حلم السلطان العادل: الخلافة بين طموحات الإسلاميين وواقع التطبيق

Danforth_TheMythoftheCaliphate2

أُلغى الزعيم التركي كمال أتاتورك الخلافة العثمانية رسميًا في عام 1924، وبعد مرور أكثر من 91 عامًا على ذلك التاريخ تتواصل المناقشات الغربية عن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، الذي أعلن الخلافة في معظم أنحاء العراق وسورية، ويبدو أن هذا الحدث قد يشكل نقطة تحول عميقة في التاريخ الإسلامي.

من المعتقد أن بعض الإسلاميين المعاصرين يفكرون في الأمر على هذا النحو أيضًا، وثمة سبب، على سبيل المثال، في أنَّ مجلة “الأشبال” التابعة لجماعة الإخوان المسلمين قد منحت أتاتورك “اليهودي الخائن” (وفق وصفها) المركز الأول في العديد من المرات التي طرحت فيها مسابقة “اعرف أعداء دينك”.

ورغم أن الإسلاميين اليوم ينوّهون بالعثمانيين، فإنَّ معظمهم يركز أكثر على محاولة إحياء الخلافة الأولى: عصر الخلفاء الراشدين، الذين حكموا بعد وفاة النبي محمد في القرن السابع الميلادي، أو الخلافة العباسية في أواخر القرن التاسع إلى القرن الثالث عشر (قبل أن يقضي عليها المغول فعلياً).

ونتيجةً للخلط بين العائلة المالكة العثمانية في القرن التاسع عشر والخلفاء الذين حكموا قبل ألف سنة أو أكثر، أسس النقّاد الغربيون والمفكرون المسلمون على حد سواء مفهوم الخلافة كمؤسسة دائمة، ومحور للإسلام والفكر الإسلامي بين القرنين السابع والعشرين.

!الخلافة وفقًا للظروف

وفي الواقع، الخلافة هي فكرة سياسية ودينية تزداد أهميتها أو تقل وفقًا للظروف. ويبيّن تاريخ الخلافة المعاصر تحت حكم العثمانيين أن من الأفضل التفكير في تلك المؤسسة كخيال سياسيّ — لائحة سياسية فارغة وغامضة مثل فكرة “ديكتاتورية البروليتاريا” (ديكتاتورية الطبقة العاملة)— يختلقه الإسلاميون المعاصرون مع استمرارهم على الساحة السياسية.

وإضافة إلى ذلك، فإنَّ قصة الخلافة العثمانية تشير أيضًا إلى أن الإسلاميين المعاصرين قد يواجهون نفس التناقضات التي أسقطت العثمانيين قبل قرن من الزمان عندما حاولوا تحقيق فكرة الخلافة.

كيف تأسست الخلافة العثمانية؟

img_dad62b4703e49a1be056a15b0328ff48239301

عندما ضمت الإمبراطورية العثمانية مصر وشبه الجزيرة العربية في عام 1517، نصّب السلطان سليم رسميًا نفسه خليفةً للمسلمين وأورث هذا اللقب لمن يأتي بعده من سلاطين آل عثمان، وإضافة إلى سيطرته على مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، عزز سليم دعواه بجلب مجموعة من ملابس الرسول، صلى الله عليه وسلم، وشعر لحيته إلى إسطنبول.

وبعد قرون، رأى العثمانيون أنهم بحاجة لجعل العملية كلها تبدو أكثر احترامًا، لذا بدأ المؤرخون يؤكدون أن الوريث الأخير للخلافة العباسية، الذي يعيش في المنفى بالقاهرة بعد أن خسرت عائلته الحكم، منح لقبه طوعًا للسلطان سليم. ومن الناحية العملية، دعم العثمانيون ادّعاءهم بالقيادة الإسلامية من خلال الوصاية على الحج وإرسال كسوة مُذهبة ومزينة لتغطية الكعبة كل عام.

ولفهم عملية انتزاع اللقب، فعندما غزا السلطان العثماني محمد الثاني العاصمة البيزنطية القسطنطينية قبل 64 عامًا من غزو السلطان سليم لمصر، كان قد فاز بلقب قيصر روما، إلا أن لقب الخليفة أهم للعثمانيين من لقب قيصر في تلك الفترة في أواخر القرن التاسع عشر، إذ كان يأتي في إطار حملة سياسية قادها السلطان عبدالحميد الثاني لحشد مشاعر وطنية مناهضة للاستعمار في جميع أنحاء الدولة العثمانية ولتعزيز شرعيته الداخلية. وشملت أساليبه سعيه لقراءة إسمه في صلاة الجمعة وتوزيع المصاحف في جميع أنحاء العالم الإسلامي من إفريقيا إلى إندونيسيا.

ليس هناك شك في أنَّ الكثير من المسلمين الذين واجهوا انتصار الاستعمار الأوروبي في بلدانهم، راقت لهم فكرة وجود زعيم تقي وقوي مثل السلطان العثماني الذي يتحدى الإمبريالية الغربية نيابة عن العالم الإسلامي بأسره. وبالتأكيد، أعرب مسؤولون بريطانيون وفرنسيون عن مخاوفهم من قوته المحتملة على مستعمراتهم الإسلامية في شمال إفريقيا والهند. وعلى الرغم من أنه كان متحمسًا لمحاولة الاستفادة من هذه المخاوف، فإن السلطان عبدالحميد كانت لديه مخاوف كثيرة حول مدى تأثير جهوده في هذه البلدان النائية.

wallpaper-2858076

وكان الشيء الوحيد الذي يشعره بالقلق هو حقيقة عدم قبول الجميع لتوليه الخلافة. وبغض النظر عن أولئك الذين التفوا حوله بسبب التضامن الديني، كان هناك آخرون تدفعهم القومية العربية وعدم الرضا عن طغيانه، والذين شكّكوا في الأساس الديني لحكمه.

مثل هؤلاء المفكرين، ومنهم رشيد رضا، برروا إنشاء خلافة عربية مختلفة من خلال الاستشهاد بقول النبي: “الأئمة من قريش ما حكموا فعدلوا ووعدوا فوفوا واسترحموا فرحموا” (العثمانيون، على ما يبدو، سلّموا بصحة هذا الحديث ولكن كان لديهم تفسيرهم الخاص؛ إذ كان قصد النبي أنه ليس من الضروري أن ينحدر الخليفة من قبيلة قريش).

لكن في كلتا الحالتين، فإنّ السياسة العنيفة في أوائل القرن العشرين سرعان ما هزمت مؤسسة الخلافة. وعلى الرغم من جهوده الكبيرة بصفته مدافعاً عن العقيدة، استمر عبدالحميد في فقدان الأراضي والسلطة السياسية لمصلحة قوى استعمارية مسيحية. وهذا ساعد القادة العلمانيين من حركة “تركيا الفتاة”، مثل أنور باشا، على تهميش السلطان والاستيلاء على السُلطة لأنفسهم عشية الحرب العالمية الأولى.

وحينما استمتعت الإمبراطورية العثمانية ببعض النجاح العسكري في حرب البلقان الثانية، أصبح أنور مصدر إلهام للعالم الإسلامي. وضمت قائمة الأطفال الذين سُموا على اسمه في ذلك الوقت أنور خوجة، الذي أصبح رئيس ألبانيا، وأنور السادات، الذي غدا رئيساً لمصر.

الوريث العربي

KAAAramco

بطبيعة الحال، خفت بريق أنور مع هزيمة الدولة العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى.

وإثر ذلك، سرعان ما سطع نجم أتاتورك كبطل جديد من خلال قيادته لحملة ناجحة لإخراج الجيوش الفرنسية والإيطالية والبريطانية واليونانية من الأناضول. وبسرعة، حظي أتاتورك بإعجاب بعض المسلمين المتفهمين سياسيًا الذين دعموا خلافة عبدالحميد المناهضة للإمبريالية، وانضموا إليه في تحد مسلح ضد القوة الأوروبية.

في فلسطين، على سبيل المثال، بدأ المسلمون الذين اتجهوا في السابق للخليفة العثماني لحمايتهم من المستوطنين الصهاينة والمحتلين البريطانيين، بالهتاف لأتاتورك، وأدى إلى شعور ضابط بريطاني بالقلق من أنَّ هذا الرمز التركي قد أصبح “المنقذ الجديد للإسلام”.

وفي الوقت نفسه، أدى تراجع السلطة العثمانية قبل الحرب العالمية الأولى وأثناءها وبعدها إلى زيادة مصداقية فكرة وجود خليفة جديد غير عثماني في العالم العربي. لكن لم يكن واضحًا تمامًا مَن سيكون هذا الخليفة العربي. وكانت النتيجة أنه عندما ألغى أتاتورك مؤسسة الخلافة في عام 1924، لم يكن هناك احتجاج واضح أو متماسك من العالم الإسلامي بأسره. لكنَّ كثيرًا من المسلمين، ولا سيما في الهند من الذين رأوا أنَّ الرموز الإسلامية مثل الخليفة كانت جزءًا مهمًا من فكرة الدولة الإسلامية، احتجوا على ما فعله أتاتورك. وكان آخرون أكثر اهتمامًا بالمناورة للحصول على لقب الخليفة لأنفسهم.

وكان أشهرهم هو الحسين بن علي، شريف مكة، الذي يعرفه متابعو فيلم لورانس العرب لدوره البارز في الثورة العربية. وبصفته القائد المحلي لمكة المكرمة والمدينة المنورة، الذي ينحدر من قبيلة النبي، اعتقد الحسين أنه بعد طرد العثمانيين من منطقة الشرق الأوسط، سيصبح ملك العرب، وسيتمتع بكل الصلاحيات الدينية والسياسية للخليفة.

الحسين بن علي شريف مكة

Sheriff-Hussain

وسعيًا لتحقيق هذا الهدف، عندما نفي أتاتورك السلطان العثماني من تركيا، دعاه حسين إلى مكة. (وسرعان ما فضل العاهل المنفي الذهاب إلى الريفيرا الإيطالية).

بعد عدة سنوات، أعلن نجل الحسين، الملك عبد الله مؤسس الملكية الأردنية، أنه بإنهاء الخلافة، فإنّ الأتراك “قد قدّموا أكبر خدمة ممكنة للعرب”، وشعر أنَّه يجب “إرسال برقية شكر لمصطفى كمال أتاتورك”. وبطبيعة الحال، لم تؤت خطط حسين ثمارها بالضبط كما هو متوقع. وعلى الرغم من حصوله على الدعم البريطاني لمخططه في وقت مبكر من الحرب، فإنه عارض بشدة اتفاقية سايكس بيكو. ثمّ أخرج الفرنسيون ابنه من سورية، وقبل وقت طويل، طرده السعوديون من شبه الجزيرة العربية. وبحلول الوقت الذي أعلن فيه الحسين نفسه خليفة للمسلمين، بناءً على إصرار من مجموعة مختارة من القادة المسلمين، تضاءلت سلطته إلى النقطة التي بدأ فيها هذا الإعلان وكأنه يأس تام منه.

طمع مصري وليبي وزهد سعودي وصعود ليبرالي

König Fuad von Aegypten! Porträt des aegyptischen Königs Fuad.

الملك فؤاد الأول

كان للملكية المصرية، في الوقت نفسه، طموحاتها الخاصة للمضي قُدمًا. وعلى الرغم من تحالفه الوثيق مع البريطانيين وانحداره من أسلاف ألبانيين بلا نسب مع أهل البيت، طالب الملك فؤاد بخلافة العثمانيين. في كلمة لأحد علماء العالم الإسلامي، كانت مصر في وضع أفضل لإقامة الخلافة من فترة تولي الحسين “لأنها أخذت زمام المبادرة في التعليم الديني، وكانت تمتلك عددًا كبيرًا من المسلمين المتعلمين والنابغين”. كما فكّر الملك إدريس الأول في ليبيا أيضًا في التقدم بغرض الحصول على لقب الخليفة، ولكنه مثل فؤاد، قرر في نهاية المطاف أن لديه القليل من الدعم للقيام بذلك رسميًا.

وعلى الرغم من استيلاء العاهل السعودي الملك عبدالعزيز على الأراضي المقدسة من الحسين، فإنه كان من القادة القلائل الذين لم يطالبوا بالخلافة، رُغم مناقشة الفكرة بالتأكيد. وكان عبدالعزيز منحازًا للحركة الوهابية، التي نشأت حركةً متمردة ضد الحكومة العثمانية في القرن الثامن عشر. ومن المفارقات، أنَّه على الرغم من مشاركة العرب لمعارضته وجود خليفة عثماني، فإنَّ نسخته الخاصة في الحكم وفي دور الدين بالدولة كانت متطرفة جدًّا.

في النهاية، كانت هذه المشاحنات السياسية غير المناسبة أحد العوامل التي ساعدت على إنهاء حالة النقاش حول الخلافة عدة عقود. واستجاب كثير من المسلمين لإلغائها بمضاعفة جهودهم لبناء حكومات دستورية علمانية في بلدانهم. في الواقع، جاءت أقوى معارضة لتطلعات الملك المصري بالخلافة من الليبراليين المصريين الذين عارضوا أي خطوات من شأنها أن تزيد من قوة النظام الملكي.

وكان الباحث المصري علي عبدالرازق من أكثر المنتقدين لفكرة عودة الخلافة، إلى حد أنه قال إنَّ القرآن لا يحتوي على “أي إشارة إلى الخلافة التي يطالب بها المسلمون”. وفي هذه الفترة أيضًا بدأ عدد من المفكرين العلمانيين والمتدينين مناقشة إمكانية أنَّ الخليفة يجب أن يكون شخصية دينية بحتة، مثل “البابا” غير مرتبط بأي سُلطة زمنية.

هل ينجح داعش والحركات الإسلامية في إحياء الخلافة؟

Islamic State Militants Patrol Syrian Border

من الخطأ الاعتقاد بأنَّ الحركات الإسلامية في القرن الحادي والعشرين تحاول إحياء الخلافة تحت راية ولاية إسلامية واضحة المعالم، لكن أعضاءها لاعبون آخرون في نقاش استمر قروناً طويلة حول مفهوم اتخذ أهمية واسعة النطاق في العالم الإسلامي.

ولايزال إرث الجولات السابقة من هذه المناقشات ملموسًا اليوم. وليس من المستغرب أنها، كإلهام تاريخي، سيطرت الخلافة العثمانية على معظم نفوذ الإسلاميين الأتراك، الذين يدينون بالكثير إلى الطريقة التي يمجّد بها القوميون الأتراك الإمبراطورية أكثر من ولائهم للسلاطين الأتقياء. وعلى النقيض من ذلك، فإنَّ الإرث الديني لانتقادات الحركة الوهابية للدولة العثمانية في القرن الثامن عشر، جنبًا إلى جنب مع الإرث السياسي للقومية العربية المناهضة للإمبراطورية العثمانية، يعطي الكثير من الإسلاميين غير الأتراك سببًا كافيًا لتفضيل النسخة السابقة من الخلافة العربية.

من خلال التعامل مع الخلافة العثمانية كمرجعية تاريخية نهائية لما يطمح إليه الإسلاميون في الوقت الحالي، يخلط النقَّاد في الغرب بين حُلم زعيم مسلم قوي يحظى باحترام عالمي وبين حُلم الماضي بوجود سلطان عثماني ليصبح هذا القائد نفسه.

كما أنَّ الظروف التي تجمع بين هذين الحُلمين، والمطالبة بسلطة دينية قوية في مواجهة قوة الغرب السياسية والعسكرية والاقتصادية، قد تكون واحدة، وكذلك التحديات التي تواجه تحقيق هذا الحُلم. المطالبون المعاصرون بلقب الخليفة قد يجدون أنفسهم في نفس القارب مع الخلفاء العثمانيين. ولذلك، فإنَّ النجاح السياسي أو العسكري، يمكن أن يحقق شرعية قصيرة الأجل، لكنَّ الفشل في تحقيقها سيجلب متنافسين آخرين على السُلطة.

المصدر: Foreign Affairs