من زعامة ماو إلى دجاج الكولونيل ساندرز: هل تغيرت الهوية السياسية في الصين؟

china mao

يتلألأ هذا الوجه البشوش على كل جدار في مترو مدينة بكين، وهو ينظر إليك بمودّة بالغة، وتراه حيثما توجهت في الصين، وكأنه يراقب الناس أثناء ذهابهم إلى العمل كل صباح.

إنّه الضوء الذي يرشدك في بداية يوم العمل، والدفء الذي تشعر به في المساء بعد عمل شاق طوال اليوم. وتلقاه في وسط بكين، يطل على الرفاق أثناء تجوالهم في ميدان تيانانمن. إنّه حقًّا رمز للصين الحديثة.

أتحدث، بالطبع عن الكولونيل ساندرز، مؤسس كنتاكي، الذي جاء إلى بكين في عام 1987.

توجد صورة ماو تسي تونغ، زعيم الثورة الصينية ومؤسس جمهورية الصين الشعبية، بشكل رسمي على العملة الصينية، لكنه ليس الوجه البارز على الجدران في جميع أنحاء المدينة. عليك أن تنظر بإمعان أكثر. فإذا ذهبت إلى أحد المطاعم الشعبية، فربما تجد صورة للزعيم ماو فوق طاولة الطعام. إلا أن ذلك لا يعني أن الناس يحملون صورة ماو على أنها جزء من هويتهم. فقد أثار تمثال ذهبي عملاق مطلي باللون الذهبي، عرف بإسم “ميغا ماو”، غضب الكثيرين على مواقع التواصل الاجتماعي، ولذلك هُدم بعد أيام من نصبه. وبرر مسؤول صيني ذلك بالقول إنّه لم يتمّ تسجيله ولا الموافقة عليه.

ومع ذلك، لايزال بإمكانك الانتظار في البرد القارس لرؤية تمثال ماو تسي تونغ المحنط في ضريح بميدان تيانانمن الشهير وسط بكين، إذ يرقد الزعيم الصيني الراحل داخل تابوت من الكريستال. ومن حيث الظاهر يبدو أنه يرقد في سلام مع العالم من حوله، لكن من المؤكّد أنه لا يشعر بأي سلام لأنَّ كل ما حوله هو عالَم يتحدى جميع آماله وما كان يصبو إليه.

إنه عالم الكولونيل ساندرز

china kfc

بإمكاننا القول أن الكولونيل ساندرز بات الوجه الحقيقي للصين اليوم. في آخر إحصاء، كان هناك نحو 4900 مطعم كنتاكي في الصين تقدّم الدجاج المقلي الشهيّ الذي يجعلك “تأكل أصابعك” بحسب شعار كنتاكي (Finger Lickin’ Good)، بالإضافة إلى تقديم الأطباق الصينية الخاصة مثل حساء كونج بالمخللات، وعيش الغراب، والبيض.

صحيح أنَّ شعار “تأكل أصابعك” لا يبدو جذابًا ورائجًا في الصين مثل كتاب ماو الأحمر، ولكن من ناحية أخرى، فإنَّ كنتاكي أكثر انسجامًا مع متطلبات العصر.

أصبحت بكين اليوم مدينة تتوافر فيها السيارات السوداء اللامعة، في مشهد يزيل فيه عمّال النظافة كل ذرة تراب في موقف السيارات خارج الفنادق الفاخرة أثناء تحية الأغنياء بعضهم لبعض في دفء حميمي داخل المباني الفخمة.

الأغنياء والحزب الحاكم

 

ذهبت إلى حفل في اليوم التالي حيث كان رجالٌ يرتدون قفازات بيضاء يُقدّمون النبيذَ الفرنسي في الساعة 8:30 صباحًا. وكانت هناك نساء جميلات يرتدينّ فساتين دائرية من الأسفل مع لباس ضيق ولامع في الجزء العلوي.

china billionaire chinese

في وسط هذه الحفلة كان أغنى رجل في الصين، وانغ جيان لين، الذي تُقدّر ثروته بنحو 27 مليار دولار (18.7 مليار جنيه إسترليني). وقد اشترى مؤخرًا منزلًا في لندن ذكرت الصحف البريطانية أن قيمته وصلت إلى 115 مليون دولار (80 مليون جنية إسترليني).

بدا وانغ لطيفًا لكنه كان مثل كل الأغنياء تحيط به مجموعة من المتملقين ينفذون كل رغباته، ويفكرون في حاجاته المقبلة، ويأخذون كأسه الفارغة، ويفتحون له الباب، ويحيونه عند دخوله وخروجه، ويهتمون بكل صغيرة وكبيرة من شؤونه.

لا شكّ أن هذا هو المكان حيث يجتمع الأغنياء، وهذه هي الصين الشيوعية. لكنها ليست الصين التي تصورها ماو.

الرأسماليون كائنات قابلة للتكيّف. وعلى مدى السنوات الماضية، انضم الرأسماليون إلى الحزب الشيوعي وتبنوا ما يعرف باسم “الرأسمالية النفاثة”. وذكر معهد أبحاث هورون مؤخرًا أنَّ ثلث أثرياء الصين هم من الحزب الشيوعي، وأنَّ العديد من أعضاء المؤتمر الشعبي الوطني هم من أصحاب المليارات.

رأسمالية الدولة

china communist party

تحدث ماو عن تلك التناقضات في مقال له عام 1937عما أسماه وحدة الأضداد، على الرغم من أنني لا أعرف ما الذي كان يعنيه بذلك. وتحدث ماركس عن “تناقضات الرأسمالية” التي من شأنها أن تُسقط النظام.

التناقض هي الكلمة المناسبة لوصف ما يحدث في الصين الآن. لم تتحقق تنبؤات ماركس لانهيار الرأسمالية هنا، ولكنها تسارعت لتصل إلى نزعة استهلاكية مفرطة، ورغبة مُلحة من جميع الشركات. ولكن 80٪ من أكبر الشركات في الصين لاتزال مملوكة للدولة. في الواقع، إنه نوع من رأسمالية الدولة.

يريد الحزب الشيوعي الاستمتاع بفوائد الرأسمالية، ولكنه يشعر بعدم ارتياح إزاء الجانب السلبي للرأسمالية مثل انهيار أسواق الأسهم.

هل يقدس الحزب الشيوعي الصيني اليوم ماو أم الكولونيل ساندرز؟ مَن هو الرمز الحقيقي للصين؟

يبدو أن الشعب الصيني يحب الكولونيل ساندرز.

KFC-China-sues-firms-for-spreading-eight-legged-chicken-rumors

المصدر: BBC

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.