الفيلم الفلسطيني “3000 ليلة”: دروس في الإنسانية من حياة النساء بسجون إسرائيل

image1462019830-40566-PlaceID-0_s1000x650

“أنقذتني من الموت زنزانتي

(…)

وجدت على سقفها وجه حرّيتي

وبيّارة البرتقال

وأسماء من فقدوا أمس أسماءهم

على تربة المعركة”

محمود درويش – لا جدران للزنزانة

استُلهِم الفيلم الروائي “3000 ليلة”، للمخرجة الفلسطينية مي المصري، الذي واجه العديد من الانتقادات اللاذعة عند عرضه الأول، من قصة حقيقية لشابّة أنجبت طفلها في مركز اعتقال نسائي في إسرائيل، وهو يشيد بالمقاومة اليومية للمرأة الفلسطينية في السجون الإسرائيلية، ويتحدث عن احتلال إسرائيل المستمر للأراضي الفلسطينية، وهو دليل قوي على قوة ووحدة وعزيمة الشعب الفلسطيني في نضاله من أجل الكرامة في ظل نظام وحشي لا يرحم.

يبدأ الفيلم بعرض صور مجزأة على خلفية من السماء الملبدة بالغيوم والأمطار الغزيرة، ونشاهد بطلة الفيلم ليال (التي تؤدي دورها ميساء عبدالهادي)، مكبلة اليدين ومعصوبة العينين، تؤخذ بالقوة إلى السجن، وتُتهم زورًا بالمساعدة في أنشطة إرهابية بعد أن أوصلت صبيًّا يشتبه في مهاجمته نقطة تفتيش عسكرية. الزمان: 1980 والمكان: نابلس، في الضفة الغربية المحتلة، وبوابة السجن الكبير تُغلق وراءها، ويجب أن تؤسس لنفسها كيانًا جديدًا داخل حدود هذا السجن.

نور الأمل ينتصر على ظلام السجن

3000-nights-03

التصوير السينمائي العميق لـ”جيل بورت” يلتقط التوتر الخانق لعالَم الأسرى. الكاميرا لا تهدأ، وتصوّر لقطات طويلة لجدران السجن العالية والأسلاك الشائكة والحرّاس في المدخل، وترسم الظلال والمرور البطيء والشاق للوقت. والفيلم متذبذب بين النور والظلام، ويبدو أول وهلةٍ حادًّا في تصويره لعنف وفساد ووحشية الشرطة، ومفعمًا بالدفء عندما يُظهر تلك اللحظات الرائعة والثمينة للحنان البشري على الشاشة. وهناك مشهد مؤثر جدًّا لأم تعلّم ابنها عن العالم بإعادة رسمه له على الجدران ذاتها التي تحيط بهم بشكل رمزي له دلالات كثيرة تملأ السماء المتخيّلة بطيور من الطباشير.

وتقدم ميساء عبدالهادي أداءً عاطفيًا مؤثرًا جدًّا في دور البطولة. ونحن نشهد التحوّل التدريجي لشخصية ليال من امرأة شابة مترددة لكنها شجاعة، لاتزال تتعلم فك رموز البقاء على قيد الحياة في البيئة القاسية داخل السجون، إلى أم حازمة وقوية الإرادة على استعداد للتمسك بقيمها والكفاح من أجل العدالة حتى لو كلّفها ذلك تضحيةً كبيرة. وعن طريق اختيار أن تضع طفلها في السجن، تتحدى ليال زوجها والسلطات الإسرائيلية، وفي التغلب على ظروفها، تؤكّد إيمانها العميق بمستقبل أفضل. ومن المناسب، إذن، أنها سمّت طفلها نور؛ لأنه يجسّد السعادة التي يتمنى الفلسطينيون أن يمنحوها للأجيال في المستقبل، ويمس هذا الطفل حياة كل السجناء بحيويته وبالطريقة التي يملأ بها العالم من حوله بالبهجة والسرور، على الرغم من كل القيود القاتمة. ويضيء وجهه عندما تعطيه أمه الدمى المصنوعة من الخرق، ويمسك أثناء نومه بطائر خشبي تلقاه كهدية من طبيب فلسطيني دمث اسمه أيمن (يلعب دوره الممثل كريم صالح).

الناس متشابهون

SCRATCH

ومع ذلك، تدعونا مي المصري إلى النظر في سردية بديلة للسردية التي ترويها ليال: ريحان (التي تمثلها أناهيد فياض) تتعرض للامتهان بسبب خيانتها لزملائها الفلسطينيين والعمل مع سلطات السجن. ولكننا، كمشاهدين، في وضع لا يسمح لنا بالحكم على امرأة تخضع لمطالب حرّاس السجون الإسرائيلية في مثل هذه الظروف، وهي الأم التي لم تتحمل أن تكون بعيدة عن عائلتها وتخسر الزيارات العائلية، والسجينة الخائفة التي تنأى بنفسها عن المشاكل من أجل أن يُطلَق سراحها بعد فترة قصيرة.

في هذا الفيلم، تعبّر مي المصري عن آمالها المؤقتة في تفاهم وتعاون عربي-إسرائيلي من خلال شخصيات مثل شولاميت (ريدة أدون) وراشيل شتاينر (لورا حوا). وفي دوّامة الصراع بينها وبين مدير السجن الذي لا يرحم، تؤكد راشيل بإصرار، “القليل من الإنسانية لن يؤذيك”. وتبدو روتي (إيزابيل رمضان) حريصة على إسقاط صفة “الإرهابي” عن جميع الفلسطينيين، ولكن الصداقة غير المتوقعة التي تنشأ بين ليال والسجينة الإسرائيلية شولاميت بعد إظهار بريء للمشاعر والإنسانية تبيّن لنا أن المفاهيم الخاطئة يمكن تفكيكها ويمكن التغلب على الأفكار السابقة؛ فقبل أي شيء، الناس هم بشر تجمعهم قواسم مشتركة عديدة أكثر مما يبدو أول وهلة.

وهذا الفيلم هو تحية وتقدير لديناميكية الرعاية والاحتضان في العلاقات النسائية ونطاق التحمّل البشري، ويصوّر الشعور بالانتماء إلى المجتمع والإبداع المشترك بين النساء كمصدر للتمكين ويكرّم التضحيات السابقة والحالية التي قدّمها السجناء الفلسطينيون، وفي الوقت نفسه يلفت الانتباه للمعاناة الجماعية من القمع والتهميش. إنّها الانتصارات الصغيرة: نظرات التحدي، والروح المثابرة، ولحظات المودة والألفة، وإظهار التضامن بين السجناء، هي التي تسلّط الضوء على قوة ومرونة هؤلاء الذين يتم إسكات أصواتهم. فيلم “3000 ليلة وليلة” يذكّرنا بأنّه في بعض الأحيان، يكون الثبات والوقوف على أرض صلبة ومشاهدة التاريخ الذي يمكن استعادته يومًا ما هي الشكل الأكثر فعّالية للمقاومة.

المصدر: Your Middle East

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.