هل يمكن للكمبيوتر أن ينتج أعمالاً إبداعية؟

في عام 1992، بدأت أجهزة الكمبيوتر الشخصية إعادة تشكيل الحياة اليومية، وكتب مؤسس شركةسوني”، ماسارو ايبوكا، أنَّ الحوسبة لا يمكن أن تحلّ محلّ الإنجازات البشرية، نظرًا لافتقارها إلى جودة الإبداع.

وقال ايبوكا في مجلة فورتشن: “الحاسوب ليس إبداعيًا من تلقاء نفسه لأنه مبرمج على التصرف بطريقة يمكن التنبؤ بها، إنَّ الإبداع الحقيقي يأتي من البحث عما هو غير متوقع ويتجاوز التجربة الخاصة بك، وأجهزة الحاسوب لا يمكن أن تفعل ذلك“. ولكنَّ المشاريع الجديدة تشكّل تحديًا لمسألة إبداع الحاسوب مثل مشروع “Beyond the Fence”، وهو المشروع الموسيقي الأول القائم على الحاسوب، والذي يُفتتح في مسرح الفنون بمدينة لندن.

يقول بنيامين تيل، صاحب فكرة المشروع: “منذ البداية، كانت مجرد تجربة لمعرفة ما الذي يستطيع الحاسوب فعله”.

ويعمل تيل ملحناً موسيقياً اشتهر بإبداع موسيقى حفل زفافه، التي أعاد إنتاجها مرة أخرى للكاتب والممثل ناثان تايلور، وفي المشروع، صمّم تيل وفريق من الباحثين من جميع أنحاء العالم سلسلة من الخوارزميات (Algorithms) لعملوصفة سحريةلمسرحية موسيقية استثنائية.

ما الذي يميز الإنسان عن الآلة؟

the-first-computer-generated-musical-turns-technology-into-art-body-image-1456508082-size_1000

كل جزء من الإنتاج (المقدمة، والسردية، والكلمات، والنتائج، وحجم فريق العمل) حدده نظامٌ إلكتروني، وإذا نجحت التجربة، فستكون المسرحية الموسيقية التي تعادل اجتياز اختبار تورنج (طريقة لتحديد ما إذا كان الحاسوب قادراً على التفكير مثل الإنسان أم لا؟).

وقال تيل:

ليس هناك أغنية واحدة في هذا العرض لم تكن مستوحاة أو مكتوبة بواسطة جهاز الحاسوب، وإجمالًا، فقد حدّدت أجهزة الحاسوب المقدمة وأنتجت 25 في المئة من الموسيقى والكلمات“.

وتتحدى التجربة الفجوة بينالعلموالفن”، والاعتقاد بأنَّ ما يجعل البشر بشرًا هو الإبداع، ويمكن برمجة أجهزة الحاسوب للقيام بجميع الأشياء، ولكن لا يمكن أن تخلق الخوارزميات الجودة الفائقة لأي قطعة فنية يتردد صداها بأعماقنا على المستوى الإنساني والعاطفي، وإذا استطاع جهاز الحاسوب كتابة مسرحية موسيقية، أو قصة تؤثر فينا وتحرك مشاعرنا، فما الذي يميز الإنسان عن الآلة؟

يتعلق هذا السؤال بتزايد أعداد الباحثين في مجالالموسيقى المحوسبة”، الذين يدرسون مجموعة من الأعمال الموسيقية والأداء، والتوزيع الموسيقي، والهندسة، والحوسبة ومعالجة الإشارات، والتعلم الآلي والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والسؤال العام عن كيفية استخدام التكنولوجيا لمزيد من الممارسات الفنية.

ما هو إبداع الآلة؟

the-first-computer-generated-musical-turns-technology-into-art-body-image-1456508134-size_1000

يقول جي وانغ، أستاذ الموسيقى وعلوم الكمبيوتر في جامعة ستانفورد، إنَّ تجربة فريق “Beyond the Fence” مثيرة للاهتمام لأنها تختبر الحدود بين ما لا يمكن تحقيقه إلّا بواسطة البشر، وما يمكن إنجازه من خلال الآلات.

ويضيف: “هذه الأمور تجعلك تتساءل عن دور الإبداع البشري وإبداع الآلة؛ بعبارة أخرى، ما هو إبداع الآلة؟”

بالمعنى التقني، لا يوجد شيء من هذا القبيل؛ فأجهزة الحاسوب ليست ذات خيال واسع ولا تبتكر الأشياء بمحض إرادتها، لكنها جيدة جداً في تكرار وخلق الأشياء بأسلوب فني معين، ففي بداية الخمسينيات، كانت أجهزة الحاسوب تتبع خوارزميات بسيطة لتأليف مقطوعة موسيقية، وبحلول التسعينيات، استطاعت أجهزة الحاسوب الرسم بأسلوب بيكاسو وتأليف الموسيقى التي تشبه موسيقى باخ.

وقال روجر داننبيرغ، أستاذ علم الحاسوب، والفن، والموسيقى بجامعة كارنيجي ميلون:

إن تاريخ التأليف الموسيقي بواسطة أجهزة الحاسوب يعود إلى تاريخ الحوسبة نفسها، لقد تطور التعلم الآلي بشكل سريع جدًا، وكان هناك الكثير من العمل مؤخرًا على تطبيق تقنيات التعلم الآلي على مجال مثل الموسيقى“.

خذ على سبيل المثال، خوارزميات خدمة Spotify، حيث الآلة لا يمكن أن تحكم على الجودة الفنية للأغنية، ولكن يمكنها استخدام البيانات للتنبؤ بالأغاني التي ستستمتع بها، كما أن أجهزة الحاسوب ليست عاطفية، ولكنها طوال سنوات عديدة كانت قادرة على تخمين الأشياء التي من شأنها أن تثير مشاعرنا، وذلك باستخدام البيانات والنسخ المتماثل، وجزءٌ من بدء المشروع الفني الجديد هو البحث عن مصادر الإلهام، وما هو الإلهام إن لم يأت من البيانات؟

لقد كانت عملية استخراج البيانات هي الخطوة الأولى، وربما الأهم في بناء مشروع “Beyond the Fence”؛ لقد صمّم خبراء الإحصاء في جامعة كامبردج خوارزمية للبحث فيما يقرب من 2000 مسرحية موسيقية لإيجاد الأنماط التي تفصل بين المقطوعات الناجحة من المقطوعات الفاشلة، (وهي تشكّل أكبر دراسة للبيانات حول المسرحيات الموسيقية في العالم).

العاطفة نتاج اللمسة البشرية

ووجد الباحثونبناءً على التحليل الإحصائي – أن أفضل فرصة لتصميم موسيقى مسرحية ناجحة كانت في أوروبا في الثمانينيات، وإظهار المرأة كبطلة للمسرحية، وتضمين صراع الحرب بداخلها، كما كان لا بُدّ من وجود مقطوعة موسيقية مثيرة في كل فصل، وموت في منتصف الفصل الثاني، وفقرة كوميدية أيضًا.

لقد استخدم الباحثون نظامًا يعتمد على الحاسوب لعمل المقدمات، تمّ تصميمه بواسطة فريق من جامعة لندن لإكمال معالم الحبكة، وبعد ذلك قال تيل إنَّ الفريق كان عليهملء الفراغات“.

وقال تيل: “إعطاء الآلات الرخصة لتصميم هذه المعالم حرّر الفريق للتركيز على الأدوات العاطفية، مثل الحوار، الذي يُعد آلة تحليل الاستماع التي تشغل الآلاف من أشرطة الموسيقى، وتخلق مولد الشعر والكلمات، ومعظمها يكون سيئاً جداً، لكن فريق العمل يبحث بداخلها للعثور على عبارات يمكن أن تُستخدم في المسرحية الموسيقية، وربما تساهم الآلات في تصميم المقطوعات الموسيقية، لكن اللمسة البشرية هي التي تثير مشاعرنا وتحرك عواطفنا“.

نقاط قوة

وكتب تيل المسودة الأولى من المشروع في غضون بضعة أسابيع، وانتهى فريق العمل من العرض كله في أربعة أشهر، وعلى سبيل المقارنة، أمضى تيل أكثر من سنة في البحث وكتابة المسودة الأولى لمسرحيات غنائية سابقة، وقال إنه كان هناك شيء غير مريح قليلًا عن التنازل عن جزء أساسي من العملية الإبداعية لخوارزمية إلكترونية، وأشار وانغ إلى أن العملية استغلت نقاط القوة في البشر وأجهزة الحاسوب.

وأردف وانغ: “الآلات جيدة في البحث عن البيانات، والبشر يجيدون الدور التنظيمي، إنَّ العملية لا تشبه أن يكتب شخص برنامجاً ما ويضغط على زر ثمّ تكون النتيجة سيناريو مسرحية موسيقية، هناك الكثير من القرارات البشرية في هذه العملية المعقدة”.

ومن جانبه، قال تيل: “إذا قمت بهذا المشروع وفجأة أدركت في غضون عشر سنوات أنني سأكون بلا وظيفة، فهذا أمر محبط جداً“.

وأوضح أنه لم يسمع الكثير من الحديث عن الجوانب المعتمدة على الحاسوب في المشروع، وأضاف: “يبدو أن الناس تشاهد العرض دون الحاجة لتلك المناقشة، وهو أمر غريب، لكنهم يتحدثون عن الحبكة“.

وهذا هو الهدف بالضبط؛ إنها ليست رؤية روبوتية للمسرحية الموسيقية، بل مسرحية موسيقية مدعومة بواسطة التكنولوجيا، وقد يكون مصدر الأدوات مختلفًا عن المسرحية الموسيقية العادية، لكنه لا يزال يشبه عرضنا، وليس شيئًا صممته أجهزة الحاسوب.

can-machines-write-musicals-body-image-1456521735-size_1000

المصدر

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.