عالسريع: كيف رأى ابن خلدون تطور المجتمعات البشرية في “المقدمة”؟

shutterstock_174067919

يعتبر كتاب ابن خلدون عن تاريخ العالم في القرن الرابع عشر من أقدم النصوص الاجتماعية في تاريخ البشرية، ويقدم رؤية عن العالم من وجهة نظر شرقية.

عند دراسة تاريخ علم الاجتماع نرى أنه بدأ في الغرب مع عصور التنوير على يد أدورنو وكونت. لكن في الشرق وقبل ذلك بمدة طويلة لمع اسم ابن خلدون الذي ولد في تونس عام 1332ميلادية، والذي كان عالم اجتماع ومؤرخاً وخبيراً اقتصادياً، ويعد من أوائل مؤسسي علم الاجتماع، وأبرز أعماله كتابالمقدمة، الذي يتطرق إلى فلسفة التاريخ والاقتصاد موضحاً أكثر الأخطاء التي يقع فيها المؤرخون مثل:

انحيازهم إلى معتقدات دينية محددة أو آراء معينة.

ثِقتُهم بدقّة مصادرهم.

إساءة فهم المقصود مما رأوه أو سمعوه أو نقلوه.

توهُّم الصدق أي (توهم المؤرخ الصدق في خبر كاذب، إما لأن المنقول عنه اشتهر بالصدق، وإما لأن الخبر يبدو معقولاً).

عدم القدرة على وضع الحدث في سياقه الحقيقي.

فلنكتشف وجهة نظر أخرى في عالم التاريخ بالغوص في أعماق كتاب أحد أشهر العلماء المسلمين في العصور الوسطى.

عن الكتاب

مع أن كتابالمقدمةأُلف في القرن الرابع عشر فإن أول نسخة منه بالإنكليزية صدرت عام 1958، ويستعرض الكتاب استعراضاً تقليدياً التاريخ الإسلامي، ويركز على صعود نجم الحضارات وأفولها مقدماً وصفاً فريداً للعالم العربي الإسلامي في القرن الرابع عشر. وهو يعد مرجعاً مهماً في العديد من التخصصات الأكاديمية.

الأفكار الرئيسية الواردة في الكتاب

ArabicMSS-Suppl-359-1v-2r

ابن خلدون يرى أن المناخ يشكل المجتمع والأفراد

كل تلك الطرائف والفكاهات عن  كرم أهل الجنوب وفتور أهل الشمال وجيشان مشاعر الإيطاليين وبرودة أعصاب الألمان، أعطى ابن خلدون لها تفسيراً منطقياً منذ زمن بعيد. وقد خطا أبعد من ذلك باعتقاده أن المناخات المعتدلة تنتج حضارات أعظم. وبالرغم من أن البيئات القاسية  تشهد قيام بعض الحضارات أيضاً فإن هذه المجتمعات تكون أقل ثباتاً وتمدداً، ولا تمتلك شواهد ومعالم تاريخية باقية مثل الكولوسيوم في روما أو تاج محل في الهند.  

بالمقابل، فإن المناطق التي عدّها أكثر المناطق اعتدالاً هي العراق وسورية، والتي شهدت بالفعل نشوء الكثير من الحضارات العظيمة كالحضارة العربية والبيزنطية والفارسية واليونانية. فبحسب ابن خلدون يتصف الناس الذين يقطنون المناطق المعتدلة بأنهم أكثر اعتدالاً في الجسم والعقل والشخصية عموماً، وأكثر اعتدالاً في ثيابهم وطعامهم وأشغالهم ومساكنهم، فهم يعيشون في بيوت مبنية ببراعة من الحجر.

الشعور بالجماعةيحدد نجاح الحضارة

لماذا هُزم الأميركيون على يد فيت كونغ في منتصف القرن العشرين بالرغم من أنهم يملكون جيشاً جراراً وأسلحة متفوقة؟ لو طرحت هذا السؤال على ابن خلدون لأجاب أن السر يكمن في  “الشعور بالجماعة” لدى الطرفين المتصارعين. الشعور بالجماعة أو التضامن ضمن الجماعة التي ينتمي إليها الإنسان هو أمر حيوي للدعم والمساندة ولبث الرعب في قلوب الأعداء أيضاً. إن أي صراع يحسم لمصلحة من يمتلك الشعور الأقوى بالجماعة.

ويؤكد ابن خلدون أن الشعور بالجماعة يعتمد على الألفة والمودة بين أفرادها، فكلما ازدادت متانة الروابط بينهم تعزز هذا الشعور. وهذا يفسر سر قوة العاطفة تجاه جماعتك عندما تكون مؤلفة من عائلتك وأقربائك. لكن الشعور بالجماعة يمكن أن ينشأ أيضا بين أشخاص لا تربطهم أواصر الدم، فالشخص الذي يترعرع في جماعة لا ينتمي إليها تنشأ بينه وبين أفرادها علاقة شبيهة بعلاقة القربى.

الأنبياء أشخاص مختارون

تناول ابن خلدون في كتابه مسألة النبوة. وبين أن الله  يختار من البشر رسلاً لقيادتهم وهدايتهم. والأشخاص المختارون يمتازون بصفات أقرب للكمال ويسعون لنشر الدين وعبادة الله عبر الصلاة والزكاة وفعل الخير. وقد نزل الوحي على جميع الأنبياء بالتعاليم التي يجب أن ينشروها لكن الوحي المرسل إلى النبي محمد تمثل في أعظم معجزة وهي القرآن الكريم. وتميزت الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل بأن الوحي فيها كان بالفكرة. أما القرآن فقد نزل بالكلمة الفعلية، وهو الكتاب الوحيد الذي يحمل كلمات الله مكتوبة بين دفتيه. ولهذا السبب يرى الكاتب أن الإسلام وتعاليمه يعلوان على كل الكتب المقدسة والأديان.

ابن خلدون يرى أن بداية انحطاط الدول في كثرة البذخ والترف

title

يؤكد ابن خلدون أن الفخامة والترف ورغد العيش هي طبيعة الحياة المتمدنة، وعند ظهور هذه السلوكيات في المجتمع فإن عصر الدولة الزاهي يبدأ بالزوال. وقد اختصر دورة حياة الدول في خمس مراحل:

المرحلة الأولى تتمثل بقضاء السلطة الحاكمة على معارضيها وأعدائها، ثم تنتقل للمرحلة الثانية التي يفرض فيها الحاكم السيطرة الكاملة على مناطق نفوذه ويسعى للتفرد بالحكم. وتأتي بعدها مرحلة قطف ثمار النجاح وسعي السلطة لتحقيق الإنجازات التي تخلد ذكراها من أبنية ضخمة ومنشآت بارزة لترك بصمتها في التاريخ كما تسعى لتأسيس الأمن الاقتصادي. وتتمثل المرحلة الرابعة في الركون إلى الدعة والسلام حيث يشعر الحاكم بالرضا عن إنجازاته هو وأسلافه ويتوقف عن مسيرة التطور ويدور في حلقة التقليد، ثم تطل المرحلة الأخيرة التي تبدأ أركان الدولة فيها بالانهيار عندما يهدر الحاكم موارده على البذخ والملذات وتصبح بطانته من المفسدين ويستعدي حلفاءه فينفضون عنه وتكون بداية النهاية.

الحرف والأعمال يمكن أن تكون “ضرورية ” أو “نبيلة”

يبين ابن خلدون أن بعض المهن كالزراعة والخياطة والنجارة والنسيج هي حرف “ضرورية” لبقاء المجتمعات. أما الطب والفنون فهي مهن “نبيلة” لأهدافها وغاياتها. والكتابة برأيه مهنة نبيلة لأنها من أهم الخصائص التي تميز الإنسان عن باقي المخلوقات، ولأنها تكشف ما يجول في عقل الإنسان. وهي أكثر المهن فائدة لنشر العلم،  إضافة إلى أنها تتعامل مع الأمور النظرية والعلمية التي تزيد مهارات التفكير لدى القارئ.

فإن كنت ترغب في أن تكون خبيراً بشؤون الناس والحياة، فاقرأ كتاب ابن خلدون لتتعرف على المزيد، وبعد أن تنهي ذلك المجلد الضخم يمكنك أن تعد نفسك مؤرخاً بشريا ذا  معرفة عالمية.

المصدر:blinkist