كيف يؤثر استهلاك اللحوم على التغيّر المناخي؟

A butcher displays packages of meat at the butcher section in an Auchan supermarket in Nice

خلال العقد الماضي، وفرت وسائل الإعلام معلومات هامة عن التأثير المذهل لتناول اللحوم على البيئة، وخاصة على تغيّر المناخ. على سبيل المثال، وجدت إحدى الدراسات الحديثة أنَّ التحوّل العالمي نحو حمية غذائية تحتوي على كميات صغيرة من اللحوم يمكن أن يقلّل تكاليفَ تخفيفِ آثار تغيّر المناخ بنسبة تصل إلى 50 في المئة بحلول عام 2050. ومن التقارير العلمية والمقالات في المجلات المختلفة، إلى مقاطع الفيديو المنتشرة على فيس بوك والأفلام الوثائقية مثل فيلم “Cowspiracy” وفيلم ” Meat the Truth”، فإنَّ الأنباء عن المساهمة المفرطة من آكلي اللحوم في مشكلة الاحتباس الحراري تنتشر انتشاراً كبيراً.

معظم الناس لا يدركون المخاطر

وعلى الرغم من كل هذه المعلومات، تُظهر الأبحاث الجديدة  أنَّ معظم الناس مازالوا لا يدركون المدى الكامل لتأثير استهلاك اللحوم على المناخ. حيث تم فحص كيف يقيّم المواطنون في أميركا وهولندا مختلف المواد الغذائية والخيارات المتعلقة بالطاقة لمعالجة تغيّر المناخ، وقدّم إلى مجموعات مماثلة تضم أكثر من 500 شخص في كلا البلدين ثلاثة خيارات متعلقة بالأغذية (تناول كميات أقل من اللحوم، وأكل المنتجات المحلية والموسمية، وتناول المنتجات العضوية)، وثلاثة خيارات تتعلق بالطاقة (تقليل قيادة السيارة، وتوفير الطاقة في المنزل، وتركيب الألواح الشمسية). وتم تحديد مدى استعدادهم لإجراء هذه التغييرات في حياتهم الخاصة، وعما إذا كانوا قد فعلوا هذه الأمور بالفعل. واعترف معظم الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع بأنَّ تقليل استهلاك اللحوم هو خيار فعّال لمعالجة تغيّر المناخ، إلّا أنَّ فعّالية هذا الخيار، بالمقارنة بالخيارات الأخرى، كانت واضحة فقط لــ 6٪ من سكّان الولايات المتحدة، و12٪ فقط من المواطنين في هولندا.

وهذا مستوى منخفض بشكل ملحوظ! ونظراً إلى أن تغيّر المناخ هو أحد أكبر التحديات في عصرنا هذا، فهل نحن لا نريد أن يعرف الناس قوة الحل البسيط الذي بين أيديهم؟

المعرفة قوة

cow-farming4_800

فيما يتعلق بجهود الاتصال لتغيير السلوك، فإنَّ الفعّالية المتعلقة بالحدّ من استهلاك اللحوم قد تكون من أهم عوامل التغيير، مع إدراك أن إحداث مثل هذا الفارق الكبير قد يدفع الناس إلى التغيير؛ وذلك لأنَّ نتائج الأبحاث تبيّن لنا أيضًا وجود علاقة مباشرة بين هذه المعرفة واستعداد الناس لاستهلاك اللحوم بكمية أقل وكذلك بين استهلاك اللحوم الفعلي. لذلك، فالمعرفة قوة في هذه الحالة.

وأظهرت العديد من الدراسات أنّه على الرغم من أن المعرفة هي جانب مهم من جوانب التغيير السلوكي، فإنها وحدها نادرًا ما تكون كافية حتى يغيّر الناس أنماط حياتهم، فتغيير السلوكيات هو أمر صميمي وراسخ ثقافيًا مثل العادات الغذائية اليومية للبشر، ولذلك يتطلب دراسة متأنية للديناميكيات النفسية والثقافية ذات الصلة.

في الوقت الحالي، تقع معظم الدراسات عن اللحوم وتغيّر المناخ في فئة “توجيه أصابع الاتهام “، وهذا خلق الشعور بالذنب والخجل، ووصم البشر بالإفراط في تناول اللحوم، وتفعيل الآليات النفسية مثل الإنكار وتقليل أهمية الوضع. ولذلك، فإنَّ الإشارة إلى أن تناول اللحوم هو أمر “سيئ” لن يجدي نفعًا.

ومع ذلك، فبالنسبة للأشخاص الذين يعرفون بأنهم من دعاة حماية البيئة، يمكن لهذه الاستراتيجية أن تكون فعّالة جدًّا. إنّهم يميلون إلى تبني هذه الرسالة، وخاصة في حالة الإشارة بأصابع الاتهام إلى الآخر الخارجي الذي لديهم شكوك حوله (على سبيل المثال، “النظام الرأسمالي”، و”صناعة اللحوم”). ونحن نرى هذا في نجاح فيلم “Cowspiracy”، الذي أقنع عددًا لا يحصى من الناس بسهولة للتحول إلى النظام النباتي. العديد من هؤلاء الناس لديهم نظرة ما بعد حداثية، وينحازون إلى القيم البيئية، ويرتابون في تأثيرات الشركات على نظامنا الاقتصادي؛ لذلك من السهل الاقتناع بتلك الرسالة.

تغيير الثقافة جزء من الحل

salzburg_meat_market_on_wheels

ولكن إذا كانت مثل هذه الرسائل تأمل إقناعَ بقية السكّان، فنحن بحاجة ماسة لتجاوز أساليب توجيه أصابع الاتهام. وهذا مهم بشكل خاص للأشخاص الذين يتبنون وجهات نظر عالمية تقليدية وحديثة، والذين عادة لا يتم تعريفهم على أنهم من دعاة حماية البيئة أو يتبنون قيم البيئة النظيفة. ولعلّ هذا هو السبب في صمت المنظمات البيئية بشكل ملحوظ في مسألة استهلاك اللحوم، والسبب في أن هذا الموضوع لايزال غائبًا في المناقشات الدائرة حول تغيّر المناخ. وبما أننا لم نكتشف كيفية تناول هذا الموضوع بطريقة غير أبوية، وغير حكمية، فإنَّ معظم المؤسسات تنأى بنفسها عن التدخل في أمور شخصية مثل الوجبة التي يتناولها الأفراد.

وجادل كثير من الكتَّاب أنَّ أكبر إمكانية لإحداث تحوّل نحو أنماط الحياة المستدامة تأتي من خلال تغييرٍ في الثقافة ووجهات النظر؛ وهو تغيير في افتراضات حول الطبيعة البشرية، وعلاقتنا بالعالم (الطبيعة) من حولنا، وتطلعاتنا إلى عيش حياة جديدة. ويرتبط الطعام بالعادات الاجتماعية والتقاليد، ويلعب دورًا مهمًا في التوازن بين السلطة والوضع الاجتماعي، وغالبًا ما يكون المفتاح إلى المشاركة والقبول المجتمعي، ويعبّر عن القيّم الجماعية والهويّة. ولذلك، فإنَّ الاستهلاك وأنماط الحياة تتشكل عن طريق الناس بطريقة جماعية وليست فردية.

كيف يؤثر نظام التغذية النباتية على الاقتصاد العالمي؟

shutterstock_130707287

وفي دراسة نشرتها دورية الأكاديمية الوطنية للعلوم، قدّر ماركو سبرينغمان وزملاؤه في جامعة أكسفورد أنه إذا استمر الناس في مواصلة الاتجاهات الحالية في استهلاك اللحوم، بدلًا من التحول نحو مزيد من التوازن أو اتباع نظام غذائي نباتي، فإنَّ ذلك يمكن أن يكلّف الولايات المتحدة ما بين 197 مليار دولار و289 مليار دولار كل عام، ويكلّف الاقتصاد العالمي ما يصل إلى 1.6 تريليون، بحلول عام 2050.

وقال سبرينغمان، وهو باحث بارز في برنامج حول مستقبل الغذاء في وحدة أكسفورد مارتن بجامعة أوكسفورد: “من الصعب دائمًا فهم ماذا يعني تجنب تغيّر المناخ بدرجة معينة، أو انخفاض معدل الوفيات بسبب الأمراض المرتبطة بالنظام الغذائي. لقد أردنا توضيح حجم هذه الفوائد”.

وتصوّر سبرينغمان وفريقه العديد من السيناريوهات الغذائية المحتملة في عام 2050، وقارنوا الرعاية الصحية والتكاليف المرتبطة بالمناخ إذا حافظ العالم على نظامه الغذائي الحالي المعتمد بشكل كبير على اللحوم، مقابل التحوّل إلى نظام غذائي يتوافق مع الإرشادات الغذائية العالمية القياسية. وبالنسبة لكثير من مناطق العالم، يعني هذا التحوّل انخفاضًا كبيرًا في استهلاك اللحوم وتناول المزيد من الفواكه والخضراوات. وحسب سبرينغمان التكاليف الافتراضية لعالم من النباتيين (اتباع نظام غذائي دون أي لحوم)، ونباتيين (بدون تناول البيض، ومنتجات الألبان، أو المنتجات الحيوانية على الإطلاق).

وحسب الباحثون التكاليف المباشرة للرعاية الصحية لنظام غذائي يعتمد بشكل كبير على اللحوم (يرتبط بالعلاج من الأمراض مثل مرض السكري أو أمراض القلب) والتكاليف غير المباشرة الناجمة عن الرعاية غير مدفوعة الأجر للعائلة أو الأصدقاء، وأيام العمل المفقودة. ولتحديد مدخرات الحدّ من انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة باللحوم، اعتمدوا على نظام قياس يسمى “التكلفة الاجتماعية للكربون“، ويقدّر قيمة الأضرار المستقبلية الناتجة عن كل طن إضافي من انبعاثات الكربون.

إيجابيات تخفيض الاستهلاك

beef carcasses packing plant_6

ومن بين جميع دول العالم، فإنَّ الولايات المتحدة تدخر أكثر إذا انخفض فيها تناول اللحوم. ونظرًا لتكاليفه العالية لحصة الفرد من الرعاية الصحية، يمكن للدولة توفير 180 مليار دولار إذا تناول السكّان الطعام وفقًا للمبادئ التوجيهية الموصى بها، إلى جانب توفير 250 مليار دولار إذا تخلت البلاد عن المنتجات الغذائية الحيوانية تمامًا، وهذا معدل أكثر من الصين، أو من كل من دول الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى عدد الوفيات بسبب السِمنة والأمراض المزمنة التي يمكن تجنبها (320 ألف شخص سنويًا على الأقل)، والفوائد المصاحبة لخفض مستوى انبعاثات الغازات الدفيئة.وقال سبرينغمان إنه يمكن للبلدان مقارنة هذه التكاليف الصحية والبيئية عند النظر في تنفيذ برامج للحدّ من استهلاك اللحوم الحمراء أو زيادة استهلاك الفواكه والخضراوات. ويمكن استخدام تلك الأرقام أيضًا لتحليل السياسات المحتملة، مثل فرض ضرائب جديدة أو تغييرات على القواعد الخاصة بالإعلانات الغذائية.

وأضاف: “ما أظهره الكثير من الأبحاث الصحية هو أنّه على الرغم من أنَّ الأفراد يمكنهم إحداث الفارق، فإنَّ استمالة الأفراد دون تغيير في الإطار نفسه هو أسلوب غير فعّال. ولذلك، فإنَّ الأساليب القائمة على السكّان والتي تؤثر على البيئة الغذائية كلها هي الأكثر فعّالية”.

وفي عام 2014 أنتج الناشط البيئي كيب أندرسون فيلم وثائقي يعرض فيه قضية العلاقة بين استهلاك اللحوم والتغيّر المناخي، وقد لاقى العمل شهرة واسعة كونه أول فيلم وثائقي يتطرق لتلك القضية. 

المصادر: TheAtlantic, ScientificAmerican