فيلم “كابتن أمريكا” والتصوير الخاطئ للسياسة العالمية

Captain-America-Civil-War-Splashpage-TeamCap-Photo

يقول مخرجا فيلم كابتن أمريكا: الحرب الأهلية إنهّما صنعا فيلمًا يعكس بعض الغموض في السياسة العالمية.  الفيلم رائع ومسلٍّ جدًّا، ولكن فهمه للسياسة يتجاهل القضايا السياسية الحقيقية التي قد يشكّلها الأبطال الخارقون.

الأبطال الخارقون فاشيون

وأثار الكاتب الشهير فرانك ميلر الكثير من الجدل لتصويره الأبطال الخارقين في واشنطن مثل باتمان بالفاشيين والسلطويين. وإذا كانت سياسة ميلر الشخصية محل شكّ، فإنّها تحمل مسوغات منطقية. إذ لم ينتخب أحد الأبطال الخارقين أو يمنحهم أي تفويض ديمقراطي. وبدلًا من ذلك، ينتزع هؤلاء السلطة لأنفسهم. وهذا هو السبب في أنَّ أفلام الأبطال الخارقين والرسوم الهزلية تبدأ في ظروف تكون فيها الحياة السياسية الديمقراطية في مرحلة الفشل أو فشلت بالفعل، وفي حال انهيار المجتمع، فإنَّ أي مصدر للنظام (حتى لو كانوا أفرادً يرتدون معاطف ويتحولون إلى حرّاس) قد يكون أفضل من الفوضى. الأبطال الخارقون أنانيون على الدوام، وذلك ما صوّره مؤلف قصص الخيال العلمي تشاينا ميفيل في Scrap Iron Man، حيث تجمّع مجموعة من عمّال مصنع الصلب العاطلين عن العمل بمدينة ميشيغان لمواجهة الملياردير الفاشي السيكوباتي الذي ترك منطقة فلينتون لتتعفن.

ثمة علاقة مربكة بين السياسة الديمقراطية والأبطال الخارقين. تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ الأشرار كثيرًا ما يحاولون بناء النفوذ السياسي (مثل شخصية “Kingpin” في المسلسل التلفزيوني “Daredevil”)، ولكن الأبطال الخارقين لا يفعلون ذلك. وجود مكتب ديمقراطي حيث يمنح فيه الناخبون الشخص المنتخب رسميًا تفويضًا بالسلطة مع فرض بعض القيود عليها، هو أمر يتناقض مع ما يقوم به الأبطال الخارقون.

سيادة الدول

imopfyts2xcogqtzfeef

وفردانيّة الأبطال الخارقين تعمل بشكل أسوأ مع السياسة العالمية التي تقوم على الفكرة الأساسية لسيادة الدولة. من جهة، تعني سيادة الدولة أنَّ الغرباء ليس من المفترض أن يتدخلوا في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. ويرى الباحث في العلاقات الدولية ستيف كراسنر، أنَّ هذا الحظر زائف جزئيًا، وغالبًا ما تنتهكه الدول القوية، ولايزال يقدّم بعض الحماية للتدخل الخارجي. ومن جهة أخرى، تعني سيادة الدولة أنّه يجب على الدول أن تحتكر العنف الشرعي داخل حدودها، ويجب ألّا يشارك الأفراد بشكل شرعي في أعمال العنف دون موافقة رسمية من الدولة.

سلطة مطلقة

فيلم “The Avengers” أو المنتقمون يتحدى كل هذه الافتراضات الأساسية؛ فهم يعيشون في الولايات المتحدة، ولكنهم سعداء بالتدخل في دول أخرى مثل التخطيط لعملية سرية في لاغوس بنيجيريا، في بداية فيلم كابتن أمريكا: الحرب الأهلية، دون الحصول على إذن من السلطات المحلية. حتى داخل الولايات المتحدة، يتصرفون بعنف من دون أي موافقة رسمية. تدخلهم يكون مدمّرًا جدًّا للمعايير والسياسات الدولية، مما يشير إلى أن الأفراد لديهم سلطة غير محدودة للقيام بكل ما يلزم، دون أن يطلبوا الإذن من الدول، مادام لديهم دعاوى وهمية أو صلاحيات زائفة.

فيلم كابتن أمريكا: الحرب الأهلية يتحدث عن الكيفية التي يمكن من خلالها تصوير الأبطال الخارقين كحرّاس. هناك كلمة أقبح لشخص يُقحم نفسه في وضع سياسي، ويدّمر الأشياء والناس ويختفي مرة أخرى؛ وهي أنَّ هذا الشخص إرهابي. عندما كتب توماس بارنيت عن الأفراد ذوي السلطة المطلقة في السياسة العالمية، فهو لا يتحدث عن فيلم Ant Man” ولا فيلم “Spider-Man”. إنّه يتحدث عن أسامة بن لادن وأحداث 11 سبتمبر عام 2001، ومختطفي الطائرة، الذين يتصرفون كأفراد يغيّرون شكل السياسة العالمية. الشخصيات في فيلم “The Avengers” لديها نوايا أفضل ولكن لها نفس القدرة على التسبب في الفوضى دون مساءلة. حتى لو كانوا يتصرفون لإنقاذ الجنس البشري، فإنّه ليس من المستغرب أن تكون الحكومات غاضبة ومستاءة من استعدادهم للتدخل في جميع أنحاء العالم، بغض النظر عن الأضرار الجانبية.

الأمم المتحدة والقمع

civil-war-war-machine-dies

إنَّ المعركة السياسية في فيلم كابتن أمريكا: الحرب الأهلية تتعلق باتفاقية الأمم المتحدة التي كانت تهدف إلى كبح جماح الأبطال الخارقين، والتي دعمها زير الخارجية الأمريكي. بعض المنتقمين على استعداد لتوقيع هذه الاتفاقية، في حين أن البعض الآخر ليس كذلك. صورة الفيلم عن الأمم المتحدة تشبه الأساطير التي انتشرت عن المروحية السوداء. لقد اعتقلت الأمم المتحدة بيكي بارنز دون السماح له بالاتصال بمحامين ويبدو أنها متورطة في إنشاء سجن سريّ على غرار غوانتانامو تحت البحر.

ويمكن تبرير هذا التصوير؛ إذ أن هناك هيئة جديدة مختصة بالقانون الدولي تجادل بأنَّ المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة أصبحت أكثر دعمًا للتدابير الأمنية القمعية. ومع ذلك، فإنَّ الأمم المتحدة الحقيقية ليست منظمة رقابة غامضة وعمليات سرية مثل منظمة “S.H.I.E.L.D” في فيلم “Agents of S.H.I.E.L.D.. إنها منظمة بها العديد من العيوب، ولكن اتفاقياتها تشكّل أساس القانون الدولي لحقوق الإنسان، والنزاعات المسلّحة، والإبادة الجماعية، وحقوق الأطفال وأشياء أخرى كثيرة. ولذلك، من الصعب أن نتصوّر أي منظمة أخرى يمكنها بناء توافق دولي في الآراء بين الدول بشأن مسؤوليات الأبطال الخارقين.  

يجب على المرء ألّا يطالب هوليوود بالكثير من الواقعية، ولكنَّ تقديم صورة أكثر دقة عن الأمم المتحدة، بكل عيوبها، من شأنها أن تجعل الفيلم أكثر إثارة للاهتمام من الناحية السياسية. المعركة حول إمكانية الوثوق بالأمم المتحدة أو بدلًا من ذلك الثقة بالأبطال الخارقين لتقرير كيف يكون التدخل أكثر إثارة للاهتمام إذا تمّ عرض الجانب الآخر من النقاش بشكل صحيح. وقد تعتقد بعض الدول أنها أفضل مَن يقرر مصالح شعوبها، وليس الأبطال الخارقين.

منظور أمريكي غير واقعي

zmm7hhlo2hg3at0r0fqf

المشكلة الأساسية للفيلم هو أنّه ينظر إلى العالم من خلال عدسة أمريكية. بالتأكيد، يشكّك الفيلم في النتائج المترتبة على تصرفات المنتقمين. في أول فيلم للمنتقمين، خُلقت شخصياتهم لأنَّ العالم بحاجة لعودة الأبطال الخارقين من أجل الكفاح ضد التهديدات الخارجية الهائلة. ومن خلال فيلم كابتن أمريكا: الحرب الأهلية، تسبب المنتقمون في أضرار جانبية للمدنيين وخلقَ مجموعة جديدة من الأشرار. تحول هيلموت زيمو إلى التطرف عندما قُتلت عائلته في معركة المنتقمين مع أولترون. إنَّ النقاش الرئيسي هنا بين ستارك وكابتن أمريكا هو نقاش بين اثنين من الأمريكيين لديهما رؤى مختلفة عن دور الحكومة، وكيف يجب أن تتصرف أمريكا تجاه العالم.

لكنَّ هذه ليست وجهات النظر الوحيدة الممكنة. قصة داريل غريغوري الاستثنائية The Illustrated Biography of Lord Grimm تقدّم لنا نسخة متنكرة من جماعة “Latveria ، والتي يجب أن يعاني فيها الناس العاديون من آثار الاجتياحات المتكررة من الأبطال الخارقين الأمريكيين الذين يتطلعون إلى الانتقام. ومن خلال التركيز على هذه التدخلات من وجهة نظر غير الأمريكيين الذين يجب عليهم تحمّلها، بدلًا من الأمريكيين الذين يتجادلون بشأن ما إذا كان يمكن تبريرها، فإنها توفر سردية مختلفة وأكثر فاعلية عن ردود الفعل السلبية لفيلم كابتن أمريكا.

وهناك طريقة واحدة محتملة للقيام بذلك في الأفلام المقبلة، وقد تكون من خلال شخصية الفهد الأسود أو “Black Panther”. الفهد الأسود ليس شخصية غير أمريكية فقط ولكنه زعيم دولة ذات سيادة. يلمح فيلم كابتن أمريكا: الحرب الأهلية إلى أن بلاده لديها وجهة نظر مختلفة تمامًا بشأن الاتفاقية، ودور الأبطال الخارقين، أكثر من المنتقمين. وتشهد الكتب المصورة عن الفهود السود حاليًا نهضة أخرى، وذلك بفضل الكاتب الأمريكي “Ta-Nehisi Coates”، الذي كان متشككًا جدًّا في الحقائق النموذجية للثقافة السياسية الأمريكية. فيلم الفهد الأسود المقبل (وغيره من أفلام المنتقمين التي تُظهر شخصية الفهود السوداء) قد يوفر فرصة لطرح وجهات نظر غير أمريكية عن الأبطال الخارقين، والتدخل والمساءلة والعواقب السياسية، وكلها أمور توضح مدى صعوبة هذا النقاش.

المصدر:WashingtonPost