نَقْش”.. منزل قديم في قلب عمّان تحول إلى مقهى لتبادل الثقافات”

amman naqsh 3

ضاق الباحث حكيم الخطيب ذرعًا بفكرة أن كل شيء في الشرق الأوسط يدور حول السياسة والدين، واتجه إلى “نَقْش”، وهو مقهى ثقافي مثير للاهتمام في العاصمة الأردنية، عمّان، في حين تهيمن الصراعات السياسية على الخطابات في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وتطبع كل شيء بطابعها لدرجة أنَّ الجوانب الثقافية والتاريخية والفلسفية للحضارة الإنسانية في هذه المنطقة مؤطرة بمفردات سياسية، مما أدى إلى تقليل تنوع نسيج هذه المجتمعات.

ومع تحدي هياكل التصنيف الجامدة، يحاول الأردنيون بموارد شحيحة خلق ورفع وتنفيذ أفكار مبتكرة على المستوى المحلي، والهدف من ذلك هو زيادة الوعي وتطوير طرق جديدة للتفكير، لا لتحسين حياة الناس في المنطقة فحسب ولكن لتعزيز الحوار الثقافي بين الشرق الأوسط والغرب أيضًا، وربما لايزال تأثير هذه المشاريع ضعيفًا على المستوى الكليّ، لكنَّ تأثيرها كبير على المستوى الجزئي في المجتمع الأردني.

فضاء ثقافي بجهد جماعي

amman cafe naqsh 2

المقاهي الثقافية مثل نَقْش وسط عمان، هي أمثلة على هذه المشاريع المحلية، وأسس المقهى اللاجئُ الفلسطيني يحيى أبو صافي في عام 2014، ووُصف هذا الفضاء الثقافي بأنه “مشروع اجتماعي بيئي”، تأسس على بقايا منزل قديم بُني في عام 1919 وهُجر منذ أكثر من 15 عامًا.

وبدأ أبو صافي ترميم المنزل في عام 2013، وتطوع العديد من الأردنيين للمساعدة في ذلك، جنبًا إلى جنب مع مجموعة من الأوروبيين والآسيويين الذين انضموا إلى تلك الجهود في وقت لاحق، ولذلك فإنَّ “نَقْش” هو نتاج جهد جماعي من الأردنيين والفلسطينيين والسوريين واليابانيين والفرنسيين والألمان، وتكمن القيمة الاجتماعية والثقافية للمقهى في تعزيز التبادل الثقافي بين السكّان المحليين أنفسهم، ومع الأجانب أيضًا.

وقال أبو صافي: “عندما بدأنا ترميم المنزل، تساءل بعض السكّان المحليين عن هذه الفكرة الغريبة؟ لقد كانت فكرة إنشاء مقهى ثقافي في وسط مدينة عمّان غريبة جدًا على الناس في ذلك الوقت”.

واستضاف المقهى العديد من الفعاليات الثقافية مثل الحفلات الموسيقية والمعارض الفنية والمسرحيات والأمسيات الشعرية وفعاليات التبادل اللغوي.

وأضاف أبو صافي: “بدأ العديد من الأشخاص يحضرون فعالياتنا، وخاصة أن المنزل يقع في الوسط بين شرق عمان وغربها”.

نقطة التقاء بين طبقات المجتمع

amman naqsh 2

وتنقسم العاصمة عمّان إلى قسمين متباينين: غرب عمّان، وهي منطقة ثرية وفخمة وراقية، في حين أنَّ منطقة شرق عمّان معظمها من الفقراء والمهمّشين، ويسكن غرب عمّان النخبة من المديرين والدبلوماسيين والمسؤولين الحكوميين رفيعي المستوى، ورجال الأعمال، والبنية التحتية والخدمات العامة كالمدارس والمراكز الطبية مجهزة تجهيزًا جيدًا، وإن كانت مكلّفة على نحو غير ملائم، فإنها توجد في كل زاوية، وعلى النقيض من ذلك يعاني شرق عمّان انهيارًا في البنية التحتية ونقصًا في الخدمات العامة، والمدارس فيه سيئة التجهيز والمراكز الطبية فقيرة الإمكانيات.

وأوضح أبو صافي:

“بالرغم من أنَّ مقهى نَقْش يقع بين طبقتين اجتماعيتين مختلفتين على نطاق واسع، فإنّه يوفر منبرًا لمشاركة تكامليّة من كلا الجانبين”.

وتابع: “نحن نحاول أن نقدّم مساحة لجميع الناس في كل مناحي الحياة، الكثير من الأردنيين والأجانب من إفريقيا وآسيا وأوروبا يحضرون فعالياتنا بانتظام، فهذا مكان مناسب لكل مَن يؤمن بالسلام والأمل والوفاق”.

أفكار مبتكرة رغم شح الموارد

amman naqsh cafe

ويسعى “نَقْش” أيضًا إلى إنشاء مكتبة للحي هناك، فضلًا عن تنظيم جلسات قراءات أدبية ودورات موسيقية للشباب، وبالرغم من أن معظم المشاريع المبتكرة تتركّز عادة في غرب عمان، فإنَّ المبادرات الثقافية انتشرت أيضًا في جميع أنحاء العاصمة الأردنية في السنوات الأخيرة، ويعود هذا التطور إلى وعي الناس المتزايد بالبرامج الثقافية والاجتماعية من جهة، والزيادة، وإن كانت متقلبة، في السياحة داخل البلاد، من ناحية أخرى.

ويبدو أنَّ تأثير “نَقْش” على الشباب إيجابي جدًّا، فالعديد من الشباب يزورونه بانتظام ويستخدمونه كمساحة للتدريب وتبادل الأفكار، ومن بين هؤلاء فرقة بوشار، ويقول أسامة نشوان، مدير الفرقة: “بوشار هي مجموعة من 25 شابًا تهدف إلى دعم المواهب العربية الشابة، ونحن نركز على التمثيل والغناء والرسم والكوميديا والموسيقى”.

ويضيف عبد الجبار البرقاوي، وهو عضو في المجموعة: “مجموعة بوشار، التي تتألف أساسًا من طلاب المدارس الثانوية والجامعات، لديها الآن مكان لتحسين مواهبها وتبادل تطلعاتها”.

ويوضح نشوان “من خلال مواهبنا، نأمل أن نتمكّن من المساهمة في المجتمع من خلال رفع مستوى الوعي وتحسين طبيعة الحياة للشعب الأردني”، في إشارة إلى مشاركة المجموعة في العمل التطوعي، ويضيف: “هدفنا هو بناء الجسور الثقافية خارج الحدود الأردنية وأن نُظهر للعالم أننا أيضًا لدينا مواهب”.

التبادل الثقافي بين الناس هو عملية إنسانية في الأساس، ومن الصعب تأطيره حصرًا في عمل سياسي أو ديني، ومن خلال النظر في سياق هذه المشاريع الثقافية الناشئة في الأردن، ندرك أن التركيز هنا لا ينصب على السياسة أو الدين، بل قد يأتي بمثابة مفاجأة للنقَّاد الغربيين، ولكن ليس كل شيء يحدث في المنطقة يكون مفاجأة.

amman naqsh 4

المصدر: Your Middle East

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.