موضوع مصوّر: قصة معاناة طفلة يمنية من أجل الحياة

yemen-bomb_2755796b

داخل مستشفى الثورة بمدينة تعز – ثاني أكبر المدن اليمنية – المحاصرة، يجتمع الأطباء خارج غرفة العمليات لمناقشة أي من مرضاهم سيُترك للموت، ففي ظل غياب الأدوية الكافية والأكسجين؛ لعلاج جميع المصابين في الحرب الأهلية الوحشية باليمن، يجب على الأطباء اتخاذ قرارات صعبة.

الطفلة أم العجوز؟

1

في منتصف ديسمبر الماضي، كان الخيار بين فتاة صغيرة تبلغ من العمر ست سنوات، اسمها أسماء، وبين عجوز مصاب بجرح مميت في البطن؛ إذ أصيبت تلك الطفلة بشظايا قنبلة أثناء انتظارها في طابور طويل للحصول على المياه من إحدى الشاحنات، كما أصيب 19 طفلًا في هذا الهجوم، ومات خمسة آخرون، وأدى هذا الحادث إلى كسر بحجم كف اليد في جمجمة أسماء، وعلى الرغم من خطورة إصاباتها، بدأ أحد الجراحين محاولة يائسة لإنقاذ حياتها.

كانت رائحة غرفة العمليات مثيرة للغثيان؛ حيث رائحة الدم الكريهة والمطهر، والضمادات الجراحية البيضاء التي كان يشكّلها الجراح بين يديه لترقيع الفتحة في رأس أسماء، في حين كان يعمل بسرعة محمومة لإتمام العملية قبل نفاد الأكسجين وتفادي زيادة الأضرار التي لحقت بدماغ هذه الطفلة الصغيرة.

2

أطلق المتمردون الحوثيون قذائف الهاون التي حطّمت جمجمة أسماء؛ كجزء من حملة لمدة ثمانية أشهر لانتزاع مدينة تعز من سيطرة القوات الموالية لحكومة البلاد المعترف بها دوليًا، وتحقيقًا لهذا الهدف، حاصر الحوثيون مدينة تعز، وقطعوا جميع الطرق في المدينة، ومنعوا وصول الإمدادات الأساسية من الدخول عن طريق البر.

ممرات النجاة

3

الطريقة الوحيدة للالتفاف حول حواجز الطرق هي الدروب التي تسير فيها البغال وممرات المهربين عبر جبال صبر؛ كل شيء من الطحين والأرز وغاز الطهي والسولار والأدوية، كان يمر من خلال هذه الممرات للوصول إلى أهالي مدينة تعز الذين يتضورون جوعًا.

ولا يمكن الوصول إلى المدينة إلا عبر طريق ترابي ضيق في التلال، يلتف حول الخطوط الأمامية ولكن ليس خارج نطاق القناصة الحوثيين، ويتدفق إلى هذا الطريق الكثير من الدواب المحمّلة بالغذاء والسلاح وأسطوانات الأكسجين وقنابل الغاز، وكثيرًا ما كان على المارّين إفساح الطريق للجمال والحمير التي يرعاها الأطفال على طول الطريق، وكان من بينهم صبي لا يتجاوز عمره أربع سنوات يحمل قطعة من الحطب وينوء بثقلها، لكنه عازم على مواصلة السير مع مجموعة من الصبيان الأكبر سنًا.

4

وعلى هذا الطريق أيضًا نساء أخريات يرتدي معظمهن الملابس التقليدية للمناطق الجبلية – وهي ثياب طويلة باللون الأصفر والبرتقالي والوردي أو سراويل فضفاضة – ويحملنّ العديد من حزم الحطب على رؤوسهن، في حين كانت إحداهن ترتدي عباءة سوداء، وهي لباس غير مناسب للهرولة عبر الصخور.

وكان هناك امرأتان عائدتان إلى مدينة تعز من قريتهما، كانتا قد انطلقتا في الفجر ومشتا أكثر من 10 ساعات، في بعض الأحيان، وكانتا تغنيان للحفاظ على معنوياتهما عالية، أو تتوقفان لالتقاط أنفاسهما ومشاهدة المناظر الطبيعية لجبال صبر، وفي أسفل الجبال كان صوت احتدام القتال.

ويُستخدم هذا الطريق أيضًا لنقل الجرحى والقتلى، حيث تُحمل جثث القتلى عبر الممر إلى قبورهم، في حين يُنقل الجرحى والمقاتلون والمدنيون على حد سواء، إلى نفس الطريق للوصول إلى بعض المستشفيات التي لاتزال مفتوحة في مدينة تعز.

نفاد الأدوات الطبية

5

الوصول إلى المستشفى لا يعني ضمان السلامة؛ إذ تضم مستشفى الثورة وحدة الطوارئ الوحيدة في المدينة، ولكن يستهدفها بانتظام المقاتلون الحوثيون، وقبل يومين من وصول أحد الأطباء، قتلت قذيفة مورتر اثنين من أطباء المستشفى وأدت إلى إصابة كثيرين.

وحتى مع النجاح في الوصول إلى غرفة العمليات، هناك نقص شديد في المعدات والأدوات الطبية، كما أن عدم وجود مواد التخدير يعني أن بعض المرضى سيخضعون لعمليات جراحية وهم يشعرون بذلك، في حين أنَّ آخرين لا يخضعون لأي عمليات جراحية على الإطلاق؛ وذلك لأنَّه يجب الحفاظ على العدد القليل من أسطوانات الأكسجين لذوي الإصابات الأكثر خطورة مع وجود احتمال حقيقي للبقاء على قيد الحياة.

6

في بعض الحالات، تجلب أسر المرضى أسطوانات الأكسجين إلى المستشفى، لكنَّ تلك الرفاهية لم تكن في متناول أسماء، التي لا يوجد مَن يرافقها أو يمسك بيدها، فقد نجت أسماء من العملية واستلقت على السرير وحدها، وأكتافها النحيفة بارزة من البطانية، ولم يعد هناك شعر برأسها، وعيناها متورمتان وداكنتان من أثر الكدمات، وقال الطبيب أحمد مقبل، إنَّ أسرتها تشردت من جرّاء القصف، مثل الكثير من العائلات بمدينة تعز، وأصبح أفرادها الآن معدمين ومشتتين، يبحثون عن مكان آمن لأطفالهم.

أسماءتصارع الموت

7

كان وجه أسماء مُغطى بقناع بلاستيكي متصل بجهاز التنفس الصناعي، وكان صدرها الصغير يتحرك كلما تنفس الجهاز في صدرها، ولكنه كان يضخ الهواء فقط، لم يكن هناك أكسجين متبقٍّ، وبدونه من المرجح ألا يتعافى دماغها، وقال الدكتور مقبل – وهو يبدو عليه التعب الشديد -: “لقد عملنا بجد لإنقاذ حياتها، ولكن يمكن أن يضيع كل ذلك سُدى بسبب عدم وجود الأكسجين النقي”.

7

أما في السرير المجاور، فيستلقي عجوز مصاب بجروح خطيرة، مات بعد ذلك بيومين، وأغلقت المستشفى أبوابها في 25 ديسمبر الماضي، أمام المرضى الجُدد بسبب نفاد الأكسجين والأدوية، وماتت أسماء أيضًا متأثرة بجروحها.

نزاع سياسي

9

من يتحكم باليمن؟ يرمز اللون الأخضر للجماعة الحوثية والقوات علي عبدالله صالح بينما يشير الأحمر إلى مناطق سيطرة قوات حكومة هادي، بينما تشير المناطق المخططة إلى أماكن تواجد تنظيم القاعدة

وبلغت الحرب الأهلية والطائفية ذروتها عندما سيطر الحوثيون، وهم جماعة شيعية متمردة، على العاصمة اليمنية، صنعاء، في سبتمبر عام 2014.

وبعد ستة أشهر، في مارس عام 2015، بدأ تحالف من الدول العربية بقيادة المملكة العربية السعودية شنّ حملة عسكرية لإطاحة الحوثيين من السُلطة، وإعادة الرئيس عبد ربه منصور هادي.

وأدت الفوضى التي أعقبت ذلك، إلى تمكين الجماعات الجهادية السلفية، وبينها تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية والفرع الداخلي لتنظيم الدولة الإسلامية، من تنفيذ المزيد من الهجمات الإرهابية.

وتقول الأمم المتحدة إنَّ ما يقرب من 3000 مدني قُتلوا وأكثر من 5000 أصيبوا في هذا القتال، في حين أنَّ هناك ما يصل إلى 2.2 مليون طفل يعانون سوءَ التغذية.

_87568076_oxygen976

المصدر: BBC