عثمان خُنجي: فنان يسعى بتصاميمه إلى إعادة استكشاف الإيمان

prayary

متواضعٌ بطبيعته ومتأملٌ منذ نشأته، عثمان خُنجي هو مصممٌ مشغوفٌ بتصاميم الاتصال والمنتجات التفاعليّة. قابلناه في الاستوديو الخاص به في مبنى “مطافئ” في قلب الدوحة حيث إقامته الفنية، وأراني العمل الذي صممه من أجل افتتاح المعرض الجماعي للمقيمين في بداية يونيو 2016.

بدأنا مع تصميم “Prayary”، وهو عمل أنجزه في حين يسعى للحصول على درجة الماجستير في الفنون الجميلة من جامعة فرجينيا كومنولث في قطر. ويدين خُنجي بالفضل لبرنامج الدراسة الذي ساعده على إيجاد شغفه، ويقول: “في نهاية كل عام، علينا أن نفكّر في أعمالنا ونبحث عن النمط الذي يربط بينها وبين ما تقودنا إليه”.

يرى عثمان أنَّ هذا التفكير والتأمل يقودنا نحو التصميم التفاعليّ.

“لقد عملتُ مع أستاذين أكاديميين عندما بدأت تصميم Prayary. وكان سر جمال هذا التصميم أنَّ أستاذي، وهو ليس بمسلم أو محافظ (متديّن)، يأتي من خلفية فنية، تفاعل مع هذا التصميم من البداية وسألني: هل يمكنني أن أقف عليه؟ هل يمكنني لمسه؟. أجبته: بالطبع يمكنك فعل ذلك”.

close-up

لم أضع آيات قرآنية على التصميم لأنني أردتُ أن يتفاعل معه الناس، ولكن كان من الواضح أن اهتمام أستاذي كان في دورة الصلاة الكاملة لا في التصميم نفسه.

في وقت لاحق وضعنا هذه القطعة في مسجد الإمام محمد بن عبدالوهاب، وكنتُ أتوقع الأسوأ عندما رأيت الشيخ يقترب مني. قال لي: اشرح. وعندما فعلتُ ذلك، طلب مني قطعتين بأحجام أصغر كهدايا للعيد القادم! لقد جلبت هذه القطعة شخصين من خلفيات متباعدة معًا بطريقة لم أكن أتوقعها”.

ما لفت انتباهي هو الطريقة التي ينسج بها خُنجي القضايا الاجتماعية في عمله، ويخلق تجارب تفاعلية تعبّر عن ذواتنا وتسبر غور أرواحنا.

“تهدف جميع مشاريعي إلى إثارة أفكار جديدة حول كيفية عمل أفضل أشياء”.

هذه الطبيعة التأمليّة تأتي من مكان شخصي لدى عثمان، وهو خلفيته البحرينية.

عائلة ليبرالية/متدينة

“ينحدر والداي من عائلات مسلمة، وكانت عائلة أمي أكثر تديّنًا وكان والدها شيخًا. أما عائلة والدي فقد كانت ليبرالية، وهذا الأمر تحوّل إلى صراع بالنسبة لي كطفل نشأ وهو لا يفهم أنَّ هذين نوعان من ممارسات مختلفة لنفس الدين. وهذا أربكني بعض الإرباك لكنه منحني دفعة قوية، وجعلني أدرك أنَّ وجهات النظر يمكن أن تكون مختلفة.

لذلك عندما أقوم بعملي ويقول لي الناس: ممنوع المساس بالدين! ويقولون مثل هذه الأشياء السلبية، أقول لهم: لا، الدين لا يتغيّر ولكن ما يتغيّر حقًا هو الطريقة التي يقرأ ويفسّر بها الناس الدين؛ فالناس تقرأ الدين وتفسّره بالطريقة التي يتصرفون بها”.

ويحاول هذا التصميم التفاعليّ تقديم وسيلة مختلفة لتعليم أهمية الصلاة.

“جربتُ ذلك مع هذه القطعة، جربتُ أن أصلي، وأن أتحرك، ووجدت أنَّ شيئًا ما يحدث. الفكرة هي أنه بأجهزة الاستشعار يُسجَّل  خشوعك من خلال وجود شيء في النهاية يقول أنا صليت بهذه الكيفية أو تلك. إنّه يُظهر لك أين يذهب وقتك وطاقتك”.

outcome
تصميم “Prayary” هو جزء من مجموعته الذي أصدرها بعنوان “أركان الإسلام الخمسة”، والتي ستُعرض قريبًا في متحف الفن الإسلامي في الدوحة.

ويناسب عمل عثمان مبنى “مطافئ“، وهو خاص بالدفاع المدني تم تجديده أخيراً ليصبح مكاناً للفنانين، وتتعمق تصاميمه في وجهات نظر يجب إعادة التفكير فيها، وقد ألقيتُ نظرة على قطعتين من تصاميمه، إحداهما تجسّد شهر رمضان، والأخرى مكة المكرمة.

“يمكنك القول إنَّ ما فعلته كان خلق تجربة أكثر تفاعلية في شهر رمضان المبارك. عادة ما يحدث هو أنّه في اللحظة التي ينطلق فيها الأذان ويضرب مدفع الإفطار، نتجه على الفور نحو مائدة الطعام، أو ربما نكون جالسين حولها بالفعل، والطعام في أيدينا”.

img_3591
ويكمل عثمان واصفا عمله: “اخترتُ 11 كأسًا لعائلة نموذجية مكّونة من 5 أو 6 أفراد، وأضفتُ بعض الكؤوس من أجل الضيوف الذين عادة يُدعَون خلال رمضان. وإضافة إلى ذلك، الرقم 11 وهو رقم فردي والإسلام يوصينا بتناول التمر بعدد فردي، وأنا أحاول تطبيق ذلك عمليًّا”.

الإمساك بكوب الماء يتبعه دعاء يردده جميع المسلمين قبل الإفطار. بعد دقيقتين، تُتلى آية من القرآن بمثابة تذكير لطيف بصلاة المغرب، وهو ما يعني أيضًا توفير الوقت لكبح شهيتك حتى العودة إلى مائدة الطعام. وتنتهي التجربة بعد 20 دقيقة، حيث تنتهي عملية تناول الطعام نظريًا، عندما تذكّرك آيات القرآن الكريم من سورة البقرة بتجديد النية لصيام اليوم التالي.

يقول عثمان خنجي: “إنّه يخلق دورة كاملة. أن تأتي، تتناول وجبة الإفطار، ثمّ تنوي الصيام في اليوم التالي. وفي وقت لاحق، في العشر الأواخر من رمضان، سوف يذكّرك كل يوم بزكاة الفطر، والعشر الأواخر من رمضان”.

نرجسية المصلين

ويركّز عمل خُنجي حول مكة المكرمة على نمو النرجسية في المصلين، والطرق التي تسارعت بها من قِبل الرأسمالية والتكنولوجيا، وتعارض ذلك مع الإيثار ونكران الذات في أرض الله.

“لقد صمّمت نماذج مصنوعة من الطين، وهي ترمز إلى عملية الخلق، استنادًا إلى مفهوم كلمة “أنا”. فأنت ترمز لنفسك بـ”أنا” وأنا أيضًا “أنا”. أنت تستيقظ في الصباح، وتعتقد أنني أريد تناول وجبة الإفطار، وأنني سأذهب إلى الفصل الدراسي، أو هذا الاجتماع… أنا أنا أنا… ولكن متى يمكن أن تصبح الـ “أنا” “نحن”؟ متى نمنح الآخرين خمس دقائق من وقتنا؟”.

في عدد من المشاهد، يدعو خُنجي إلى التفكير في هذه الأسئلة وأكثر من خلال تبادل الأدوار.

“هذا المشهد هو أحد أقوى مشاهد تبادل الأدوار. من الأعلى، ترى الناس وهم في وضعية السجود، ملتفون جميعًا نحو الكعبة. ما قمتُ به هو استبدال الكعبة بــ”الأنا”، وكأن ديننا يصلي لنا لا العكس، كما لو أننا نعتقد أننا قادرون على تحمّل تلك المسؤولية.

“إنّه أمر تفاعليّ عندما نفكر في مفهوم الطواف، التحرك حول الكعبة المشرفة سبع مرات عكس عقارب الساعة. بدلًا من ذلك، هنا، يدور الشخص حول نفسه ويبدأ من الاتجاه المعاكس، ويذهب حرفيًا ضد الدين وإلى الوراء. لكنَّ الآيات التي تُتلى تحاول إجباره على إعادة النظر فيما يقوم به”.

reflective-vanity

يستمر معرض الفنانون المقيمون بـ “مطافيء” الدوحة من 3 يونيو 2016 وحتى الأول من نوفمبر.

أجرت المقابلة منيرة م. وكتبها وحررها محمد فخرو لصالح موقع Reconnecting Art وتمت ترجمتها بواسطة Open

 

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن