دراسة: هل تزيد الموسيقى ذكاءَ الأطفال؟

rtr2mvwk

يعتقد الكثير من الآباء أنَّ الموسيقى الكلاسيكية تجعل الأطفال أكثر ذكاءً، وهذا اعتقاد خاطئ تمامًا.

ليس هناك أدلة قوية على أن الاستماع إلى موسيقى موتسارت، أو الاستماع إلى أي موسيقى أخرى يطور الذكاء أو أيٍّ من المهارات المعرفية في المجالات غير الموسيقية، هكذا يقول صموئيل ميهر، وهو طالب دكتوراه بجامعة هارفارد يدرس تأثير الموسيقى القوي والغامض على الناس.

إذن، لماذا استمرت خرافة تأثير موتسارت؟

بدأ هذا الاعتقاد في بداية التسعينيات، مع مجموعة صغيرة من طلاب جامعة كاليفورنيا في إيرفين، يستمعون إلى موسيقى موتسارت، وبالأخص مقطوعة Two Pianos in D major, K448″.

قسّم الباحثون غوردون شو، وفرانسيس روشر، وكاثرين كنتاكي 36 طالبًا إلى ثلاث مجموعات: الأولى تستمع إلى موتسارت، والثانية تستمع إلى التنويم المغناطيسي الذاتي، في حين تجلس الثالثة في صمت تام.

وبعدئذ، اختُبرَتْ جميع المجموعات بقياس الذكاء المكاني، وهو تخيل عقلي لبسط قطعة من الورق تمّ طيها مرات عديدة ثمّ قطعها، فهل يمكنك تحديد ورقة مطوية من خمسة أمثلة بشكل صحيح؟ أولئك الذين استمعوا إلى موتسارت كان معدل ذكائهم أعلى بمعدل 8-9  نقاط من المجموعتين الأخريين، واستمر مفعول تلك الموسيقى 15 دقيقة.

حركة وليدة

Baby-music

عندما نشر الباحثون دراستهم في عام 1993، ظهرت حركة الموسيقى تجعلك أكثر ذكاءً بين أولياء الأمور على الرغم من أن الباحثين لم يتحدثوا عن تأثير موتسارت وكانت عينات البحث من طلاب جامعات، لا من مجموعة من الرضع، وقد أوصى حاكم ولاية جورجيا بأن يحصل كل طفل يولد في ولايته على أسطوانة مجانية من الموسيقى الكلاسيكية (عرضت شركة سوني إنتاج تلك الاسطوانات مجانًا). وادّعى دون كامبل أنَّ موسيقى موتسارت تجعلك أكثر ذكاء وصحة وسعادة، وكتب تأثير موتسارت، وتأثير موتسارت على الأطفال، وسوّق كذلك  لمجموعة من المنتجات ذات الصلة، من ضمنها أشرطة الفيديو التي تحمل عنوان Baby Einstein”، مع الدمى والموسيقى الكلاسيكية في الخلفية، والتي أصبحت سمة أساسية من سمات الأبوة والأمومة الخالية من الشعور بالذنب، وتم تسويق المنتجات على أنها وسائل تعليمية، ولطالما بحث الآباء عن حلول سهلة للألغاز المرتبطة بالأطفال: كيفية جعل طفلك يتناول الطعام، وينام، ويرتدي حذاءه، وبطبيعة الحال، يتعلم، ولكن اتضح أن عملية تعليم الأطفال شاقة ومضنية، فلا يقتصر الأمر على مجرد تشغيل موسيقى موتسارت.

وحدد العلماء ثلاث نظريات محتملة لتفسير التحسن القصير الأمد الذي أظهره المستمعون لموسيقى موتسارت عند توقع الأشكال: التأثير العصبي الحيوي الذي يحفز فيه الاستماع إلى الموسيقى أنماط إطلاق قشرية في الدماغ مماثلة لتلك المستخدمة في الاستدلال المكاني، وتأثير النقل الذي تتنقل فيه المهارات المكتسبة من منطقة إلى أخرى، وتأثير الاستثارة والمزاج، الذي يشير إلى أن الموسيقى تحفز الدماغ، وهذا بدوره يحسن الوظيفة الإدراكية.

1000509261001_1707071048001_BIO-Biography-20-Composers-Wolfgang-Amadeus-Mozart-SF

ففي عام 1999، أجرى كريستوفر كاربيس، الذي كان طالبًا للدراسات العليا بكلية التربية والتعليم في جامعة هارفارد، تحليلًا شاملًا لــ 16 دراسة حول تأثير الموسيقى على الأداء الإدراكي، ووجد أن لها تأثيرًا صغيرًا على مهارات التفكير المكاني، ووصفه باسم تأثير استثارة الاستمتاع الإيجابي المتقطع.

وأظهرت دراسات وتحليلات شاملة أخرى تأثيرًا بسيطًا ناجمًا عن جميع أنواع الموسيقى، بما في ذلك موسيقى ياني، ووجدت دراسة على 8000 طفل بريطاني أنَّ الاستماع إلى موسيقى موتسارت String Quintet in D Major” عشر دقائق تحسن القدرة على التنبؤ بالأشكال الورقية، ولكن موسيقى البوب من فرق مثل “Blur” أثبتت أنها أكثر فعّالية.  

لذلك يبدو أنَّ الاستماع إلى الموسيقى يؤدي إلى تحسن قصير الأجل، ومهارات التنبؤ بالأشكال، لكنْ له تأثير طفيف على تحسين الإدراك الكليّ على المدى الطويل.

ولكن لماذا استمر هذا النقاش حتى الآن؟ الناس يحبون الإجابات البسيطة، كما يقول مهر، الذي يدرس الآثار الاجتماعية للموسيقى على الأطفال، من بين أمور أخرى، لدى الناس أفكار قديمة عن حقائق علمية أصبحت محض هراء.

ما أضرار الموسيقى على الأطفال؟

music_notes-1920x1200

إذا لم تجعل الموسيقى الأطفالَ أكثر ذكاءً، فبالتأكيد لن تؤثر الموسيقى الكلاسيكية على نمو الرضيع، وإذا كانت تُشعر الوالدين بالهدوء والسكينة، فإنه من المحتمل أيضًا أن تعمل على تهدئة الأطفال.

من الأفضل تقديم حلول مدروسة جيدًا إلى صنّاع القرار وأولياء الأمور لتحسين الوظيفة الإدراكية والصفات غير المعرفية مثل المثابرة. ويشير دانيال يلينغم، أستاذ علم النفس في جامعة فرجينيا، إلى أن هناك أدلة عديدة على أنَّ الأطفال يتعلمون أكثر عندما يقرأ لهم الآباء الكتب، فالتعلّم عملية تراكمية في المقام الأول، كما تساعد القراءة في التعلم المبكر، الذي يساعد في بناء قدرات التعلم بعد ذلك.

وكتب يلينغم: إنَّ الأبحاث التي تشير إلى أن القراءة تجعل الأطفال أكثر ذكاءً أقوى من الأبحاث التي تشير إلى أن تأثير موتسارت يجعل الأطفال أكثر ذكاءً.

الاعتقاد بأنَّ الاستماع إلى موسيقى موتسارت سيجعل طفلك أكثر ذكاءً يشبه الاعتقاد أن تطبيق Lumosity” سيمنع الإصابة بالخرف أو أنَّ مقاطع فيديو “Baby Einstein” ستجعل طفلك أكثر ثقافة. تعترف كلا الشركتين بحقيقة أن الإعلان عن مزاعم تعزيز الذكاء هي إعلانات مبالغ فيها: لقد عرضت شركة Baby Einstein المملوكة لديزني إعادة الأموال للآباء الذين لم يتحسن أطفالهم بعد مشاهدة مقاطع الفيديو ودفعت شركة Lumosity  مليوني دولار للجنة التجارة الاتحادية لتسوية المزاعم التي تقول إنَّ تأثيرات برامج تدريب المخ التي تقوم بها الشركة مبالغ فيها.

وبالتأكيد فإن الموسيقى هدية رائعة للأطفال، فالانضباط والمثابرة والمتعة من بين أشياء كثيرة قد يحصل عليها الطفل من الموسيقى، ولكن الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية بشكل إلزامي على أمل أن تعزز معدل ذكاء الطفل في وقت لاحق في الحياة سوف يترك أثرًا غير مرغوب فيه لدى الطفل.

المصدر