قصة مدينة: كيف وضعت الإسكندرية أسس العالم الحديث؟

2990

يكمن سرّ مدينة الإسكندرية، إن صدقت سرديات المؤرخين، في صندوقٍ ذهبي مرصّع بالجواهر وصغير لدرجة أنّه من الممكن حمله باليد. وعُثر على هذا الصندوق، الذي يعتبر غنيمة حرب، في قصر الملك الفارسي داريوس الثالث قبل أكثر من 2300 سنة، بعد هزيمته على يد الإسكندر الأكبر، الذي وضع أثمن ممتلكات أعمال هوميروس، داخل هذا الصندوق.

حلم الإسكندرية

وبعد فترةٍ وجيزة من فتح مصر، حلُمَ الإسكندر الأكبر أنَّ هوميروس زاره وقرأ عليه سطورًا من ملحمة أوديسة. وفي تلك السطور ذُكِرت جزيرة فاروس المصرية التي تقع على البحر الأبيض المتوسط. وفي الصباح التالي توجه الإسكندر الأكبر إلى تلك الجزيرة، ووقف على صخورها ممسكًا بالصندوق الذهبي، ونظر إلى تلك الرقعة الساحلية المنسيّة، وبعد صمتٍ طويل هزّ رأسه. من على تلك الشواطئ ستولد أبرز مدينة في العالم القديم.

اليوم، تقع مدينة الإسكندرية الأصلية تحت نتاج ألفي سنة من التطور الحضري، ووصلت أجزاء معابدها ومبانيها الأثرية إلى القاهرة، ولندن ونيويورك، أمّا ما تبقى منها فدمّرته الزلازل والغزوات، أو غمرته مياه البحر المتوسط. ولفهم تاريخ الإسكندرية القديمة، كان لزامًا على علماء الآثار دراسة مدينة الإسكندرية الحديثة التي نعرفها اليوم، وفهم الخرافات والأساطير الشعبية المتناقضة المحيطة بها، فقليلةٌ هي المدن التي ترتبط بها الأساطير كالإسكندرية؛ لأنَّ معظم مدن العالم القديم لم تحاول جمع التاريخ في مكان واحد، مثلما فعلت هذه المدينة التي كتبت فصلًا جديدًا من تاريخ الحضارة.

بوتقة فكرية

5999

كانت الإسكندرية أعظم بوتقة فكرية شهدها العالم. هكذا يقول جاستين بولار وهاورد ريد، مؤلفا كتاب يتعلق بـأصل المدن القديمة، ويضيفان: في أروقة تلك المدينة، وُضِعت أسس العالم الجديد بالأفكار لا بالحجارة.

وبالرغم من أن معالم الإسكندرية القديمة المنارة والمتحف هي أهم ما نتذكره ونحتفل به في وقتنا الحاضر، فإن تأثير هذه المدينة على الحياة المعاصرة يبدأ حقًّا بتصميمها الكلي. فقد سعى مهندس الإسكندر، دينوقراطيس، إلى بناء ملعب ملحمي من شأنه دمج الساحة العامة والخاصة وكذلك البر والبحر.

وقال إدوارد مورجان فورستر الذي أصبح واحدًا من المؤرخين الذين اهتموا بتاريخ الإسكندرية وأكثرهم شهرة في عشرينيات القرن الماضي، إنَّ هذا الملعب كان أفضل ما شيدته الحضارة الهلنيسية، ولكن سرعان ما غرقت تحفة دينوقراطيس بلا أي أثر قبل أن توضع أول أساساتها.

وفي ظلّ غياب الطبشور لتحديد شكل الطرق المستقبلية والمنازل وقنوات المياه، لجأ دينوقراطيس إلى استعمال الطحين. ولكن حالما قام المسّاحون بحساب الزوايا، والعمّال بنثر الطحين المطلوب، انقضّت أسراب من طيور البحر على الطحين المخصص لوضع مخطط المدينة. اعتبر كثيرون أن ذلك نذير شؤم على المدينة، التي ستحمل اسم الإسكندر، ولكن أحد عرّافي الإسكندر فسّر ذلك على أنّه إشارة إلى أنَّ الإسكندرية ستكون مصدر رزق للكوكب بأسره.

واستمر العمل، وتمّ تحديد الأماكن التي سيُبنى عليها قصر الإسكندر، والمعابد للآلهة اليونانية والمصرية، والمنطقة التي تضم متاجر ومراكز للتجمع، والمساحات السكنية، وأماكن بناء جدران الدعم. وجُرّ الماء إلى المدينة من نهر النيل عبر جداول صغيرة تمر من تحت الشوارع الرئيسية، لتزويد منازل الأثرياء بالماء العذب.

مزيج فريد

4761

لقد كانت خطة دينوقراطيس لبناء الإسكندرية منسوخة، في إحدى مستوياتها، عن الأشكال التقليدية التي تتخذها المدن اليونانية التي يعرفها جيدًا. كان دينوقراطيس تلميذ هيبوداموس، الرجل المسؤول عن بناء ميناء أثينا في بيرايوس، وهو معروف أيضًا بلقب أبو التخطيط الحضري. وبحسب أرسطو، أبدع هيبوداموس في فن تشييد المدن، لكنه انتقد الطريقة التي عاش بها، وتحدث بازدراء عن الحُلي التي كان يرتديها.

آمن هيبوداموس ومدرسته بأنَّ تصميم المدن يُعنَى بأكثر من مجرد رسم حدودها، بل يجب التفكير في الطريقة التي ستعمل بها المدينة على الصعيد السياسي والثقافي واللوجيستي. كان هيبوداموس يرى أن الشوارع ليست منتجات ملحقة بالمنازل والمحال، بل هي نقاط مركزية بحد ذاتها، وتحفة من تحف الإدارة الحضرية الفعالة. وبالرغم من أنَّ أعمال هيبوداموس انحصرت بشكلٍ كبير في المشاريع المحدودة، وتحويل أجزاء صغيرة من المدن القديمة من الداخل، حصل دينوقراطيس في مدينة الإسكندرية على فرصة إنشاء مدينة جديدة من بدايتها، وفرصة ليحول إبداعاته إلى واقع لم تشهده البشرية من قبل.

تكمن عبقرية دينوقراطيس في مدّ خطوط تصميمه فوق المياه. فبنى جسرًا عرضه 600 قدم معروف باسم heptastadion” وهو أطول بسبع مرّات من الملعب اليوناني، يخرج من البر الرئيس لجزيرة فاروس. وأدى تشييده إلى خلق مساحة لبناء مرفأين على جانبه. كان الانسجام بين عناصر المدينة المتعددة في غاية الإتقان. وتقول الدكتورة جوديث ماكينزي من كلية الآثار في جامعة أوكسفورد ومؤلفة كتاب هندسة الإسكندرية“: لدينا الجسر الضخم ومرفآن على جانبيه ومنارةٌ تطل عليهما. إنّها خطةٌ متكاملة ولقد نجحت.

لا يعود نجاح الإسكندرية إلى جذورها الإغريقية فحسب، بل إلى تأثرها بالحضارة المصرية أيضًا. لقد تناقلت حكاية الإسكندر والصندوق الذهبي عبر الأجيال، لكنَّ اختيار موقع المدينة كان ثمرة خبرات ومعرفة المحليين، كما فعل هوميروس بالضبط. لم تخلق المدينة الجديدة رابطًا مميزًا بين المملكة الفرعونية والإمبراطورية اليونانية، المهتمة بالتجارة البحرية فحسب، بل صمّمت طرقاتها بطريقة تزيد من دورة رياح البحر إلى حدها الأقصى، كما شكّلت أبنيتها مزيجًا فريدًا بين الهندسة المعمارية الشرقية والغربية. واستُعمل التصميم ذو الأضلع الثماني نفسه للمنارة في بناء بضع منارات في أنحاء مصر، والعديد من أبراج كنيسة كريستوفر رن في بريطانيا.

ما هو النموذج المستخدم في تشييد الإسكندرية؟

2251

في السنوات اللاحقة، وبعد أن ذاع صيت الإسكندرية، تمّ تشييد أشهر مبانيها وهو الـ Musaeum أو معبد الآلهة، الذي جمع أبرز العلماء من جميع التخصصات الأكاديمية. أما المكتبة في الداخل، فقد كان هناك اعتقاد سائد بأنها أكبر مكتبة على الإطلاق، وضمنت استمرارها من خلال مصادرة كل كتاب يُعثَر عليه على أي سفينة تدخل مرفأ المدينة.

ولم يعش الإسكندر ليرى هذه المعجزة بنفسه. وبعد أن بدأ دينوقراطيس وَضْع خطوط الطحين، سافر الإسكندر ليستشير الحكماء في سيوة الواقعة في وسط الصحراء الغربية في مصر، ثمّ توجه إلى الشرق ليبدأ حملاته التوسّعية في بلاد فارس والهند. وبعد عقد من الزمن مات في بابل، وأعدّ خليفته بطليموس الأول خطة لخطف جثمان الإسكندر، خلال نقله إلى مثواه الأخير في مسقط رأسه في مقدونيا شمال اليونان، وإحضاره إلى الإسكندرية، حيث وُضع في تابوتٍ ضخم.

ويمثل مصير جثة الإسكندر نقطة سوداء في تاريخ الإسكندرية؛ وهو مصير لم يتمحور حول التطور الفكري والحداثة الحضرية، بل تمحور حول تسخير المدينة لتكون مثلًا للسلطة الاستبدادية وترسيخ الحكم الإلهي. أراد بطليموس موت الإسكندر لتشريع حكمه، مع أن تلك المدينة شُيّدت بالأساس لتضمن للمواطنين المستقلين الحق في اتخاذ القرار، إن لم يكونوا من النساء أو الأجانب أو العبيد، لكن الإسكندرية أصبحت مركزًا للحكم الديكتاتوري الحضري.

الحرية المفقودة

5100

ويقول المؤرخ الحضري لويس مامفورد في كتاب المدينة في التاريخ“: في المدينة القديمة كان لكل مواطن دور حيوي يقوم به، أما في المدينة الجديدة، فاعتاد المواطنون تلقي الأوامر ونفذوا ما طُلب منهم. ويرى مامفورد أنَّ النظام والجمال المتجذرين في الإسكندرية من الخارج يعكسان تزعزع مفهوم الحرية التي وعدت بها تلك المدن.

هذا الإشكال القائم حول إذا كان تصميم مدننا يخدم سكّانها أو حكامها، استمر على مرّ العقود وغيّر شكل الإسكندرية اليوم. الإسكندرية الآن يسكنها نحو 5 ملايين نسمة، وتعتبر ثاني أكبر مدينة مصرية من حيث المساحة، في بلد عانى كثيرًا من التمرد والثورة الحضرية في السنوات القليلة الماضية، لكنها تبقى في واجهة الرؤى التنافسية لما يجب أن يكون عليه التخطيط الحضري.

وفي العام الماضي كُشِف عن خطة لإعادة بناء المنارة القديمة في موقعها الأصلي، كجزء من مشروع إعادة تطوير يشمل إنشاء مراكز تسوق جديدة وفنادق فخمة. وأصرّ المنتقدون على أنَّ المقترحات فشلت في أن تأخذ بعين الاعتبار الاقتصاد المعقد للمدينة والتاريخ العمراني الهشّ. وأكّدوا أنّ القرار اتُّخذ من دون موافقة السكان. ويقول عمرو علي محلل السياسات الحضرية في مصر: المشكلة لا تكمن في تضخيم التاريخ الثقافي الغني للإسكندرية، بل في ماهية الجوانب التاريخية للمدينة التي ستُسوَّق على حساب مصلحة العامّة.

ويرى عمرو علي أنّه سيكون من الحكمة إن راجع الذين هم في مواقع السلطة في الإسكندرية التفاصيل المتعلقة بمنارة المدينة القديمة، التي انتهى تشييدها بعد سنوات من وقوف الإسكندر على شواطئها، واتخاذه قرار بناء مدينة في ذاك الموقع. وكالمعتاد، كتب سوستراتوس المهندس المشرف على مشروع البناء، كلمة إهداء المنارة إلى العائلة الحاكمة على لوحة من الجص وُضعت إلى جانب المدخل، ولكن تحت هذه اللوحة حفر سوستراتوس سرًّا كلمة إهداء: لكل أولئك الذين ركبوا الأمواج. وإلى يومنا هذا لايزال السؤال يدور حول المستفيد الحقيقي من المساحات الحضرية.

المصدر:TheGuardian