بعد نجاحها في الهروب.. أم تروي رحلتها مع طفلها إلى جحيم داعش

"لقد تذكرت كل شيء، وسألت نفسي كيف حدث هذا، كيف فعلت هذا؟ نعم، لقد كنت ساذجة، وفكري مشوش، وضعيفة وسريعة التأثر، ولكن كيف كان هؤلاء الأطفال أذكياء لدرجة غسل دماغي وإقناعي بالانضمام إلى داعش؟ إنه سؤال ما زلت أسأله لنفسي".

“ذهبتُ للانضمام إلى داعش في سوريا، مع طفلي البالغ من العمر أربع سنوات، لقد كانت رحلة إلى الجحيم”، هكذا وصفت صوفي كاسيكي قصتها مع داعش، فهي واحدة من عدد قليل من النساء اللاتي هربن من مدينة الرقة، معقل تنظيم الدولة الإسلامية.

براثن الوحوش

نظرت صوفي كاسيكي إلى صورة طفل صغير يتحدث اللغة الإنجليزية، يرتدي زيًا مموّهًا ويحمل شارة سوداء مغطاة بكلمات عربية تدعو إلى قتل الكفار في أحدث دعاية من تنظيم الدولة الإسلامية.

امتلأت عيناها بالدموع ولكنها تماسكت، وقالت في صوت متذبذب: “كان يمكن أن يكون هذا ابني”، وأضافت: “من الصعب بالنسبة لي أنّ أقول ذلك لأنه يجعلني أريد البكاء، كنت لأقتل نفسي وابني ولا أسمح له أن يكون قاتلًا، ولا أن يقع في براثن هؤلاء الوحوش؛ هؤلاء الوحوش هم مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية”، وقالت كاسيكي إنها تعرف أن ابنها البالغ من العمر أربع سنوات فقط مُعرّض في أي وقت لخطر الوقوع في عرين الجهاديين “لأنها أخذته معها هناك”.

رحلة إلى الجحيم

1594

كاسيكي هي واحدة من عدد قليل من النساء في الدول الغربية اللاتي ذهبنّ إلى عاصمة الخلافة المعلنة بمدينة الرقة في سوريا، وعادت لتحكي قصتها، وقالت في أول مقابلة لها مع صحيفة بريطانية، إنها كانت رحلة إلى الجحيم بدت وكأنها بلا عودة.

وقالت لصحيفة Observer: “لقد شعرتُ بالذنب، وسألت نفسي كيف أستطيع أن أتعايش مع ما قمت به، كيف لي أن أذهب مع ابني إلى سوريا، لقد كرهت الذين تلاعبوا بي، واستغلوا سذاجتي وضعفي، وانعدام الأمن في بلدي، لقد كرهتُ نفسي”.

وهناك ما يقرب من 220 امرأة فرنسية انضمت إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، وذلك وفقًا لأجهزة الاستخبارات في البلاد، وقبل عامين فقط، كان 10% من الذين غادروا فرنسا للانضمام إلى الجهاديين من النساء، واليوم وصلت النسبة إلى 35%، وقد نشرت كاسيكي قصتها بعنوان “ليلة في داعش” من خلال دار نشر روبير لافون، ومَن يقرأها يشعر وكأنها فيلم.

بداية القصة

كاسيكي امرأة شابة ولكنها ذات إرادة قوية، ولا تبدو مجنّدة محتملة للقضية التي يدافع عنها تنظيم داعش، وُلِدت كاسيكي في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ونشأت وسط أسرة كاثوليكية من النساء المستقلات، كانت في التاسعة من عمرها عندما أُرسلت للعيش مع أختها الكبرى بالقرب من باريس بعد وفاة والدتها التي لا تزال تطلق عليها اسم “الملاك الحارس”، لكن وفاة أم كاسيكي جعلها تعاني من الاكتئاب في مرحلة الطفولة، الأمر الذي ألقى بظلاله على مرحلة المراهقة والبلوغ، وسبب لها “ثقبًا في القلب” لم يستطع الزواج السعيد ولا حتى الأمومة أن تسدّ هذا الثقب.

تعمل كاسيكي عاملة اجتماعية تساعد العائلات المهاجرة في ضواحي باريس، لكنها قررت اعتناق الإسلام دون أن تخبر زوجها الملحد، واعتقدت أنَّ هذا من شأنه أن يسدّ الفجوة التي تعاني منها في حياتها، لكنَّ إيمانها الجديد لم يجلب لها سوى راحة نفسية مؤقتة فحسب، وقدّم لها ثلاثة أطفال مسلمين، أصغرهم يبلغ من العمر 10 سنوات، تناديهم بــ”الصغار” وتمزح معهم وكأنهم إخوتها الأصغر سنًا.

تغيير الأدوار

في سبتمبر عام 2014، اختفى أطفالها الثلاثة وذهبوا بعد ذلك إلى سوريا، وكانوا على اتصال يومي بكاسيكي، وقد رأت كاسيكي نفسها كوسيط بين ثلاثة أولاد يحتاجون ببساطة معرفة أن أمهاتهم تفتقدهم بشدة وتريد كل منهم عودتهم إلى المنزل بأسرع وقت ممكن، وببطء تغيّرت الأدوار، وقالت كاسيكي: “اعتقدت أنني كنت أسيطر على الوضع، ولكني أدركت الآن أنهم كانوا مُدربين على تجنيد أشخاص مثلي، وشيئًا فشيئا لعبوا على نقاط ضعفي، وكانوا يعرفون أنني يتيمة وأنني قد اعتنقت الإسلام مؤخرًا، ويعرفون أنني لا أشعر بالأمن”.

في 20 فبراير عام 2015، أخبرت كاسيكي زوجها أنها سوف تسافر للعمل في دار للأيتام باسطنبول لبضعة أسابيع مع ابنهما، ولكنها سلكت الطريق الجهادي المهترئ إلى جنوب تركيا ومن ثمّ إلى سوريا.

في عرين الدواعش

25

في معقل داعش بمدينة الرقة، كان واقع الحياة اليومية مختلفًا تمامًا عن “الجنة” التي رسمها أصدقاء كاسيكي، تمّ إعطاء أوامر لكاسيكي بعدم الخروج وحدها، وتغطية جسدها من الرأس إلى أخمص القدمين، وتسليم جواز سفرها، والحدّ من الاتصالات مع أسرتها في فرنسا.

في مستشفى الأمومة بالمدينة التي يسيطر عليها تنظيم داعش حيث كانت تعمل كاسيكي، كانت مصدومة من الأوضاع المزرية، وعدم اهتمام الموظفين بمعاناة المرضى، والتسلسل الهرمي في المدينة الذي يضع “المقاتلين الأجانب المتعجرفين” على قمة المجتمع والسوريين أسفل منهم، كانت كاسيكي تعيش في شقة رحل عنها أصحابها السوريون، يوجد بها قفص لعصافير الكناري، في إشارة إلى السجن التي كانت كاسيكي وابنها يعيشان فيه.

تدارك الخطأ

استغرق الأمر 10 أيام فقط حتى تستيقظ كاسيكي مما وصفته بأنه “سبات تعجيزي”، بدافع من الرسائل والصور العائلية التي كان يرسلها زوجها اليائس، لتدرك خطأها الفادح، وتقول: “طلبتُ العودة إلى الوطن، لقد افتقدت عائلتي، وابني بحاجة لرؤية والده، في البداية قدّموا الأعذار ثم هدّدوني، وقالوا إنني امرأة وحيدة مع طفل، ولا يمكن أن أذهب إلى أي مكان، وإذا حاولت الرحيل سيتم رجمي أو قتلي”.

وقالت: “كنت أشعر بالرعب من أن يأتي شخص ما ويأخذني إلى السجن وأترك ابني معهم، كنت أتحدث معه طيلة الوقت، حاولت ترسيخ بعض الأمور التي لن ينساها أنني ووالده نحبه كثيرًَا، وأنه يجب أن يكون ودودًا تجاه الفتيات، وتحدثتُ على أمل أنه سيفهم كلامي، وإذا حدث شيء لي وسقط في براثن داعش سيتردد صدى صوتي في رأسه ولن يكون قادرًا على القتل، كنت أحاول حمايته”.

عندما طلب أحد الفرنسيين أن يأخذ الصبي للصلاة في المسجد، قالت: “ابتعدوا عن ابني”، كان ردها بمثابة لكمة في وجهه، “كنت في مدينة غريبة، لا أعرف فيها أحد ولا أتحدث اللغة العربية، نظرت إلى ابني وأدركت أنني ارتكبت خطئًا جسيمًا، ربما الخطأ الأسوأ في حياتي، أدركتُ بعد ذلك أنه يجب أن أكون قوية وأبذل قصارى جهدي لإخراجه من هناك”.

أخذ بعض الفرنسيين كاسيكي وابنها إلى دار الضيافة، وهو منزل لعشرات من النساء الأجنبيات، وقد شعرت كاسيكي بالصدمة لرؤية الأطفال الصغار وهم يشاهدون قطع الرؤوس وأعمال القتل على شاشات التلفزيون، بينما تهلل وتصفق أمهاتهم، إذ تقول: “ترى النساء مقاتلي داعش باعتبارهم أمراء، رجال أقوياء يستطيعون حمايتهم، كان السبيل الوحيد للخروج من دار الضيافة هو الزواج من أحد هؤلاء المقاتلين، في الواقع، كانت النساء الغربيات مجرد أرحام لإنجاب الأطفال”.

محاولة للهرب

5

في اليوم التالي، وفي حين ينظم حراس السجن حفل زواج، اكتشفت كاسيكي بابًا مغلقًا للخروج من دار الضيافة، واستمرت في المشي.

سرديتها عن الهروب من مدينة الرقة كانت أكثر إثارة من الأفلام الإثارة والتشويق، بعد أن أخذتها أسرة محلية خاطرت بحياتها لتؤويها، تواصلت كاسيكي مع مقاتلي المعارضة السورية، وفي ليلة 24 أبريل لعام 2015، أخذت شابة سورية كاسيكي، وأخفت ابنها تحت النقاب، على دراجة نارية إلى الحدود التركية، لو تمّ توقيفهم عند نقطة تفتيش أو القبض عليهم أثناء الهروب، سيكون مصيرهم الموت.

في باريس، تمّ استجواب كاسيكي من قِبل ضباط المخابرات الفرنسية، وتمّ حبسها في السجن لمدة شهرين ومنعها من أي اتصال مع عائلتها، واليوم، تجري مصالحة بينها وبين زوجها لكنها لا تزال تواجه اتهامات بخطف طفل صغير.

نجاة ومراجعة للنفس

“لقد تذكرت كل شيء، وسألت نفسي كيف حدث هذا، كيف فعلت هذا؟ نعم، لقد كنت ساذجة، وفكري مشوش، وضعيفة وسريعة التأثر، ولكن كيف كان هؤلاء الأطفال أذكياء لدرجة غسل دماغي وإقناعي بالانضمام إلى داعش؟ إنه سؤال ما زلت أسأله لنفسي”.

تعلم كاسيكي أنَّ الحظ حالفها أثناء هروبها الاستثنائي؛ هذا الهروب الذي لن تحظى به العديد من الفتيات والنساء الغربيات اللاتي أغرتهنّ دعوات تنظيم الدولة الإسلامية.

بعد عودتها إلى فرنسا، أظهر لها زوجها صورة لابنهما وهو يمسك بندقية آلية، فقالت: “هذه الصورة اُلتقطت ونحن هناك، ولكن هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها تلك الصورة، لقد شعرت بألم في قلبي”.

“شعرتُ بالسوء لأني أخذتُ ابني إلى هذا الجحيم، وكثيرًا ما أشعر بأنني عاجزة تمامًا بسبب هذا الذنب، ولكن يجب أن أكون قوية واستمر في حياتي، الجزء الأكثر صعوبة انتهى الآن، لقد نجونا من براثن هؤلاء الناس ونحن على قيد الحياة، ولكن يجب أن أمنع الآخرين من الانجرار إلى هذا الرعب، ماذا عساي أن أقول؟ لا تذهبوا هناك”.

المصدر: The Guardian