ثلاث طرق تتيح لك التعلم باستمرار طوال حياتك

large_NHqEM26IOdIQ9LHBUvkeD0_LcQNd00l-1Zcaz19Tiho

باولو جالو

أبتسمُ كلما نظرت إلى شهادتي الجامعية المعلقة على الحائط، لأنَّ كل شيء تعلمته حينئذ لم يعد مناسبًا الآن. هل هذا يعني أننا يجب أن نتوقف عن إهدار كل هذه الطاقة والوقت والمال على الجامعة؟ لا، ليس هذا هو المقصود، بل المُراد هو أنه بمجرد أن نكمل “دراساتنا الرسمية”، نصبح بحاجة إلى أن نكون آلات تعلّم. وبعبارة أخرى: يجب أن نصبح آلات تعلّم مستمر. ليس لدينا خيار آخر وإلّا فسنكون خارج اللعبة، متخلفين مثل رجال الكهوف بعد العصر الحجري.

أعملُ في مجال الموارد البشرية منذ 25 عامًا، وأبدأ المقابلات مع المتقدمين للعمل بسؤال: “ما الذي تعلمته في 6-12 شهرًا الماضية؟”. لم يكن العديد من المتقدمين مستعدين لمثل هذا النوع من الأسئلة، وبالتالي كانوا غير قادرين على الإجابة، ومن ثمّ تنتهي المقابلة.

الشهادة الجامعية ليست نهاية المطاف

ATOC 1

إذا كنت تحوز درجةَ البكالوريوس أو الماجستير، فهل ترى أنها نقطة وصول، أو بداية رحلتك العملية؟ إذا كنت ترى أنها نقطة وصول، فأنت تخدع نفسك. إنَّ نجاحنا وإنجازاتنا على المدى الطويل يعتمدان على تطويرنا المستمر لعقولنا. ولذلك، لا تفكر أن قدراتك هي أشياء غير قابلة للتغيير، بل أشياء يمكنك تطويرها مع مرور الوقت.

أنا مقتنع بأننا يجب أن نمتلك البراعة والنشاط في عملية التعلم. وأعني بذلك القدرة على أن نبقى منفتحين أمام طرائق جديدة للتفكير والتعلم باستمرار بطريقة مبتكرة، وللتأمل والذهاب إلى الأراضي المجهولة، والتخلي عن الشعور بالرضا وسباتنا العميق. هناك شخص ما في مكان ما يتعلم أسرع منك. ولكي نصبح آلات تعلم مستمرة، يجب علينا أن لا ننسى ثلاث قواعد مهمة:

القاعدة الأولى: لا تبالغ في التخصص في مجال معرفي معين

دعونا نبدأ بهذا السؤال: إذا كنت تفكر في ليوناردو دا فينشي، ما الكلمة التي تتبادر إلى ذهنك؟ رسّام؟ عالم؟ كاتب؟ مخترع؟ مهندس معماري؟ لقد كان كل هؤلاء، وكتجسيد لمصطلح “إنسان عصر النهضة”، تجول بين جميع التخصصات، وتجنب التخصص المبالغ فيه الذي يمنعنا من التفكير والفهم بشكل منهجي.

لذا، فإن القاعدة الأولى هي عدم قصر التعلم على موضوع واحد. أوضح ستيف جوبز ذات مرة لماذا كانت منتجات “آبل” أنيقة وجذابة ومصممة على نحو مثالي: عندما كان طالبًا، حضر دورة في فن تحسين الخطوط وأراد أن يترجم هذا الفن الجمالي في منتجات شركته. ولذلك، أصبحت منتجات “آبل” أيقونة في تصميماتها المبتكرة.

وبالعودة إلى ليوناردو دا فينشي، قال هذا العبقري الموسوعي ذات مرة: “التعلم لا يرهق العقل”. وإذا كان بعضنا يمكن أن يطمح إلى تحقيق إنجازاته المبهرة، فإنّناَ جميعًا يمكننا تقبل شهيته للتعلم. إنَّ التعلم لا يكون فقط في الجامعة، أو في المدارس الليلية، أو في دورة مهنية في مكتبك. فما نقوم به في وقت فراغنا يمكن أن يقدّم لنا دروسًا لتنشيط حياتنا العملية.

حين تدرب فريقًا من الهواة تبدأ بمعرفة كيفية إدارة فريق رياضي. وعندما تعلّم الطلاب، فأنت تتعلم كيفية تحفيز الناس. وحينما تبيع شيئًا ما، سواء كان قطعة من الأثاث على موقع أو عن طريق القيام بعمل فردي للحصول على الأموال، فأنت تدرك الطبيعة النفسية للمشترين. وعندما تقوم بدور استشاري في السياسة المحلية أو تتطوع في حملة تؤمن برسالتها، فأنت تفهم تعقيدات وديناميكيات الجماعة. وحين تأخذ الزوار إلى متحف أو توضح لهم معالم مدينتك، فأنت تتعلم كيفية جذب انتباه الناس. وعندما تعمل نادلًا، فأنت تتقن مهارة صعبة: التعامل مع العملاء المشاغبين (في حالة سكر). وإذا عملتِ جليسة أطفال فإن ذلك يعزز شعوركِ بالمسؤولية. بعبارة أخرى، يمكن أن تكون وظائف عديدة تبدو تافهة هي العناصر الرئيسية في تجربة العمل الخاص بك.

اخرجْ من شَرْنَقَتِك

bXls5YenydBXfGXXQRa0owEHagXQI_hx0gK5b1irQ88

حاول تناول الطعام الذي لا يمكنك نطق اسمه، تعلّم 50 كلمة من لغة أجنبية، اندمج مع أشخاص من خارج محيطك الاجتماعي المعتاد، تعلّم قراءة الموسيقى، وحفظ الشعر، وأن تضيع في مدينة لا تعرفها (نصيحتي: حاول الذهاب إلى البندقية)، تطوع في مشروع لا تفهمه، اقرأ الكتب التي لم تعتدْ قراءتها، أغلق التلفاز مدة لا تقل عن خمسة أيام في الأسبوع، استمع إلى موسيقى لم تسمعها من قبل، شاهد أفلامًا من دون صوت لفهم الأحداث من خلال مراقبة لغة الجسد: وبعبارة أخرى حاول الخروج من منطقة الراحة الخاصة بك وفكّك الطريقة التي تفكر بها عادة، حينئذٍ سيحدث التعلم بطريقة غامضة وسحرية.

القاعدة الثانية: الفشل هو جزء من النجاح إذا تعلمنا منه

يصعب عليّ أن أتقبل أن عكس النجاح هو الفشل. على النقيض من ذلك، أعتقد أن الفشل هو عنصر أساسي من عناصر النجاح، شريطة أن نتعلم منه. طوال حياتنا، نعايش إخفاقات كثيرة ناجحة، تلك التجارب التي قد تكون مزعجة في البداية ولكن تعلمنا في النهاية عدم تكرار نفس الأخطاء. الإنسان يتعلم من خلال ارتكاب هذه الاخطاء. وكما قال الفيلسوف الصيني كونفوشيوس: “أنا أسمع وأنسى، وأرى وأتذكر، وأفعل وأفهم”. لهذا يمكن للمرء أن يضيف، “إذا كنتُ مخطئًا، فأنا لا أنسى، بل أتعلم ويمكنني تفسير ذلك للآخرين”.

وورد في كتاب “قواعد العمل” للكاتب لازلو بوك، رئيس عمليات الأفراد بشركة غوغل، أن الولايات المتحدة أنفقت 156 مليار دولار على تدريب الموظفين في عام 2011، وهو مبلغ ضخم جدًّا. ومثل لازلو، لا أفكر كثيرًا في أساليب التعلم التقليدية، التي يتحدث فيها شخص واحد في حين يستمع الآخرون ويسجلون الملاحظات. في وضع الشركات، يُعرف هذا الأسلوب باسم “الموت بواسطة الباوربوينت”. ويمكنك تعلم الكثير إذا حاولت فعل شيء جديد والنظر إلى الفشل لا على أنه نوع من أنواع المرض القاتل الذي ينبغي تجنبه بأي ثمن، بل على أنه خطوة سليمة في عملية التعلم. واسمحوا لي أن أشاطركم بعض الأمثلة.

مَن الذي أخفق في 12.345 محاولة لتسجيل هدف طوال مسيرته في كرة السلة؟ مايكل جوردان، الذي سجل 12192 هدفًا، يمكن القول إنّه أعظم لاعب في تاريخ كرة السلة على الإطلاق. وصمم توماس أديسون ما يقرب من 10 آلاف نموذج فاشل من المصباح الكهربائي، قبل أن ينجح.

في مجال الأعمال التجارية، ما القاسم المشترك بين ريتشارد برانسون، وبيل غيتس ومارك زوكربيرغ؟ لقد فشلوا جميعًا عدة مرات قبل أن ينجحوا في مساعيهم، كما توضح هذه المقالة المثيرة للاهتمام.

كتب هنري فورد أنَّ الفشل هو أفضل فرصة للبدء من جديد بطريقة أكثر ذكاء. إذا لم نرتكب أي خطأ، فلن نتعلم أي شيء جديد. التعلم يعني الخروج من منطقة الراحة، وفي بعض الحالات، يمكن أن يعني المعاناة قبل تحرر  أفكارنا. يوهانس هاوسهوفر هو أستاذ علم النفس وعلم الأعصاب في جامعة برينستون، نشر نسخة من سيرته الذاتية على تويتر وكانت عبارة عن قائمة طويلة بإخفاقاته، موضحًا أن الفشل هو جزء من تجربة التعلم الخاصة بنا، وليس شيئًا نخفيه. وإذا كان لي أن أكتب قائمة بإخفاقاتي، فربما ستكون مكوّنة من 30 صفحة، ومع تقدم مسيرتي المهنية، تصبح قائمة الفشل الخاصة بي مثيرة للإعجاب. لذلك، لقد وضعت شروطًا لنفسي؛ وجمعت الإخفاقات الناجحة، وتعلمت الكثير منها.

القاعدة الثالثة: التعلم لا يتوقف أبدًا

Computerkurs für Senioren

أنت لا تتوقف عن التعلم. في عام 1938، انتهت إينجبورغ رابوبورت من كتابة أطروحتها في الطب وكانت على وشك أن تصبح طبيبة، ولكن بسبب القوانين العنصرية البغيضة التي أقرّها النظام النازي، حُرمت نيلَ شهادتها بسبب أصلها اليهودي. بعدئذ هاجرت إينجبورغ إلى الولايات المتحدة، حيث واصلت دراستها في مجال الطب، وعملت في العديد من المستشفيات في طب الأطفال وحديثي الولادة قبل أن تعود إلى ألمانيا الشرقية في الخمسينيات من عمرها، وأسست أول عيادة لحديثي الولادة في برلين الشرقية. وفي عام 2015، قررت جامعة هامبورغ رفع الظلم عنها، وبعد 77 عامًا، دافعت عن أطروحتها التي تعود لعام 1938، وحصلت على شهادتها الجامعية وعمرها 102 سنة. وبسبب التزامها بعملية التعلم ومحاربة هذا الظلم أصبحت واحدة من أبطالي.

لذلك، كن آلة تعلم، واستمتع بالإخفاقات الناجحة ولا تتوقف عن التعلم ولو بلغت 102. دعونا نبتكر المستقبل من خلال الاستثمار في التعلم. وستكون رحلتنا ممتعة نحو الحرية، ولن يستطيع أحد سَلْبَنا ما تعلمناه وحرماننا خياراتِنا كبشر.

المصدر: World Economic Forum

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.

There is one comment

  1. Omar Al-Jaghbeir

    مقال أكثر من رائع، لكن توماس اديسون اخفق ونجح بالمحاولة رقم 314 بصنع المصباح وليس 10 الاف

    Like

Comments are closed.