قصة الألماني اليهودي الذي أصبح باشا عثمانياً

وُلِدَ محمد أمين باشا يهودياً في ألمانيا، ثم اعتنق المسيحية فالإسلام، وعُيِّن في نهاية المطاف حاكمًا لولاية عثمانية

48574369.cached

هو محمد أمين الباشا العثماني، الذي وُلِدَ يهوديًا وكان اسمه إسحاق إدوارد شنيتزر، ثم أصبح مسيحيًّا باسم إدوارد كارل أوسكار تيودور شنيتزر، هي قصة ممتعة عن التعددية الثقافية، فهذا الطبيب اليهودي الذي أصبح مسيحيًا، ثمّ مسلمًا، هو دليل على أننا جميعًا متشابهون وأنَّ هذا التمييز لا يهم، ولكن يجب أن يتوخى الكونيون الحذر، فهذا الباشا لم يكن لوينارد زيليج في الفيلم الشهير “Zelig”، يتلون مثل الحرباء في لحظات تاريخية مختلفة، ولكنه تكيّف بسلاسة ووقف بجرأة، وأثبت أن أفضل وسيلة للمساهمة في العالم هي وضع أساس لهويات في ثقافات معينة والعمل على المُثل الأساسية.  

وُلِدَ شنيتزر في أوبلين، سيليسيا في 28 مارس عام 1840، لعائلة يهودية ألمانية، وكان والده تاجرًا، يجسّد وهم التنوير بأننا مثلما غنى جون لينون يمكن أن نغني أيضًايعيش الكل كواحد، لكن التنوير الكلاسيكي الذي كان يؤمن به والد شنيتزر كان بمنزلة عقد صفقة مع الشيطان، ومن أجل الحرية تخلى معظم اليهود عن الكثير من هويتهم اليهودية، على الرغم من أنّ المجتمع الأوروبي لن يتقبّلهم تمامًا.

عندما كان آيزاك في الخامسة من عمره، مات والده، وتركت أمّه أهلها لتتزوّج من مسيحيّ من أجل مزيد من القبول في المجتمع، وعُمّد ليُصبح اسمه إدوارد كارل أوسكار ثيودور شنيتزر، ودافع شنيتزر في شبابه عن القومية الألمانية كتجسيد للإنسانويّة الغربية، وبعد دراسته في عدّة جامعات ألمانية مثل بريسلاو، وكونيغسبرغ، وبرلين، أصبح طبيبًا يستخدم العلم الحديث لينقذ أرواح البشر.  

وخرج عن مساره مؤقتًا عندما فشل في تقديم أوراقه للحصول على رخصة لمزاولة الطب، فقرر السفر إلى إسطنبول.

الهجرة من أوروبا إلى العالم الإسلامي

muslim-ummah

في أنتيفاري بالجبل الأسود، استأنف إدوارد شنيتزر ممارسة الطب بعيدًا عن الرقابة الألمانية، وبعقليّته الفذة في تعلم اللغات، أتقن التركية، والألبانية، واليونانية، وعددًا آخر من اللغات، فقد كانت البيئة المتعددة اللغات مناسبة له، وهو ما أهّله ليعمل في مكتب الحجر الصحي في الميناء، ليتعامل مع المهاجرين، ثمّ شقّ طريقه للعمل تحت حاكم شمال ألبانيا، إسماعيل حقي باشا، وفي واحدة من أكثر تصرفاته إثارة للريبة، عاد إلى ألمانيا عام 1873، مدّعيًا أن أرملة إسماعيل حقي باشا وأطفاله هم زوجته وأطفاله. لكنّ هذا الادّعاء انتهى فجأة عام 1875، ليدخل بعدئذ شنيتزر إلى عالم الإسلام.

ووصل شنيتزر إلى الخرطوم عام 1875، لممارسة الطب واعتنق الإسلام ليصبح محمد أمين، وشارك أيضًا في مجال علم الحيوان الأوروبي في القرن التاسع عشر وعلم الطيور، وإرسال عينات الحيوانات والطيور إلى المتاحف بعواصم أوروبا، ثمّ دعاه حاكم الإقليم الاستوائي (جنوب السودان وشمالي أوغندا حاليًا)، ليصبح رئيس الضباط الأطباء، وفي عام 1878، عُيّن حاكمًا ليصبحبيه“.

ومع هذه المناصب بدأ أمين نضاله ضد الاستعباد، وبعد عقدين من الحرب الأهلية الأمريكية، كتب المستكشف الإيطالي جاياتانو كاساتي، الذي كان صديقًا لأمين بيهكان العرب، بكراهيتهم لمن لا يعتنقون أي دين، ودهسهم كل الحقوق الإنسانية، اصطادوا السكّان الأصليين وكأنهم حيوانات بريّة، وأصبحت مصر وزنجبار وامبوريومس مركزًا من اللحوم البشرية “.

a64b3d19a4a2e82303c352ae596852fd

وفي عام 1881 اندلعت ثورة المهدي التي أثارت الفوضى العارمة في السودان، وفي عام 1885 وصلت قصص أمين إلى الصحف الأوروبية التي وصفت مغامراته، وفي العام التالي جعلته الإمبراطورية العثمانيةباشا، وهو ما زاد من  شهرته  في شمال إفريقيا وأوروبا الغربية.

وبالرغم من احتفاظه بالكثير من القِيم الغربية، أحبّ أمين باشا إفريقيا، وطنه الجديد، وهو ما حيّر أقرانه من الأوروبيين. وأصبح هذا الصدام واضحًا في عام 1887، حينما أرسل هنري مورتون ستانلي، الصحفي والمستكشف، حملة لإنقاذ أمين باشا والعودة به إلى الوطن. أصرّ ستانلي أن الحملة التي تكلفت 32 ألف جنيه إسترليني ليست عسكرية، ولا تهدف إلى التدمير أو التخريب، بل لإيصال وسائل الراحة لأمين باشا.

وقبل الوصول إلى أمين باشا، اكتشف ستانلي مدى صعوبة الظروف في إفريقيا، كان الظلام قاتمًا، وكانت غابات الإيتوري كثيفة لدرجة أن 169 من أصل 389 أعضاء الحملة ظلّوا على قيد الحياة، وهذه الظروف القاسية ألهمت ستانلي لتسجيل رحلاته في كتاب بعنوانIn Darkest Africa”  وإنتاج العديد من الكليشيهات حول تلك القارة المشؤومة والأقزام، وعندما وصل أخيرًا إلى أمين باشا، رحّب الأخير بإمدادات ستانلي لتعزيز موقفه لكنه رفض مغادرة البلاد.

وللأسف، أضرت بعثة ستانلي بمكانة أمين باشا عند السكّان المحليين، مما أثار تمردهم، وسافر أمين مع حملة ستانلي إلى الساحل في ديسمبر عام 1889، ثمّ كُسرت جمجمته بعد أن سقط من شرفة الطابق الثاني بإحدى المنازل.

العودة إلى افريقيا

41b7f4b73d741f15838539285276b7ce_1M

وفي عام 1890، أرسلت ألمانيا أمين باشا على رأس حملة استكشافية حول بحيرة فكتوريا الواقعة في شرق إفريقيا، لتأكيد السيادة الألمانية هناك، وكسر النفوذ العربي، وعانى أمين باشا من السياسات الاستعمارية الألمانية، والتوترات التي يثيرها الجنود من السكّان الأصليين، والأمراض المختلفة على مدار عامين حتى توقيع الاتفاقية الأنجلو ألمانية في الأول من يوليو عام 1890، لتذهب هذه القطعة من الأرض إلى بريطانيا.

وفي مارس عام 1892، وصلت الحملة إلى إبوتو بغابات إيتوري في الكونغو،  مما أثار حماسة أمين باشا المميزة تجاه الغرب والشرق والتي ميّزته عن السكان المحليين هذه المرة،  لكنَّ الأمر الأكثر إشكالية هو أن جميع هؤلاء الأوروبيين في الحملة نقلوا ذبابة تسي تسي المسببة لمرض النوم القاتل من أوغندا إلى الكونغو.

وفي نهاية المطاف، لم تتماشَ المُثل الغربية التي تبناها أمين باشا مع شرق إفريقيا، وفي أواخر أكتوبر من عام 1892، قتله اثنين من تجّار الرقيق العرب، وبعد أكثر من 120 عاما، مازال استعباد العرب المسلمين للسود المسيحيين يمثل مشكلة في السودان، ويقول عالم الأنثروبولوجيا جوك مادوت جوك في كتابهالحرب والعبودية في السودان، مردّدًا كلمات أمين باشا بعد مرور قرن: “إنَّ العرب الذي يختطفون العبيد ينتقون ضحاياهم بناءً على العِرق والجنس والدين، ويعتبرون السود في الجنوب كائنات أقلّ في المرتبة“.

واليوم، تتم مطابقة الغطرسة الإمبريالية التي لم تتصوّر التعلّم من غير الغربيين بغطرسة شخص مناهض للإمبريالية كان يمقت التعلّم من الغرب، ومع ذلك كان أمين باشا يهوديًا ومسيحيًا ومسلمًا، لقد حاول هذا الغريب الصادق، هذا الكونيّ الحقيقي، التوفيق بين تقاليد مختلفة في بيئات متنوعة، وليس خلق هوية إنسانية عامة بل دمج أفضل ما في الشرق والغرب.

المصدر

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.