شهرزاد” مسلسل إيراني عن زمن الشاه يتجاوز المحظور ويعكس حالة إيران السياسية اليوم”

تُرَدِّدُ الأرصفةُ صدى وَقْعِ أقدام السائرين، وتفتح نوادي السنوكر أبوابها على مصاريعها، وينطلق النساء والرجال إلى الحفلات معًا، وتكتظ الملاهي بالساهرين، وتتوافر الخمور في كل مكان، ويرتدي الناس قبعات عصرية وأنيقة، ويعرض المسرح الوطني مسرحية عُطيل، وفي دور السينما الصغيرة، على طول شارع لاله زار، يُعرض فيلم كازابلانكا.  

هذه إيران في خمسينيات القرن الماضي كما يصوّرها المسلسل التلفزيوني شهرزاد، أضخم إنتاج فني من نوعه في البلاد. في أحد الأسابيع، عندما عُرضت حلقة جديدة، كان الشعب كله جالسًا أمام الشاشات لمشاهدة المسلسل.

خدمة نيتفليكس (Netflix) لم تكن قد راجت بين الإيرانيين، ولكن أسلوبها في صناعة الأفلام أصبح معروفًا لديهم. ومسلسل شهرزاد يجذب جماهير ضخمة في بلد تزداد فيه شعبية المسلسلات المستقلة ذات الإنتاج الخاص؛ لأنَّ الناس أصبحت تتجاهل مشاهدة شاشات التلفزيون التي تسيطر عليها الدولة بإحكام، وبدلًا من ذلك لجأوا إلى بدائل جديدة عبر الإنترنت أو القنوات الفضائية غير القانونية.

 

قصة المسلسل وظروف إنتاجه في إيران

Shahrzad Tehran

ومثل معظم الأفلام التي صُنعت في إيران، وافقت الرقابة على شهرزاد، بعد أن اطلعت على كل مشهد فيه، وكل حوار، وفحصت الأزياء بعناية للتأكد من أنها تلتزم بالتقاليد. ومع ذلك، كانت النتيجة مسلسلًا يعرض ما هو مقبول حسب العادات والتقاليد، حتى في وقت لم تكن تُعرض أمور غير مقبولة، مثل امرأة تغني.

وأثناء تصوير إيران تحت الحكم الاستبدادي للشاه الراحل، تنبثق دراما تلفزيونية تحمل العديد من أوجه التشابه مع السياسة الإيرانية اليوم.

المسلسل من إخراج حسن فتحي وتأليف بالاشتراك مع الكاتبة المسرحية نجمة ساميني، ويروي قصة حب مزقتها الأحداث في أعقاب انقلاب عام 1953 الذي أطاح رئيسَ الوزراء المنتخب ديمقراطيًا محمد مصدق.

وقد دعم هذا الانقلاب، الذي خططت له وكالة المخابرات المركزية الأميركية والمخابرات البريطانية لحماية المصالح النفطية للغرب، حكم الشاه حتى قيام الثورة الإسلامية عام 1979. وكانت تلك لحظة حاسمة في تاريخ إيران الحديث، لايزال صداها يتردد حتى اليوم.

وبطلا المسلسل هما: شهرزاد الطالبة في كلية الطب، والصحفي فرهاد، اللذان يتقابلان في مقهى نادري، مركز المثقفين في المدينة. واعتُقل فرهاد، وهو أحد المؤيدين المتحمسين لمصدق، بعد أن أغلقت قوات الأمن الصحيفة التي كان يعمل بها. وفي الوقت نفسه، أُجبرت شهرزاد على زواج لا تريده لتصبح الزوجة الثانية لصهر بزرج أغا، الذي يشبه شخصية “العراب” والذي يتمتع بنفوذ كبير إذ أنه من المقربين للشاه. ولكن الزواج القسري لم يفرق بين العاشقين.

الضرب على وتر حساس

 

shahrzad-22-1030x557

ويصوّر المسلسل حملات القمع التي شنّتها قوات الشاه ضد الصحفيين والمثقفين الذين أُرهبوا واعتقلوا تعسفًا إلى جانب إلغاء تراخيص الصحف. هذه المشاهد تضرب على وتر حساس في إيران اليوم، في ضوء حملات القمع الأخيرة ضد الصحفيين والنشطاء، خاصة بعد الاضطرابات التي أعقبت انتخابات عام 2009.

ويقول الناقد السينمائي برويز جاهد، إنَّ المراجع التاريخية في مسلسل شهرزاد ليست دقيقة في مجملها، ولكن السرد الجيد للأحداث جعل من المسلسل ميلودراما مثيرة للاهتمام وناجحة تصوّر حلقة مهمة في تاريخ إيران الحديث.

وأضاف جاهد:

هناك أشياء غائبة عن الإنتاج التلفزيوني التابع للدولة، مثل عرض الآلات الموسيقية أو غناء النساء، ولكن المشاهد سيرى تلك الأشياء في شهرزاد. والمسلسلات التي يتم إنتاجها خارج جهاز التلفزيون الحكومي هي ظاهرة جديدة تستحق الدراسة.

ولا يكتفي المسلسل بنقد السياسة الإيرانية السابقة، ولكنه يسلّط الضوء بمهارة على المعتقدات والأعراف الخاطئة التي عفا عليها الزمن والتي لاتزال موجودة في حياة الإيرانيين. واللافت للنظر أيضًا هو أن بعض شخصيات المسلسل، مثل بزرج أغا، المتحالف مع الشاه، لا يُصَوّر بطريقة سلبية بشكل مباشر.

وأوضح جاهد: في الماضي، كان من غير الممكن تناول هذه الشخصيات بطريقة إنسانية، ولكن شخصيات مثل بزرج أغا تثير التعاطف في بعض الأحيان، وهذا شيء جديد. أنت لا يمكن أن تُظهر شخصيات كاريزمية في ثوب شخصيات سيئة في السابق.

انفتاح الإيرانيين على العالم

shahrzad-15

وتُباع كل حلقة من شهرزاد على أساس أسبوعي على موقع المسلسل على الإنترنت، وهو متوافر في المحال التجارية في جميع أنحاء البلاد على أقراص الفيديو الرقمية. ويناشد منتجو العمل الإيرانيين من أجل احترام حقوق التأليف والنشر، وعدم شراء الإصدارات المقرصنة، ولكن هذا تحدٍّ  كبير جدًّا في بلد تُنتهك فيه حقوق طبع ونشر المصنفات الفنية على نطاق واسع.

ويأتي نجاح المسلسل في حين تفشل الجهود الإيرانية ضد أطباق استقبال إشارات الأقمار الصناعية غير القانونية. والمسلسلات التركية، التي تبثها شركات إعلامية مثل “GEM TV” في دبي، تحظى بشعبية كبيرة في البلاد، لأن الإصدارات المدبلجة باللغة الفارسية تعرض مسلسلات تركية مثل The Tulip Age، وتتوافر تلك المسلسلات حتى على قرص تخزين USB.

ويقول مراقبون إنَّ تسامح السلطات مع الخطوط الحمراء التي تجاوزها المسلسل يشير إلى نهج جديد أكثر مرونة.

وعلى الرغم من أن الناس العاديين لا يستطيعون الوصول إلى نيتفليكس، ويرجع ذلك بالأساس إلى القضايا المتعلقة بالمدفوعات الخارجية، فإن هناك مسلسلات تلفزيونية مثل المسلسل العالمي الشهير Breaking Bad” تحظى بشعبية كبيرة في إيران.

وقال جاهد: لقد شاهد معظم الناس مسلسل Breaking Bad” أو Fargo” في إيران. وتمّت دبلجة هذه المسلسلات باللغة الفارسية في السوق السوداء، وهذا صعّب الأمور على صنَّاع السينما الإيرانية؛ إذ يجب عليهم أن يرتقوا إلى مستوى هذه المعايير.

shahrzad-05-1030x557

المصدر