لماذا ترك باسم يوسف الطب ليصبح نجماً إعلامياً مشهوراً؟

في مقال نشره على موقع الشبكة الاجتماعية المهنية LinkedIn، كشف باسم يوسف عن جوانب شخصية ومهمة في حياته، فتحدث عن أسرته وعن الثورة المصرية مجيباً على التساؤل الذي طرحه في عنوان المقال المنشور باللغة الانجليزية: “لماذا تركت الطب لأصبح جون ستيوارت مصر؟”.

فيما يلي المقال مترجماً إلى العربية:

bassem youssef

“حقيقة أن والدتك لم تحوّل حياتك إلى جحيم عندما غيّرت مسيرتك المهنية من جراح قلب إلى إعلامي ساخر.. فهي دليلٌ حيّ على أنَّك لا يمكن أن تكون يهوديًا!”. هذا ما قاله لي جون ستيوارت قبل أربع سنوات عندما التقينا أول مرة.

نشأت في أسرة مصرية من الطبقة المتوسطة. أنا طبيب ولدي أخ واحد يعمل مهندسًا، ولو كان لي أخ ثالث لكان محاميًا أو طبيب أسنان، كما يقول ستيوارت، وسوف نشبه بذلك العائلة اليهودية!

قبل بضع سنوات كنت مجرد طبيب أذهب إلى ميدان التحرير لرعاية الجرحى في معارك الشوارع أثناء بداية الربيع العربي. لا أجيد رمي الحجارة على الإطلاق وفي إحدى المرات رشقت ظهر أحد المتظاهرين بالحجارة، لذلك قررت علاج الجروح بدلًا من التسبب فيها.

بدأ الربيع العربي في تونس، وفعل التونسيون شيئًا لم يفعله أي شعب آخر في المنطقة: أطاحوا الدكتاتور، فحذونا حذوهم، ليس لأنهم ألهمونا، ولكن لأننا كنا غيورين. نعم، بدأنا ثورتنا لأننا كنا “ملوك الدراما!”.

كان يحكمنا دكتاتور ظلّ في السلطة 30 عامًا (أو كما نسميها في منطقة الشرق الأوسط، “ولايته الأولى”).

غسل دماغ جماعي

egypt tv

في ذلك الوقت كنا نواجه حقيقتين: حقيقة في الشارع والأخرى تصوّرها وسائل الإعلام. بالنسبة لوسائل الإعلام التي تديرها الدولة لم تكن ثورة يناير ثورة شعبية بل مؤامرة، وكانت حماس، وحزب الله، وإيران، وأمريكا، وإسرائيل، والسويد وأيرلندا تتآمر علينا. نعم، كان المصري السريع الانفعال الذي تحركه وسائل الإعلام يقبض على كل تلك الجنسيات وأكثر من ذلك.

كان وسائل الإعلام لدينا على غرار “فوكس نيوز” الأمريكية، بل أسوأ، وتقوم بغسل دماغ جماعي. لقد صدّق الناس كل الأشياء التي تُقال عنّا، نحن الثوار في الشوارع، بدءاً من أننا مأجورين إلى وجود علاقات جنسية كاملة في الشوارع.

في النهاية، قمتُ بعمل مقاطع فيديو بسيطة على موقع يوتيوب. كاميرا واحدة، ومكتب واحد ولافتة خلفي قيمتها 100 دولار في غرفة الغسل داخل شقتي. ثمّ نشرت مقطعين على موقع يوتيوب. كانت هذه المقاطع الأولى من نوعها، مقاطع فيديو سياسية تسخر من كيفية محاولة الدولة غسل أدمغة الناس وإبعادهم عن الثورة. ربما كنت أتوقع 10 آلاف مشاهدة، لكن انتهى بي الأمر مع 5 ملايين مشاهدة في غضون بضعة أسابيع، ورغبة كل قناة تلفزيونية في مصر في العمل معي. في ذلك الوقت قُبلت لمنصب الزمالة في مستشفى جراحة القلب للأطفال بمدينة كليفلاند، ولا يمكنني أن أعبّر لكم عن مدى رغبتي في مغادرة البلاد وحماستي للذهاب إلى كليفلاند! (حتى ليبرون جيمس ترك فريقه في ذلك الوقت وعاد إلى ميامي). لذلك كنت أنتظر أوراق تأشيرة H1 (المهاجرون غير الشرعيين على موقع “LinkedIn” يعرفون ذلك!) وبعد ذلك اضطررت إلى الاختيار: الاستمرار في مهنة الطب الشريفة أو الشهرة الفارغة والمال؟

لا أعتقد أنني كنت لأكتب هنا الآن لو انحزت إلى الخيار الأخلاقي!

افتقار روح الدعابة

bassem youssef

على مدى السنوات الأربع التالية، واجهت العديد من المتاعب مع السلطات المختلفة. يبدو أنَّ الأنظمة العسكرية والدينية لديها شيء مشترك: الافتقار إلى روح الدعابة. انتهى بي الأمر إلى إلغاء برنامجي واضطررت إلى مغادرة البلاد، ولكن إذا نظرنا إلى الوراء، أجد أنّها رحلة لا تُصدّق حتى الآن. لقد بدأت بكاميرا واحدة وانتهى بي الحال مع 40 مليون مشاهدة في كل أسبوع لأول مرة لبرنامج تلفزيوني سياسي ساخر. لقد تمكّنا من إرباك سوق الإعلام في مصر وفرض سردية مختلفة.

تتحكم في السوق الإعلامية في الشرق الأوسط عقلياتٌ عفا عليها الزمن والأموال الطائلة والسلطات لحماية تلك العقليات. والآن هناك شباب أصبحوا نجومًا على مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيس بوك ويوتيوب وتجاوزوا هذا الطريق. ومنذ أن بدأت برنامجي، أصبحت مواهبُ عديدةٌ شابةٌ قادرةً على اقتحام هذا المجال وإنشاء إعلام موازٍ جديد في السوق بعيد عن وسائل الإعلام الرئيسية. والمنتجون والشبكات التلفزيونية غيّروا طريقتهم في العمل الآن وتنبهوا لحقيقة أن النجوم الذين يظهرون على الشبكات الافتراضية هم  أكثر واقعية من الإعلاميين الذي يظهرون على شاشات التلفاز.

لقد تغيّر الكثير من الأمور بالنسبة لي في السنوات الخمس الماضية، وكان كل شيء متوقفًا على القرارات التي كان يجب أن اتخذها كل يوم اضطررت فيه إلى الخروج على الهواء للسخرية من الأقوياء. ولكن الأهمّ من ذلك كان قرار البقاء هناك والتخلي عن الراحة من مسار محتوم. وكان من المحرمات في مصر أن أترك ورائي 19 عامًا من الدراسة والعمل في مجال الطب لكي أقوم بما قمت به. والبعض أعتقد أنّه كان غباء وحماقة مني، ولكن ما كان أكثر حماقة هو أن أستمر في السخرية من المحرمات الأكثر تجذرًا في المجتمع كالجنس والسياسة والدين. والأنظمة الاستبدادية لا تحب ذلك، لأنها تعتمد على تلك المحرمات في تعزيز وجودها، وتدرك تلك الأنظمة أّنه إذا بدأت التساؤل بشأن تلك المحرمات والتمرد ضدها، فإنَّ الدور سيأتي عليها.

وعندما زارني ستيوارت في برنامجي في مصر، قال لي إنّه “إذا لم يكن النظام قويًا بدرجة كافية للتعامل مع النظام، إذن فليس هناك نظام أصلاً”. وحينئذ أدركت أنَّ كل القوة والخوف اللذين تخفيهما الأنظمة هو مجرد علامة على ضعفها وهشاشتها.

وعندما أنظر إلى الخيارات التي قمتُ بها أجد أنني لست نادمًا على أي شيء. أنا لست نادمًا على ترك الطب. في واقع الأمر إذا نظرت إلى أصل كلمة سخرية، فستجد أنها تأتي من الكلمة اليونانية “Sarkasmos” وهي كلمة تعني فصل اللحم عن العظم والتقطيع إلى شرائح. إنّه مصطلح استخدمه الجزّارون نظرًا لأنهم يقطعون طبقات مختلفة من اللحم للوصول إلى العمق.

لذلك ربما لم أنحرف كثيرًا عن مهنتي الأصلية وجعلت عائلتي فخورة في النهاية.

خذ هذه يا ستيوارت!

bassem yousef

المصدر: LinkedIn

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن