الصوم وأركان الإسلام: هل وجدت العبادات الإسلامية في ديانات سابقة؟


 سحر الهاشمي - الكويت

قد نُدهَش إذا ما علمنا أن العبادات التي اعتاد أن يؤديها عامة المسلمين يومياً كالصلاة والتسبيح، أو سنوياً كالصوم، أو مرة في العمر أو أكثر حسب الاستطاعة كالحج، كانت في الأصل ممارسات حاضرة على مر الزمان والعصور، إمّا في الحضارات القديمة، وإما في الشرائع السماوية أو الوضعية، فالإنسان القديم عرف العبادات وحرص على إقامة الشعائر والطقوس في الأرض إرضاءً للذات الإلهية وتحقيقاً لرضا الروح الإنسانية.

ولكن هل هناك أصول للعبادات التي سبقت ظهور الإسلام؟

وهل هناك ممارسات فعلية قامت بها الأمم السابقة لأركان الإسلام الخمسة المتعارف عليها؟

بحثنا في هذا الموضوع وتحديداً في الأركان الخمسة التي قام عليها الدين الإسلامي، ووجدنا أمثلة ونماذج حقيقية من التاريخ لممارسة الإنسان القديم تلك الأركان بل وتكرارها عبر مختلف الأمكنة والأحقاب:

التوحيد والشهادتان

التوحيد لغوياً هو من الاتحاد أو الوحدة، وقد شهدت مصر القديمة أول ظهور للتوحيد قبل 4000 سنة أثناء إقامة بني إسرائيل على أرضها، في فترة حكم الفرعون “أمنحوتب الرابع”، الذي استبدل نظام الآلهة المتعددة  المتعارف عليه آنذاك وفرض نظام عبادة الإله الجديد “آتون” على الشعب قسراً حتى إنه غيّر اسمه من “أمنحوتب الرابع” إلى “أخناتون”، الذي يعني حرفياً “باسم آتون الأعلى”.

 religions2.png

وعرفت الزرادشتية التي ظهرت في بلاد فارس قبل ٣٥٠٠ سنة، التوحيد أيضاً، فعبر عنها الفيلسوف زرادشت بشرح رؤيته أن الإله “اهورا مازدا” كلف البشرية بالاختيار بينه وبين روح الشر. ويؤمن الزرادشتيون بأن الإنسان يعيش في صراع طوال عمره كله يحتم عليه الاختيار بين قوى الإله الواحد (اهورا مازدا)  وبين روح الشر “اورا ماينو”.

 أما قبل الإسلام، فاتفقت الشريعتان السماويتان (اليهودية والمسيحية) على مبدأ أن الله هو صاحب القوة العظمى في الوجود وخالق كل شيء وهو المُمجّد في الشرائع الثلاث.

ووفقاً لنصوص التوراة والتلمود، فإن أتباع اليهودية يؤمنون بوجود رب واحد خالق مستحق للعبادة والصلوات، وفي سفر التثنية تجد دليلاً توراتياً على التوحيد في الآية: “اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد” (التثنية 6:4)

وكذلك في المسيحية، فهي الوصية الأولى من الوصايا العشر المذكورة في الإنجيل.

الصلاة

في اللغة هي الدعاء والمناجاة، وتعرّف معظم الأديان الصلاة على أنها محادثة مباشرة يجريها الإنسان مع ربه لأسباب عديدة كطلب الشفاعة أو بغرض الشكر أو التضرع أو لطلب أمر معين يرجوه من الرب، وقد يشترك أكثر من شخص في الصلاة في نفس الوقت وحينئذ تصبح صلاة “جماعية”.

يُذكر أن أول صلاة معروفة منذ بدء الخليقة إلى الآن، تمت عندما جاء الأمر الإلهي للملائكة بالسجود لآدم في الأرض، فكان في ذلك إشارة لإحياء هذه العبادة عن طريق الرسالات السماوية فيما بعد.

وكان قدماء المصريون أول من أنشأ دور العبادة وأقاموا المعابد في مصر لاعتقادهم بأنها منازل للآلهة التي عبدوها وصلوا لها، فبنوها من صخور قوية حوت كتابات هيروغليفية تصور الفرعون وهو يحارب العدو ويقوم بالطقوس لاستجداء الآلهة.

 وأخذت الصلاة أشكالاً مختلفة عبر التاريخ، ففي الوثنية مثلاً التي سادت شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، كانت صلاة أهل قريش هي دوران حول الكعبة يتخلله تصفيق وصفير. أما عند الهندوس، فتؤدى الصلاة على شكل (مانترا) أي تكرار لعبارات تمجد الآلهة ثلاث مرات في اليوم. وعند الشنتوية اليابانية تقام الصلوات على شكل مجموعة طقوس من ضمنها رقصة مقدسة لـ”كامي” أو الإله.

ويعدّ الصابئة المندائيون (وهم أتباع نبي الله يحيى عليه السلام، الذين ظهروا في العراق القديمة، ولايزال هناك بعض الصابئة في الوقت الحاضر) الصلاةَ ركناً أساسياً من أركان الدين كما فعل الإسلام، ويجب على المندائي الصلاة ثلاث مرات في اليوم (فجراً وظهراً وعصراً) بعد أن يقوم بفريضة الوضوء (رشاما) مولياً وجهه جهة الشمال حيث عالم النور، مردداً الكلام واقفاً باللغة المندائية مع السجود عند ذكر كلمة السجود، وتصاحب الصلاة المندائي المكلف من سن التكليف الديني حتى الوفاة.

religions3.png

الصيام

عُرف عن الصيام أنه أكثر عبادة تسعى لتهذيب النفس وتطهير الروح عبر امتناع الجسد عن مقاربة متع الحياة الضرورية كالأكل والشرب والجماع، والابتعاد عن كل ما قد يسيء للغير من قول أو فعل خلال الفترة زمنية المحددة في ذلك المعتقد، لذا فهو تقريباً موجود في أغلب الديانات القديمة التي  سبقت الإسلام.

ظهور الصيام كعبادة يعد من أقدم التشريعات في الديانة اليهودية، التي أولته اهتماماً كبيراً في التاريخ القديم، ويندرج تحته ثلاثة أنواع:

– صيام الفرض في أيام المناسبات المهمة مثل يوم كوبور (يوم الغفران)، والصيام الموسوي (صيام الأربعين يوماً) تأثراً بالأيام التي قضاها النبي موسى أثناء تلقيه الوحي بوادي طوى.

– صيام لأسباب شخصية، كصيام الفرد للتكفير عن خطيئة أو ذنب مُرتكب أو صيام لأسباب تتعلق بأزمات تاريخية حصلت لليهود على مر الزمان مثل صيام يوم هدم الهيكل.

– صيام تطوعي، كصيام يومي الاثنين والخميس (الأيام التي تقرأ فيها التوراة بالمعبد).

وكذلك يقوم اليهود بنوع آخر من الصيام وهو صيام الصمت، إذ يستغرق اليهودي بالصمت التام للتقرب إلى الله نادماً على بذيء الكلام وفحش القول. أما الصوم في المسيحية فيختلف لأنه مستحب أكثر من أنه فرض، ويكون صوماً عن المنتجات الحيوانية فقط (اللحوم والألبان ومشتقاتها) مع السماح للصائم بالطعام والشراب، وتختلف مناسبات الصيام المخصصة وأيامه من مذهب مسيحي لآخر.

وشددت الهندوسية التي سبقت الشرائع السماوية على أهمية الصيام واعتبرته وسيلة لمعاقبة النفس وتطهيرها من الآثام والتخفف من الذنوب، فخصصت بعض أيام الأسبوع له، ويرمز كل يوم لإله معين يجب الصوم فيه طلباً لرضا تلك الآلهة عن الفرد.

 religions4

أما في البهائية التي ظهرت بإيران في أواسط القرن التاسع عشر، فيخصص 19 يوماً في السنة للصيام من 2 إلى 20 مارس ويسمى  شهر العلا، وهو الشهر الذي يسبق السنة البهائية الجديدة المكونة من 19 شهراً، كما أن تكرار الرقم 19 ناجم عن أنه مقدس في الديانة البهائية.

الزكاة

مبدأ الصدقة أو العطاء المالي للفقراء والمحتاجين وُجد في جميع الشرائع السماوية، وهو أمر محبذ لدى الرب لأنه قائم على مبدأ إحقاق عدالة الأرض بين الناس، ويكون في أخذ جزء من مال الغني وإعطائه للفقير وذي الحاجة.

وانتشر مفهوم الرحمة عند الغني تجاه الفقير في الحضارة البابلية القديمة عندما أقر ملوك بابل عقوبات للأقوياء الذين يضرون الضعفاء، وتجلت الفكرة بشكل أكبر في ملحمة جلجامش التي أبرزت من خلال المقاطع الشعرية الشهيرة خصال الكرم والتضحية بالنفس وأهميتها لنهضة الحضارة ورفعتها.

وفي الحضارة الرومانية، كان الدافع الأكبر للشخص الكريم الذي يدفع من حر ماله لإقامة الولائم أو الألعاب البهلوانية هو القيمة الاجتماعية التي يتلقاها نظير عطاءاته وعدّه من كرماء القوم، مما حث المقتدرين على التصدق للفقراء بشكل وافر في تلك الحقبة.

واختلف معنى العطاء المالي في الديانة اليهودية عن الحضارات التي سبقتها وغدت واجبة وسميت (صدقة) “Tzedakah“، فالتصدق على المحتاج عُدَّ عدالةً وإنصافاً أكثر من أنه عمل اختياري ينم عن كرم الشخص وإحسانه، وخُصّص عُشر دخل الفرد للفقراء أو دور العبادة.

religions5

وعُدّت الصدقة جزءاً رئيسياً من الثقافة الهندية منذ القدم، فحرص الملوك والنبلاء على تنظيم احتفالات الولائم الجماعية وتوزيع الحبوب والشعير على الفقراء وتسمى الصدقة (دانا)، أما في الوقت الحاضر فتشترك كل من الهندوسية والبوذية والسيخية في التشديد على إحياء نفس العبادة خاصة في المناسبات الخاصة مثل الزواج، والجنائز وغيرها، فيتصدق الشخص المقتدر عبر إعطاء الكاهن المال أو الغذاء أو الذهب.

الحج

هو الرحلة التي يقوم بها الحاج من مسكنه الأصلي إلى مكان ديني مقدس لأهميته وقيمته المعنوية لديه، وغالباً ما يحتوي المكان على معبد أو صرح ديني مقدس.

وشهد التاريخ القديم مئات المعابد والأماكن المقدسة التي كانت مزاراً للحجاج القدامى، وتعد الآثار الباقية أكبر دليل على ذلك.

ومن أشهر تلك الآثار، معبد رمسيس الثاني بمنطقة وادي أوزيريس بأبيدوس المصرية التي كانت محجاً لأتقياء المصريين القدماء، فكان يسعى كل واحد منهم أن يدفن في أبيدوس ليجاور ضريح أوزيريس رب الحياة الثانية.

وكان العرب قبل الإسلام يفدون إلى مكة لأداء الحج من جميع أرجاء الجزيرة العربية مدة ثلاثة أشهر -وكانت أشهراً حرماً- في السنة للطواف حول الكعبة سبعة أشواط مرتدين المآزر أو عراة مع تقبيل الحجر الأسود الذي كان مقدساً لدى الحجاج. وكان الحج قبل ظهور الإسلام مناسبة دينية وثقافية واجتماعية واقتصادية يلتقي فيها العرب للعبادة والمتاجرة والتعارف.

ويتوجه ملايين المسيحيين للحج إلى مواقع مقدسة عديدة حسب كل طائفة، فمثلاً يحج الكاثوليك باستمرار على مدار العام إلى كنيسة القديس بطرس في مدينة الفاتيكان بروما.

 religions6

وفي وقتنا الحاضر مازالت حاجة الإنسان الحديث لإقامة نفس الشعائر والعبادات موجودة كما كانت لدى أسلافه، وإن اختلفت الطريقة والأسلوب حسب ماهية المعتقدات والديانات، ولكنها تسعى إلى نفس الغرض الذي سعى إليه الإسلام منذ ظهوره حتى الآن.