مايزال ينهار في دواخلنا بشكل مأساوي يتعدّى ملمس الحجارة في (تدمر) على أبسط تعبير، ويذهب بحسّنا نحو فلسفة أشياء أعمق وأعمق من سطح الأخبار والجرائد وتقارير خفر السواحل وتعداد شهداء القصف الروسي.

o_RRbW5PvQHgrJSWqSpLHg5pBfua2_r72Rf0jKGC0Isw

ورغم أنني أتناول الأحداث الآن بصيغة الماضي، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنها في خانة المعنى العميق لكلمة (الماضي).

حقاً أود لو أستطيع أن أكتب بصيغته الحقيقية كأن أقول:

أنا هنا الآن وأكتب جالساً خلف طاولة مصنوعة من خشب الغابات السوداء الألمانية.

أود حقاً لو أكتب وأنا خارجٌ تماماً من دائرة الحدث فأستذكره بتجرّد و هدوءٍ، كما لو أن كلّ شيءٍ تحوّل لذاكرةٍ بعيدةٍ لا تربطني بها إلا الصّور..
لكن الفرق -بين هنا وهناك- كان مجازيًّا، ومن الصّعب علينا أن ندرك جرحنا المشاع ما بين نصاله.

فمع أنّنا نعلمُ جميعاً -لحظة عبورنا ما بينَ فكّي العالم- أنّ الضّفة التالية ليست إلا جزءاً جغرافياً واحداً تستطيعُ أقدامنا التّعرف على جاذبيّته، وأن الروح لا تكيلُ اهتمامًا بكلّ المفارقاتِ الماديّة والجسورِ والقطاراتِ السّريعة والموازين الاقتصادية واختلاف أشكالِ الثقافة المتوارثة أو المستوردة.

مع علمنا بذلك كلّه.. فإنّ تصعّد الحالة ببطءٍ ثمّ انهيارها السريع وسّع التيه الزّماني والمكاني في مساحة إدراكنا لها! فمنذ وصولنا إلى هنا ونحن نمشي ترنّحاً و كأننا فقدنا كتلتنا من جاذبية الأرض!

مثلاً: حينما تُعلن ليلاً في التلفاز مجزرة ما تحت السقف المنهار في حلب فإنها لا تنتهي بانتهاء موجز الأخبار أو اكتفاء الناس بالتعليق على المنشور في “الفيسبوك”!

بل تمتدّ من هناك إلى عينَيْ أبٍ تدمعان طوال الليل تحت سقف غرفته في مخيم اللجوء وهو يفكّر في اللحظة التي سيلم شمل عائلته من ذات المكان الذي انهار في حلب قبل دقائق!

بينما عليه أن يستيقظ صباحاً ليحاول أن يخطو خطوةً نحو أهله عبر تلقّيه المباشر دفعةً واحدة لكل البيروقراطية الألمانية الناتجة على مدى عقود من بناء الجمهورية الاتحادية ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى اللحظة التي قرروا فيها استقبال هذا الإنسان في أرضهم.

لو جمعنا مِن شقوقِ الأرض دمنا السّائب وسكبناهُ على طول الدّرب الذي سلكناه؛ لامتلكنا خطًّا دوليًّا أحمرَ ومشينا كُلّنا من هذهِ الحرب.

لكنها كانت فينا، اختبأت تحت جلودنا ومضت معنا!

630

أجل.. في طريقي ـ كلّه ـ من دمشق إلى ميونخ كان الجميع يحمل دون علمه بقايا بيته وحارته.

منهم من حملَ شظايا قذيفة أخيرة في أمتعتهِ وحافظ عليها في الوقت الذي أضاع جوازَ سفره عند أوّل نقطةٍ حدوديّة.

ولمّا وصل ليبدأ لم يجد إلا الشظايا.

ظنّ أنه سينجو بمجرّد وصوله.

ظننا أننا سنمتلكُ فرصةً للنجاة منكسرينَ أو حتى للموتِ راضين، لكننا انهزمنا جميعًا!

وأوّلنا منتصرٌ شربَ نخبَ هذا الرحيل،

وثانينا منتصرٌ جاءت إليهِ -مع رائحة الفجر- لعنةُ البقاء فانتحر.

انهزمنا.. ووحدها الحربُ مَن ربحت.

قبل أن تحمل أشياءك انفض عنها رماد بيتك كي لا تشعر بدفءٍ في خيمة ولو وضعوا لك فيها شمسًا تحترق!

قبل أن تركب البحر انسَ فيروز وعشقها!

تذكّر أن تبقي عينيك مغمضتين كي لا تحقد على البحر والضوء والله!

قبل أن تغلق جفن عينك أسدل جفن قلبك الذي لا يهفو!

ثمّ بدّد ليلك بأغنية لم تسمعها مرةً في دمشق كي تأمن مَكر الذاكرة!

قبل أن تمضي من بلادك انزع عنكَ الشّوق والفكر والورد وعطره!

مزّق صورك، ثمّ إن استطعت حاول أن تسحب من تراب الأرض ساقيكَ! ومن ورق الشّجر يديك ومن سماء المدينة عينيك!

اسحب نفسك قبل جسدك كي لا تصلَ عاجزًا لا يمشي إلا لشوقه القديم، فتموتَ مقعداً بكاملك وأنت في هذه البلاد.

b62d3bdfa1a78a0064bcdb610701c338

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن