لماذا نتضايق من المجاهرة بالإفطار في نهار رمضان؟

ramadan-food

شيخة البهاويد - الكويت

تحكم الأغلبية المسلمة الوطن العربي، ورغم وجود أقليات غير مسلمة فإن القوانين في الغالب تصاغ بحسب العادات الإسلامية وما تقننه الأغلبية.

في عدة دول عربية هناك قانون يمنع المجاهرة بالإفطار في نهار رمضان, وبعض هذه القوانين خصت المسلمين وحدهم مثل المغرب وعمان، وبعضها الآخر يتركها مفتوحة فتشمل جميع الذين على أرض الدولة مثل الكويت والسعودية وقطر والأردن، ويعاقب المجاهر إما بالحبس أو الغرامة أو الجلد والإبعاد كما في المملكة السعودية، مما يضعنا أمام سؤال لماذا يتضايق المسلمون إلى هذه الدرجة من المجاهرة بالإفطار في نهار رمضان؟

اعتداء على الشريعة وعدم احترام  الأغلبية

يتحدث المؤيدون لهذا القانون بأن المجاهرة في الإفطار تخدش صيام الصائم وفيها ما يزيد عليه حمل الصوم وتعبه، كما أن الصبغة الإسلامية للدول تحتم على المرء إن كان مسلماً أن لا يجاهر بمعصيته، وإن لم يكن مسلماً أن يحترم الأغلبية، التي تشكل الآداب العامة للدولة التي يجب المحافظة عليها.

وصرح عضو هيئة كبار العلماء المصرية الدكتور علي جمعة بأن المجاهرة خلل في السلوك ونزع للحياء، إضافة إلى ما أعلنته مجموعة من الأزهريين وما أفتت به دار الإفتاء المصرية حول عبث المجاهر بشعيرة مهمة من الدين، وأنه بمجاهرته يخل بالنظام العام ويعتدي على قدسية الإسلام كما يرون.

وأعلنت شرطة إمارة دبي وهي الإمارة السياحية التي يكثر فيها السياح الأجانب بأن احترام الشعائر وعدم تناول الأطعمة والتدخين في الأماكن العامة هو حفاظ على مشاعر المسلمين.

حجة خدش الصيام

ramadan food

ومن وجهة نظر أخرى، يطالب الرافضون لمثل هذه القوانين باحترام حق الأقليات في ممارسة حياتهم الطبيعية، خاصة أنها لا تؤثر على صيام المسلمين، فادعاء خدش الصيام لا صحة له ولا أرض صلبة مع وجود هذا الكم الإعلاني الكبير في كل الأماكن العامة حول المنتجات الغذائية ومتابعة المسلسلات التي تعتبر تقليداً في هذا الشهر والتي تمتلئ بمشاهد تناول الأطعمة، فكيف تختلف مجاهرة الفرد بإفطاره عن هذا كله؟ ولماذا من شأن شخص مجاهر أن يجرح صيام مسلم وليس من شأن الإعلانات والأعمال الفنية أو تناول الأطفال لأطعمتهم أن تفعل؟ ولماذا لا يتضايق المسلمون في الدول الغربية من المجاهرة بالإفطار؟ وكيف لا يخدش صيام المسلم الغربي أو العربي المهاجر في تلك الدول في حين من السهل أن يخدش في الدول العربية؟ وهل إيمان المسلم بشعيرة الصيام رقيق إلى هذه الدرجة وقابل للخدش؟

 أوليست الغاية من الصوم جهاد النفس والتحمل؟ وتعويد الذات على كبح جماح رغباتها؟ أوليس الهدف هو حفظ النفس وصون الجوارح وأن يكون رمضان فرصة للتدريب على ذلك؟ لقد استبدل المسلمون بقوانين كهذه مسألة “تطويع النفس” بتطويع المحيط بهم لئلا تزوغ أنفسهم، وعلى هذا فما الحكمة من الصيام إذاً؟ أهو مجرد جوع وعطش؟

إننا نرى أن مسألة منع المجاهرة لا تمت لمشاعر المسلمين بصلة، بل هي قشرة ناعمة لحقيقة الرغبة في السطوة وإثبات القوة وفرض السلطة من الجماعات الإسلامية, إنها غايات سياسية تلعب بفكر المجتمع، وهذا نلاحظه من غياب مثل هذه القوانين في الفترات التي لم تكن فيها الجماعات الإسلامية تسود الساحات.

دولة للجميع مسلمين وغير مسلمين

إن  الدولة يجب أن تراعي جميع أطياف المجتمع فيها، ولذلك فإن حرية الفرد غير المسلم لا تقل أبداً عن حرية الفرد المسلم، إلا أننا في الوطن العربي نعاني صراع هوية في دولنا بين مدنية الدولة وتدينها، أي أن هناك بناء مدنياً في أغلب دولنا إلا أن الأعراف الدينية تحكمه، وذلك يخلق تناقضاً مشوهاً في النظام القانوني فيها.

من جهة أخرى، فإن دول الخليج، وهي الأكثر تشدداً في الأمور الدينية وذات الأغلبية الساحقة من المسلمين، يكون فيها معظم غير المسلمين من غير مواطنيها، ولهذا فإن الدول هنا تتوحش أكثر في حق من لا يلتزم بهذا القانون.

ويثير عدم تقبل التنوع الديني فيها مخاوف الكثير من المواطنين الذين لهم معتقدات مختلفة عن الأغلبية المسلمة، خاصة مع تصاعد موجة اللادينية والإلحاد بين شباب هذه المجتمعات، فإن الصيام يكشف أزمة عدم تقبل الآخر بشكل جلي بحيث يضطر هؤلاء الشباب للتخفي وتناول الأطعمة سراً في عملية إخفاء كاملة لمعتقداتهم، كما أن المواطنين من غير المسلمين يهدر حقهم أيضاً ويُجبَرون على اتباع قواعد دينية لا يؤمنون بها!

وتتشكل المشكلة الكبرى في ارتفاع درجة الحرارة بشكل شديد وقاسٍ في هذه المنطقة، خاصة أن رمضان في الأعوام الماضية والمقبلة يقع في فصل الصيف ويعمل كثير من غير المسلمين تحت حرارة الشمس ليكنسوا شوارعنا ويشيدوا بناياتنا.

ربما يجب على جمعيات المجتمع المدني التي تؤمن بالتعددية الدينية وحرية العقيدة أن تتكاتف في سبيل تغيير مثل هذه القوانين وثقافة المجتمعات القائمة على ديكتاتورية الأغلبية وعدم قبول الآخر.

religious diversity