ماذا قال آينشتاين عن الإنسان والوجود المشترك والمُثل العليا في الحياة؟

Albert Einstein.

ماريا بوبوفا

في أوقات الفوضى والاضطرابات، كثيرًا ما أتجه إلى إحدى الركائز الوجودية للراحة: كتاب أفكار وآراء ألبرت آينشتاين، وهو مجموعة من المقالات عن كل شيء من العلم والدين إلى الحكومة والطبيعة البشرية، جُمعت تحت إشراف آينشتاين نفسه. لقد كان أسبوعًا صعبًا ذكّرني بقيمة الكياسة والمودة والرحمة، ولذلك اتجهت مرة أخرى لقراءة هذا الكتاب الخالد عن ذلك الطيف الواسع من الموضوعات.

 يكتب آينشتاين عن التعاطف مع الآخرين

ما أغربَ أن نكون من البشر! كل واحد منّا هنا في زيارة قصيرة، لغرض لا يعرفه، على الرغم من أنه يعتقد أحيانًا أنه يشعر به. ولكن من دون تفكير عميق، يدرك المرء من الحياة اليومية أنّه موجود من أجل أشخاص آخرين، من أجل أولئك الذين تعتمد سعادتنا على ابتساماتهم ورفاهيتهم، ثمّ من أجل الكثيرين، الذين لا نعرفهم، الذين تربطنا بهم أواصر التعاطف.

أُذكّر نفسي مئة مرة كل يوم بأنَّ حياتي الباطنة  والظاهرة تقوم على أعمال آخرين غيري، الأحياء منهم والأموات، وأنّه لا بُدّ لي من بذل الجهد من أجل منح الآخرين ما حصلت عليه ومازلت أحصل عليه حتى الآن.

“وعن الرأي العام، أو ما يسميه بول جراهام “الهيبة

يصبح الإنسان على وعي تام، ولكن دون ندم، بحدود التفاهم المتبادل والانسجام مع الآخرين. لا شكّ أنَّ مثل هذا الشخص يفقد بعض براءته وراحة باله، لكن من ناحية أخرى، هو مستقل إلى حد كبير في الآراء، والعادات، والأحكام الصادرة عن رفاقه، مبتعدًا عن إغراء بناء توازنه الداخلي استنادًا إلى مثل هذه الأسس غير المستقرة.

وعن الترابط والتكافل والوجود المشترك

gettyimages-93434202

عندما نستعرض حيواتنا ومساعينا سرعان ما نلاحظ أنَّ جميع تصرفاتنا ورغباتنا مرتبطة بوجود غيرنا من البشر. نرى أنَّ طبيعتنا كلها تشبه تلك الحيوانات الاجتماعية. نحن نأكل الطعام الذي زرعه آخرون، ونرتدي الملابس التي صنعها غيرنا، ونعيش في بيوت بناها سِوانا. إنَّ الجزء الأكبر من معرفتنا ومعتقداتنا مرتبط بأشخاص آخرين عن طريق لغة أبدعها آخرون. في الواقع من دون لغة ستصبح قدراتنا العقلية ضعيفة، مقارنة بقدرات الحيوانات العليا. لذلك، يجب علينا أن نعترف بأنّنا مدينون بأفضليتنا الرئيسية على الوحوش إلى حقيقة أننا نعيش في مجتمع بشري.

إنَّ الإنسان، إذا تُرك وحيدًا منذ لحظة الولادة سيتحول إلى وحش بدائي في أفكاره ومشاعره إلى درجة لا يمكن تصوّرها. الإنسان نتاج ظروفه، والأهمية التي يحظى بها لا تعود إلى فضيلة فرديته، بل إلى أنه عضو في مجتمع بشري كبير يوجّه وجوده المادي والروحي من المهد إلى اللحد.

وعن الخير والشر والشجاعة الخلّاقة، وقيمة الإنسان

“قيمة الإنسان في المجتمع تعتمد في المقام الأول على مدى توجّه مشاعره، وأفكاره، وسلوكياته نحو نشر الخير الكامن في رفاقه. نحن نصف الإنسان بأنه صالح أو شرير وفقًا لموقفه في هذه المسألة. للوهلة الأولى، يبدو كما لو أنَّ تقديراتنا لشخص ما تعتمد كليًا على صفاته الاجتماعية.

ولكنَّ هذا الاتجاه خاطئ تمامًا. ومن الواضح أن كل الأشياء الثمينة، المادية، والروحية، والأخلاقية، التي نتلقاها من المجتمع يمكن إرجاعها عبر أجيال عديدة إلى بعض المبدعين. فاستخدام النار، وزراعة النباتات الصالحة للأكل، والمحرك البخاري، كلها أمور اكتشفها الإنسان.

وحده الإنسان يمكنه التفكير، وخلق قيم جديدة للمجتمع، بل وضع معايير أخلاقية جديدة تتفق معها حياة المجتمع. ومن دون التفكير الإبداعي المستقل والحكم على الأشخاص، فإنَّ التنمية التصاعدية للمجتمع تبدو مستحيلة تمامًا مثل تطور شخصية الفرد بدون تربة مغذية للمجتمع.

ويعتمد ازدهار المجتمع إلى حد كبير على استقلال الأفراد وعلى التماسك الاجتماعي الوثيق بينهم”.

وعن المُثل العليا في الحياة

BIO_Bio-Shorts_Albert-Einstein-Mini-Biography_0_181268_SF_HD_768x432-16x9.jpg

“كل شخص لديه بعض المُثل العليا التي تحدّد اتجاه مساعيه وأحكامه. وفي هذا السياق، لم أنظر إلى الراحة والسعادة كغايات في حد ذاتها، فهذا أساس أخلاقي مناسب أكثر لقطيع من الخنازير. لقد كانت المُثل العليا التي أضاءت لي طريقي ومنحتني الشجاعة لمواجهة الحياة بمرح هي الحقيقة، والخير، والجمال. وبدون شعور  الزمالة والإخاء مع أناس يشاركونني نفس الأفكار، وتشغلهم نفس الأهداف، وهو الأمر المتعذر تحقيقه أبديًا في مجال الفن والبحث العلمي، تبدو الحياة فارغة بالنسبة لي”.

طوال الأسبوع الماضي، كنتُ مفتونتًا بالردود التي وصلت إليَّ على مقالة Curator’s Code، وهو مشروع لا تكمن في قلبه الرغبة في مكافأة الأنا، كما أشارت بعض التفسيرات المشوّهة، ولكن الرغبة في استحضار سخاء الروح والاعتراف بأنَّ كلًّا منّا يعتمد على أعمال الآخرين ورؤيتهم الشعرية. وكانت هناك بعض ردود الأفعال الداعمة، وبعض المآخذ المتوازنة، وبعض ردود الفعل القاسية، والفجّة، والشريرة كذلك. (معالجة الأخطاء الفعلية لهؤلاء هي مسألة أخرى، ليست موضوع هذا المقال، ولكن هناك بعض المناقشات هنا).

جمعتني محادثة حول هذا الموضوع برفيقتي تينا، ملكة جمال سويسرا، وكلانا أعرب عن أسفه إزاء خيبة الأمل العميقة في جزء من مجتمع التصميم، الذين لم يختاروا إساءة تفسير الآثار العملية فحسب، بل إنَّ الأكثر أهمية ومأساوية، الإساءة لروح المشروع، والرد على مفاهيمهم الخاطئة بسخرية سامة ووضيعة بدلًا من ردود أفعال إيجابية.

أرفض أن أعيش حياتي مع الاعتقاد بأن القدرة على القسوة والوحشية تتجاوز عطف قلب الإنسان، فالسماح لهذا السلوك البغيض، الذي أحرص على عدم ممارسته، هو أمر مفجع بقدر ما هو ضار لروح مجتمع موهوب ورصين يحترم رغبات الآخرين.

لقد قالها أوستن كليون بشكل رائع: كن لطيفًا، فالعالم بلدة صغيرة.

وهناك طريقة للنقد بذكاء واحترام، دون إضعاف قيمة اختلافك ووجاهته، وهذه الطريقة تتلخص في الخُلُق.

لقد ذكّرتني صديقتي العزيزة شارون بحكمة في الأسبوع الماضي، ونشرت تغريدة قالت فيها:

هناك أشخاص يهدمون حياتنا وآخرون يبنون كل يوم فيها صروحًا جديدة. فقط تذكّروا الجانب الذي تنتمون إليه.

المصدر: The Atlantic

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.