باستثناء الإسلام واليهودية: لماذا النساء أكثر تديّنًا من الرجال؟

 

woman praying islam

بصفة عامة، النساء أكثر تدينًا وممارسةً للطقوس الدينية من الرجال. والفرق ليس شاسعًا إذا نظرنا إلى جميع المذاهب والدول (83.4٪ من النساء يؤمنّ بدين معين مقابل 79.9٪ من الرجال)، ولكن بالنسبة لبعض البلدان والأديان، فإنَّ الفجوة لافتة للنظر. في أميركا، على سبيل المثال، 60٪ من النساء يرَينَ الدين مهمًّا جدًّا في حياتهن مقابل 47٪ من الرجال، وذلك وفقًا لدراسة أجراها مركز بيو للأبحاث، وهو مؤسسة بحثية في واشنطن. وفي جميع أنحاء العالم الأخرى، النساء المسلمات أكثر ورعًا من الرجال، كما أن النساء المسيحيات يتفوقن بفارق كبير على الرجال في مستويات التديّن، فما السبب في ذلك؟

أحد العوامل هو أنّه في ممارسة شعائر الأديان السماوية، تمتلك النساء المزيد من القوة حتى في أوقات القمع. وفي ظلّ الأنظمة الاستبدادية التي تهدف إلى إلغاء جميع المظاهر الخارجية للدين، تستطيع المرأة أن تنقل عقيدتها سرًّا إلى ذريتها. اسأل أي متديّن من الجنسين تربى في بيئة شيوعية كيف حافظ على إيمانه، فستجد أن الجدة عادة ما تكون جزءًا من الإجابة. وأيًّا كان النظام السياسي، فمن بين الممارسات الدينية المسيحية التي تتمحور حول البيت (مثلًا، الحفاظ على زاوية للصلاة ذات رائحة ذكية وصور مقدسة)، فإنَّ مهمة الحفاظ على الشمعة مشتعلة، حرفيًا ومجازيًا، تقع على عاتق النساء.

المرأة تقود التحول الديني

woman-church_2553390b

ولكن ثمة اعتبار آخر، فبين الأشكال الجديدة للإيمان، كثيرًا ما تقود النساء عملية التحول الديني، على أمل أن تتبعهن أسرهن. وهذا صحيح لاسيما في الكنائس الخمسينية التي حظيت بشعبية كبيرة في أميركا اللاتينية على حساب الكنائس الكاثوليكية، فمنذ بداياتها في لوس أنجلس في أوائل القرن العشرين، قدّمت الكنائس الخمسينية مفارقة مثيرة للاهتمام؛ إذ  كانت إدارتها البيروقراطية مقتصرة على الرجال، على الأقل بقدر الأديان الأخرى، لكنَّها كانت تكرم التجارب الوجدانية العفوية وما تصفه بالتجليات المباشرة من الله أو النبوة، ويبدو أنَّ النساء تتمتع بها بقدر ما يتمتع بها الرجال.

وفي حي فقير في السلفادور أو البرازيل، مع تحمل كل ضغوط الانتقال من الريف إلى المدينة، قد تظهر دوافع أكثر واقعية. بالنسبة للمرأة ربة الأسرة التي تتحمل ضغوطًا شديدة، فإنَّ انضباط وشعبية الكنيسة الخمسينية يبدو كأنه وسيلة لتحقيق الاستقرار في الأسرة وإبعاد الرجال عن المخدرات أو العنف. وفي كولومبيا، حيث يفوق عدد الإناث البروتستانت عدد الذكور بنسبة 62٪ إلى 38٪ـ تعتنق النساء المذهب الإنجيلي، ويحرضن أزواجهن على اتباع نفس المذهب، على أمل أن يتم إنفاق أقل جزء من ميزانية الأسرة على المُسكرات وغيرها من سوء السلوك الذكوري، كما توضح عالمة الأنثروبولوجيا إليزابيث بروسكو.

ويمكن أن نلخص الوضع على النحو التالي: في حالات التوتر، بدءًا من الاضطهاد إلى التحول الاقتصادي وصولًا إلى الانهيار، يمكن أن يكون الدين شكلًا من أشكال المرونة والرصيد الاجتماعي، والنساء هن الحارسات والناقلات الرئيسيات لهذا الرصيد.

الإسلام هو الاستثناء الوحيد

667a5d4c68d042befcdf7ed26b094649

وبالرغم من أن النساء عمومًا أكثر تدينًا من الرجال، فإنَّ الرجال يُظهرون مستويات أعلى من الالتزام الديني في بعض البلدان والجماعات الدينية. وفي سياقات أخرى، هناك عدد قليل من الاختلافات بين الجنسين في الدين.

وثمّةَ استثناء واحد هو الإسلام، فالرجال والنساء متدينون على نحو متماثل فيه، لكنَّ الرجال يمارسون الشعائر الدينية في المسجد في كثير من الأحيان. وجزء من ذلك يرجع إلى الأحكام الدينية التي تعطي الأولوية لمشاركة الرجال في الشعائر الدينية في الصلاة، وعلى سبيل المثال، تكون النساء خلف الرجال. ويكون حضور الرجال أكثر في الطقوس اليهودية الأرثوذكسية، التي تفصل أيضًا بين الجنسين.

الإسرائيليون أكثر تدينًا من الإسرائيليات

Women_at_western_wall

وفي جميع أنحاء العالم، هناك 83.4 في المئة من النساء ينتمين إلى جماعة دينية، في مقابل 79.9 في المئة من الرجال. ويقول مركز بيو للأبحاث إنَّ الفرق هو 3.5 في المئة، أي 97 مليون امرأة أكثر من الرجال.

والصلاة هي من الطقوس التي يمارسها الجميع. وكشفت الدراسة أنّه حتى النساء اللاتي لا يتبعن ديانة معينة في بعض البلدان، ومنها الولايات المتحدة وأوروغواي، يؤدين الصلاة يوميًا بمعدلات أعلى من الرجال غير المنتسبين إلى دين معين. ومن بين 84 دولة شملها الاستطلاع، في إسرائيل فقط يؤدي الرجال الصلاة أكثر من النساء يوميًا. وخلاف ذلك، تختلف النسبة بين عدد أكبر من النساء أو عدد متساوٍ بين الرجال والنساء.

ورغم انتشار الفوارق الاجتماعية على نطاق واسع في الإسلام، فإنَّ الفجوة بين الجنسين أكثر وضوحًا في المسيحية. ففيما يتعلق بالصلاة اليومية، وأهمية الدين والإيمان بالجنة والنار، والإيمان بالملائكة، هناك تساوٍ بين النساء والرجال تقريبًا، في حين تتفوق النساء المسيحيات بنسبة تصل إلى عشر نقاط مئوية في هذه الفئات.

وهناك أيضا فجوة بين المسيحيين من كلا الجنسين في الإيمان بالجنة والنار أكبر من الفجوة بين المسلمين، وهي سمة نفسية مثيرة للاهتمام في أي دين. أن يريد الكثير من الناس الإيمان بوجود مكان حيث السلام الأبدي، فهذا يدل على استمرار أهمية الخيال في التفكير الديني بغض النظر عن الإيمان.

لا تفسير منطقيًّا للظاهرة

 

woman praying church

ما الذي يفسر هذه الفجوة بين الجنسين؟ لم يجد الباحثون أي تفسير منطقي لتلك الظاهرة، ولكنهم اقترحوا مجموعة من العوامل:

علم الأحياء، وعلم النفس، وعلم الوراثة، والبيئة الأسرية، والحالة الاجتماعية، والمشاركة في القوى العاملة والافتقار إلى الأمن الوجودي الذي تشعر به كثير من النساء، لأنهنّ عادة ما يتأثرنّ بدرجة أكبر من الرجال بسبب الفقر والمرض والشيخوخة والعنف.  

ويبدو أنَّ الدخل يُحدث تغييرًا ملحوظًا، فالمرأة التي تعمل خارج المنزل تكون أقل التزامًا دينيًا من النساء اللاتي يعملن في المنزل أو اللاتي لا يعملن أصلًا. لهذا السبب وغيره خلص الباحثون إلى أن الاعتقاد الديني يعتمد على التربية أكثر من الطبيعة، على الرغم من أن باحثين مثل بول بلوم قدّموا أدلة قوية على أن الدماغ البشري مجبول على الميتافيزيقيا.

ومع تزايد أهمية المساواة في جميع أنحاء العالم، سيكون من المثير أن نرى كيف أن قوة معتقدات المرأة ستؤثر على المؤسسات والنظم الدينية. وسيخلق كسب النساء لأموال مثل الرجال وقضاء المزيد من الوقت بعيدًا عن المنزل عالماً أقلّ تدينًا، أو ربما تظهر عوامل أخرى تعيد هيكلة النظم العقائدية في جوهرها، وسنرى ذلك في المستقبل.

وسيكون من المثير للاهتمام أن نرى كيف يظهر تأثير المرأة في الدين على المستوى الاجتماعي. ومع تحوّل حقوق المرأة إلى قضية ذات أهمية كبيرة على الصعيد العالمي، فإنَّ تأثير النساء من الناحية الروحانية قد يغيّر ميزان الأفكار الناشئة عن الفصائل الدينية.

المصدر:  The Economist

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.