الزواج في مصر: الحلال لمن دفع

 الزواج في مصر: الحلال لمن دفع

محمود جمعة - القاهرة

تحول الزواج إلى حلم مستحيل ينتظر شباب مصر بعد إنهائهم مرحلة تعليم تتجاوز 15 عامًا ولا ترتبط بصلة إلى الواقع المرير الذي سيواجهونه، ومن ثم وحدهم المدعومون من الأهل يمكنهم تحقيق الحلم بزواج يتم عادة عبر الصالونات.

لا يهتم المدعوون إلى حفلات الزفاف في مصر كثيرًا بالإيجابيات، ولا بالمعاناة التي خاضها العروسان – وخاصة العريس – حتى يمكنهما الجلوس في “الكوشة” تحدق بهما نظرات المدعوين باحثة دومًا عن أدق التفاصيل لتنتقد ما بها من سلبيات، على الأقل من وجهة نظرهم، كأن يكون “جاتوة” الفرح ليس من محل شهير، أو أن يقتصر الزفاف على المشروبات والجاتوهات دون عشاء، وعادة ما تصل الإنتقادات إلى السمات الشخصية للعروسين من حيث الطول وسمنة أو النحافة أو ما يرتديانه، وحتى أنف العروس ومكياجها السائل!

دخول الدنيا عبر زواج الصالونات

maxresdefault

في مزاج يبعث على الموت، يتمنى أغلب الشباب المصري أن “يدخل دنيا”، وهو تعبير يستخدمونه كناية عن عش الزوجية، لكن كيف ومتى وأين؟ تلك مشكلتهم الكبرى وسط هالة عظيمة من عدم الوعي تكونت وتربعت على عرش العادات والتقاليد بلا منازع.

أنواع الزيجات في مصر قليلة جدًا في إطار ثقافة المجتمع، والزواج التقليدي هو النوع الأكثر انتشارًا في أغلب المحافظات تحت مسمى “زواج الصالونات”، وعادة ما يكون ظالمًا للطرفين، لأنه لا يسمح بأي معرفة متعمقة حول شخصياتهم وطباعهم المختلفة وطموحهم، وكأنها عملية بيع وشراء.. لتصبح المشاركة المعنوية والروحية في الزواج معان بلا قيمة.

ويتم زواج الصالونات بناء على ترشيح من خلال الأقارب أو الأصدقاء، ومن ثم يذهب الشاب لخطبة العروس المُرشحة له، يجلس معها مرة أو اثنتان في منزلها.. ثم يُعلنان القبول أو الرفض، وفور الموافقة يتحدث الأهل في التفاصيل والطلبات.. لكن دعنا نتوقف هنا قليلًا، فأي خبرة حياتية تلك التي ستجعلك تفهم شخصًا ما في جلستين فقط؟! أم أن الأمر برمته لا يخرج عن نطاق المقايضة؟ حيث يرى الشاب جمالها ومفاتنها وترى هي وظيفته وشقته ومكانته الاجتماعية.. لتتحول الخطوة الأهم في حياة كل شاب وفتاة إلى قرار عابر وسطحي لا تحكمه أية معايير.

كم ستدفع لتأخذ ابنتنا؟

marriage-ceremony

يزيد الأمر سطحية نظرة الأهل من وجهة مادية بحتة.. وكأنهم يقولون كم ستدفع لتأخذ ابنتنا؟

لم يعتد غالبية المصريون السؤال عن الدين أو الخلق الكريم في مثل هذه الأمور، ربما لأننا وكما يقول الجميع “شعب متدين بطبعه”، فهذا المبرر الوحيد لأي خطًا نفعله، بينما كل تصرفاتنا وأفعالنا تؤكد عكس هذه المقولة.. ويبقى السؤال الأول والأهم في الموافقة على الزواج هو كم ستدفع؟

الظروف الاقتصادية المريرة التي يعاني منها المصريون جعلت الأهل لا يبالون بالمعنى الحقيقي للزواج من سكن ومودة ورحمة، فكل ما يهم الأب والأم الآن أن تعيش ابنتهما حياة كريمة مثل حياتها في منزل والديها وأفضل، وبحيث لا تكون أقل مكانة من قريبتها الفلانية، ولا جارتها العلانية.. فلا يوافقون على عريس لديه شقة بالإيجار، أو يعمل بشكل حر، ويتعاملون بتعالٍ كبير مع من يتقدم لخطبة ابنتهم ويطلبون مهرًا يقصم ظهر أي شاب ميسور، فما بالنا بشاب عاطل أفنى عمره في التعليم بلا طائل.

أصبح كثير من الأهل، بما فيهم من يصدعون رؤوس غيرهم بضرورة التيسير على الشباب في أمور زواجهم، لا يريدون مساعدة من يبدأ طريقه ويحتاج لشريكة تدفعه للأمام وتشجعه على استكمال بقية أحلامهما، يتقاسمان الهموم والإنجازات معًا، يتقدمان خطوة ويتعثران في أخرى ثم ينتقلان من سكن إلى آخر، ويعرفان معنى الحياة.

وهكذا تحول العرف الأول لدى أهل العروس أن يكون لدى المتقدم لابنتهم وظيفة وشقة تمليك ومن ثم يفكر في الارتباط.. الفكرة لا تتغير حتى بتغير أنواع الزيجات سواء كان زواج أقارب أو عن علاقة حب دامت لفترة أو حتى زواج مصلحة، الكل يتبع نفس الطريقة في الإستعداد للفرح وتجهيز مسكن يصلح للخلود.

تعليم فاشل وعنوسة وراء كل باب

417-238(1608)

وهنا يثور السؤال بإلحاح: كيف لشاب قضى أكثر من خمسة عشر عامًا في تعليم عقيم لا يؤهله لسوق العمل إطلاقًا.. أن يُنهي دراسته ثم يعمل مباشرة ويشتري شقة في غضون سنوات قليلة ويدفع مهرًا خرافيًا ويأتي بكل هذه الشروط المجحفة والظالمة بالنسبة للوضع الحالي الذي نعيشه في ظل أزمات اقتصادية متلاحقة تحاصر مصر في جميع القطاعات، وهل من السهل توفير قدر كافي من المال للزواج بهذه الطريقة المتدنية التي تتبع أسلوب من يُنفق أكثر هو الأفضل.. كيف يحدث ذلك والبطالة تجتاح المقاهي وأحجار الشيشة؟

على الجانب الأخر ومع تعنت الأهل في التنازل عن بعض الشروط، يحدث عزوف من بعض الشباب عن الزواج حتى يمكنه تلبية إحتياجات الأهل والعروس، لنجد بعد ذلك فتيات كثيرات يكبرن في العمر وهن في أمس الحاجة إلى شريك، وتزداد المشكلة وتتفاقم مع تنامي ظاهرة العنوسة للشباب والفتيات حتى باتت تسكن وراء كل باب في مصر.

انعكاسات أخلاقية ومظاهر كاذبة

206614

مشاعر مفقودة تبحث عن التنفيس من خلال الهواتف الذكية أو شاشات الحواسب، وقد تتجاوز ذلك بالبحث عن فريسة في الشارع بالنظر أو الهمس وربما التحسس والفعل!

 ويظل تجاهل مشكلة الزواج في مصر هو العامل الرئيسي الذي يخلق منا مجتمع مشوه وغير سوي تشوبه العلاقات غير الكاملة والتحرش والاغتصاب.. ولابد أن نعي تمامًا أن التكنولوجيا لها عظيم الأثر في خلق إزداوجية كبيرة في المعايير تجاه أفكار الشباب نحو الزواج والحب والحياة عمومًا، وللأسف لا دور للأسرة أو المؤسسة التعليمية أو الدينية وكالعادة لا دور للدولة.

يختلف الأمر بين الريف والحضر قليلًا، في الريف يسعى الأب دائمًا أن يساعد ابنه أو يبني له منزل مستقل أو طابق أخر فوق منزله لتختفي معاناته من أزمة السكن، لكن في الحضر ونتيجة لإزدحام المدينة الشديد يعيش الأهل في شقة واحدة، ومتطلباتهم الحياتية قد لا تجعلهم يدخرون شيئًا من أجل الأبناء، وحين يأتي زواج الأبناء تواجهم مشكلة البحث عن شقة جديدة ليتزوج بها.

ويتكون جهاز الشقة من أشياء كثيرة تبعد كل البعد عن وضعها في دائرة الأولويات، وتكون الحاجة إلى إبهار الناس والأقارب هي الدافع الحقيقي والوحيد وراء شرائها، وليكن مثلنا الأعظم في هذه الحالة هو “النيش”، وهو دولاب لحفظ الأواني والأطباق والأكواب التي لا تستخدم إلا في حال وجود ضيوف vip، قس على ذلك أجهزة وأشياء عديدة تأتي فقط لأن بنت الجيران أو بنت العم أحضرتها.. وأحيانًا بعض الشباب إن لم يكن الأغلب يصاب بهذا المرض الخطير، ويفعل ما يفعله لأن الناس تفعله.

دعني أحكي لك شيئًا واقعيًا رأته عيني، في الفترة الأخيرة وفي شهر حافل مليء بمناسبات الأصدقاء السعيدة، حيث إعداد الليلة الكبيرة والإتفاقات النهائية في العُرس وتجهيز شقق الأعراس المختلفة التي مررت عليها تلبية لطلب أصدقائي، وجدت بالصدفة انها تُشبه بعضها بشكل مُثير للتساؤل.

مثلا زخارف الأسقف المزودة بكثير من الإضاءة الملونة لتجعل من مسكن الزوجية إن جاز التعبير “كبارية” ذلك الإفيه الذى تمنيت أن أقوله لأحدهم لكنني رفضت أن اجرحه.. كذلك إصرار العرائس على أن يؤسس العريس غُرفة الأطفال بما فيها من أثاث كامل وبالطبع لا تخلو من بعض الرسوم الكرتونية وذلك من قبل حتى أن يتم الزفاف، وبالطبع قد تمضي سنوات عديدة حتى يستخدمها الأطفال إن قُدِّر لهم أن يروا الحياة!

أضف إلى ذلك كثير من الكماليات التي تستنزف آلاف الجنيهات كالستائر ذات الجودة العالية وحوامل التلفاز المعلقة في الصالة وغرف النوم، ونظام الصوت والسماعات الصغيرة الموضوعة في كل جوانب الحوائط.. الخ، الخ من الديكورات الكثيرة المبتذلة.

ماذا لو تعاملنا مع الحياة ببساطة؟

akn41056

اسأل نفسي دائمًا، لماذا أصبحت حياتنا بهذا التعقيد؟ لماذا نُجهز شقة صغيرة وكأنها قبر سنُخلد فيه؟!

العجيب في الأمر أن معظم من حضرت أعراسهم في الفترة الأخيرة كانوا بلا عمل، ويعتمدون بشكل شبه كلي على مساعدة والديهم، لو نظرت للأمر بالمنطق وبشكل عملي لوجدت أن ما يُنفقه على شقته من الممكن أن يُنشىء له مشروعًا خاصًا صغيرًا يستطيع أن ينفق منه على أسرته ويتجنب خلافات وإكتئاب ما بعد الزواج.. لماذا نعتبر الزواج هو الإنجاز الوحيد في الحياة؟ ماذا لو سكن في شقة بسيطة، في غرفة بسيطة، ماذا لو كانت الحياة أبسط من ذلك؟

في قريتنا الكبيرة التي ما زالت تحتفظ بطبعها الريفي يتناسى الناس معنى المشاركة الزوجية، يتناسوا سبب الزواج من الأساس، كل ما في الأمر ان الزواج بالنسبة لهم خطوة مهمة جدًا لهم كي يعرف الناس ماذا لديهم وماذا يمتلكون، فهل أصبحنا نعبد الناس أكثر من عبادتنا لرب الناس؟.

النبذة: يظل تجاهل مشكلة الزواج في مصر هو العامل الرئيسي الذي يخلق منا مجتمع مشوه وغير سوي تشوبه العلاقات غير الكاملة والتحرش والاغتصاب.. ولابد أن نعي تمامًا أن التكنولوجيا لها عظيم الأثر في خلق إزداوجية كبيرة في المعايير تجاه أفكار الشباب نحو الزواج والحب والحياة عمومًا