تاكسي.. انت سامعني: هل تصمد “أوبر” في المنطقة؟

أمل الداهوك 

أتمت “أوبر” سنواتها السبع هذا العام، وهي شركة عالمية مركزها سان فرانسيسكو يتيح تطبيقها لحاملي الهواتف الذكية طلب سيارة أجرة مقابل مبلغ محدد مسبقاً يدفعه الراكب عبر التطبيق باستخدام بطاقة الائتمان. أما رحلة الراكب فيتم توجيهها عبر التطبيق أيضاً  لسائقي “أوبر” الذين يستخدمون سياراتهم الخاصة لنقل الركّاب مقابل نسبة من التعرفة المدفوعة.

ولم يقف صغر سن “أوبر” مقارنة بشركات عالمية أخرى عائقاً أمام امتداد خدماتها إلى أكثر من ٤٠٠ مدينة، وخمس قارات حول العالم. “أوبر”، التي تملأ أخبارها الدنيا، وتشغل الناس، لا تزال رغم بلوغها عامها السابع تثير الكثير من الجدل لعدة أسباب يمكن تلخيصها بثلاثة عوامل:

قانونية “أوبر”

يحاول العديد من الحكومات أو النقابات إيقاف عمليات الشركة،  لأن سائقي “أوبر” لا يمتلكون الرخص اللازمة لقيادة سيارات الأجرة (تاكسي)، ولذلك تواجه “أوبر” عدداً لا يستهان به من القضايا القانونية التي تقدر كلفتها بملايين الدولارات. وتبين الخريطة أدناه جميع المدن التي منعت عمليات “أوبر” كلياً أو جزئياً.

ubermap_lead_0-2-1024x596

أمن السائق والركاب

ينظر الرياديون وأهل وادي السيليكون إلى “أوبر” على أنها إحدى نجمات الاقتصاد المجتمعي، إلا أن هذه المكانة لم توقف الانتقادات ضدها لأنها لا تدقق في خلفية سائقيها القانونية والاجتماعية بما يكفي. وتوسعت الاتهامات الموجهة ضد “أوبر”، لتشمل سرقة الركاب بعد اختراق التطبيق، والاعتداءات الجنسية والجسدية على السائقين والركاب على حد سواء، وفي بعض الحالات القليلة محاولة اختطاف الركاب.

أثر “أوبر” الاجتماعي

rtr3vkj9

لعل أبرز التحديات التي تواجهها “أوبر” هو رد فعل المجتمعات المتأرجح بين رافض ومرحب.  ويؤيد البعض الشركة لخدماتها الفعالة، ورغبتها في توظيفهم مقابل دخل إضافي، أو تمكينهم من التنقل بسلاسة وأمان،  وترتفع أسهم “أوبر” بسرعة في المدن التي جعلت من التنقل كابوساً، خاصةً للنساء والقُصَّر. ولا شك أن تقاسم السيارة مع من يحتاج إليها والانسيابية بين راكب وسائق مفاهيم تجذب جيل الألفية الذي يسعى نحو مصادر دخل ديناميكية متنوعة، ويطمح نحو حلول مستدامة صديقة للبيئة.

في المقابل، يبدو أن لهذا العالم الجميل وجهاً آخر مناقضًا تماماً للأخلاقيات التي تعد “أوبر” باحترامها، إذ يدعي سائقو  سيارات الأجرة أن “أوبر” تزاحمهم في رزقهم وتنافسهم بشكل غير متكافئ، لذا أصبحت اعتصاماتهم الرافضة تقليداً راسخاً تشهده معظم المدن التي تدشن “أوبر” خدماتها فيها. وشهدت المدن العربية تجارب مختلفة وفريدة لـ”أوبر” تراوحت بين الرفض والعداء وبروز شكل مختلف بعيد عن “القيم” التي تسعى الشركة إلى تعزيزها في مسألة الاقتصاد المجتمعي، وفيما يلي نستعرض كيف استقبلت بعض المدن العربية “أوبر”:

بدأت “أوبر” رحلتها في الشرق الأوسط  من دبي عام ٢٠١٣. وبعد عام واحد فقط، رصدت مبلغ ٢٥٠ مليون دولار أمريكي للتوسع الجدي في المنطقة. ونراها اليوم في القاهرة، وبيروت، وأبوظبي، والدوحة، وعمان، ومراكش وعواصم أخرى، لكن اللافت هو تفاعل المجتمعات العربية مع الشركة وخدمات مماثلة.

المصريون في مواجهة التاكسي

An Egyptian man carrying a packed lunch

يعطيك اعتصام سائقي التاكسي الأصفر في الإسكندرية في الفترة الأخيرة لمحة عما يواجهه سائقو “أوبر” أو كريم (كريم خدمة انطلقت من العالم العربي مشابهة و منافسة لـ”أوبر”) في مصر. في القاهرة مثلاً تربص سائقو التاكسي بسيارات “أوبر” ونصبوا أكثر من كمين ليسلموهم للقوى الأمنية بعد الاعتداء عليهم، بحجة أنهم لا يمتلكون الرخص المناسبة، وأنهم يهددون لقمة عيشهم.

حملات التاكسي المعارضة هذه  قابلها استياء عارم من أهالي القاهرة والإسكندرية، الذين احتضنوا “أوبر” وكريم، وتضامنوا معهما على صفحات التواصل الاجتماعي. ويكفي أن تطبع وسم #متضامن_مع _”أوبر” في محرك البحث على فيسبوك لترى تعليقات المصريين المؤيدة. وأبرز هذه التعليقات يأتينا من دينا حسام التي تكلمت عن تجربتها الشخصية مع أحد سائقي “أوبر” وما تعرض له من مضايقات.

وترى نساء مصر في “أوبر” تجربة نقل آمنة خالية من محاولات التحرش، ويقدر رجال مصر تجربة التنقل المريحة بعيداً عن “جشع وطمع وقلة أدب واستغلال أصحاب التاكسي الأصفر” حسب رأي أحمد السيد.

متضامن_مع _أوبر

ولا يكتفي المصريون كالسيد وليد فكري بتعداد الفوارق بين التاكسي الأبيض أو الأصفر و”أوبر” وكريم، بل يدير البعض صفحة على فيسبوك لتعريف الشارع المصري بخدمات الأخيرين، أو إعلام الركاب بحقوقهم وكيفية تقديم الشكاوي** ضد سائقي التاكسي الأبيض أو الأصفر إذا تخلفوا عن تقديم الخدمات المتفق عليها.

ولا تبدو بوادر الحل السلمي في هذه الحرب قريبة. والمصريون متوجسون من إنهاء خدمة “أوبر” التي يحبونها، وسائقو التاكسي وإدارة المرور المصرية مستمرون في خلق الصعوبات والتحديات، رغم تصاعد بعض الأصوات المنادية بجعل هذا القطاع أكثر تنافسية وتطوير التاكسي التقليدي في مصر ضماناً لسلامة المواطن وحفاظاً على مصلحته الخاصة.  

بيروت و”أوبر” محبة لم تدم 

يختلف المشهد في بيروت تماماً. لا اعتصامات أو كمائن أو مضايقات، بل استقبل اللبنانيون “أوبر” بحفاوة في يوليو ٢٠١٤، وتمكنت من كسب إعجاب السوق اللبناني، بعد تعاونها مع عدة مبادرات خيرية واجتماعية مثل توصيل الطعام للمحتاجين خلال شهر رمضان، والتعاون مع عرب نت لنقل المهتمين بالمؤتمر التقني الأبرز في بيروت أو توصيل المواد التي يمكن إعادة تدويرها لمراكز متخصصة  في ظل أزمة النفايات التي يعانيها لبنان منذ قرابة عام.

لكن كالعادة لا شيء في بيروت يخلو من التعقيدات والخفايا،  وتبين أن الحكومة اللبنانية هددت بإيقاف عمليات الشركة إن لم تلتزم الأخيرة باستخدام سائقي السيارات العمومية المرخصة، ذات اللوحات الحمراء. ويحق لسائق السيارة العمومية في لبنان العمل لحسابه الخاص أو لحساب أحد مكاتب التاكسي. واللافت أن “أوبر” لم تجد في هذا الالتزام ما يناقض قيمها المجتمعية، بل تبنته كقيمة جديدة، وعلق مدير عمليات “أوبر” في لبنان والأردن مارك فرحات خلال برنامج بلا طول سيرة قائلاً: “نحن نعمل مع سائقي السيارات العمومية، ونزيد مصدر دخلهم والطلب عليهم. وكل سائق أوبر هو مدير نفسه ويستطيع التحكم بوقته. إما أن يعمل ساعتين إلى ثلاث ساعات في الأسبوع أو يعمل ١٢٠ ساعة في الأسبوع!” ومع هذا، لا تستغرب إن طلبت سيارة عبر “أوبر” ليعطيك السائق بعد ذلك بطاقة تحتوي على رقمه الخاص لتتمكن من الاتصال به أو طلبه عبر تطبيق واتس آب ودفع أجرة أقل نقداً، خارج نظام “أوبر”، ودون الحاجة لاستخدام بطاقات الائتمان القليلة الانتشار بين اللبنانيين.

ولم ترضِ المنظومة القانونية التي تعتمدها “أوبر” نقيب السائقين العموميين عبد الأمير نجدي ولا نقيب مكاتب سيارات الأجرة شارل أبي حرب، اللذين يدعيان أن “أوبر” تشغل سيارات خصوصية ويريدون مواجهتها عبر القضاء، ولن يلجأوا إلى الشارع إلا إذا اضطروا. لكن القضاء اللبناني المعطل وغير المتجاوب، وقيادة النقيب أبي حرب مثلاً المعروف أنه المالك لمكتب تشارلي تاكسي يفقدان المواجهة شرعيتها وتعاطف الشارع اللبناني.

وفي ظل هذا التنافس الشديد، يقف الراكب اللبناني، على عكس الراكب المصري، على الحياد. والمصلحة فقط هي سيدة الموقف. ووجود “أوبر” في بيروت لا يتعدى كونه خياراً إضافياً لساكني العاصمة اللبنانية وزائريها، خاصةً غير العرب منهم.  ولا تبرز “أوبر” كالمخلص، كما برزت في القاهرة. وعاد بعض الركاب لاستخدام مكاتب التاكسي التقليدية أو سائق يعرفونه سابقاً، والسبب هو تسعيرة “أوبر” المرتفعة والمتغيرة، ومستوى الخدمة المتقلب.

ولإرضاء شريحة أكبر من الركاب خفضت “أوبر” تعريفتها بنسبة ٢٠٪ تقريباً، وتشاركت مع بلوم، أكبر البنوك اللبنانية، لتطرح بطاقة “أوبر” مسبقة الدفع لتفادي المبادلات النقدية وتخطي عائق البطاقات الائتمانية. وعلى الرغم من جهودها الحثيثة و حملاتها التسويقية المؤثرة، يبدو نمو الشركة في السوق اللبناني مهدداً، وبدأ سائقوها يتململون اعتراضاً على خفض الأجرة وتناقص بعض الميزات، كما وقع مكتب ألو تاكسي المنافس مذكرة تعاون مع التطبيق العالمي الشبيه بتطبيق “أوبر”، e-cab وبدأ بتسويقه.

انحراف “أوبر” عن قيمها في الخليج

khairiah-abulaban

إحدى قيم “أوبر” الأساسية هي دعم توظيف الشباب المحليين، وتمكينهم من التمتع بدخل إضافي والتحكم بأوقات عملهم ومرونتها، لكن الحكومات فرضت على الشركة التعامل مع مكاتب التاكسي الموجودة كشرط أساسي لدخولها الأسواق الخليجية، وذلك يعني أن مستخدمي “أوبر” في دبي والسعودية يقلهم سائقون من الجالية الهندية أو البنغالية. وتظهر رواتب هؤلاء السائقين الزهيدة ومستوى معيشتهم المتدني نموذجاً يتضارب مع قيم “أوبر” المعلنة، فهم لا يجنون شيئاً من تعريفة الركوب، ومادامت العمليات في الخليج فإن أحداً لن يتكلم لينتقد الشركة في الإعلام العالمي.

وهذا لا ينفي أثر “أوبر” الإيجابي في السعودية مثلاً، حيث تشكل النساء ٧٠ – ٩٠٪ من مستخدمي التطبيق، الذي ساعدهن في التغلب على التحديات التي يواجهنها بسبب عدم السماح لهن بالقيادة أو عدم قدرتهن على تحمل تكاليف سائق خاص.

“جونو” والسعودية ينبآن بتاكسي جديد

juno-vs-uber-jpg_2251707_ver1-0_1280_720

تواجه “أوبر” مصاعب كثيرة، ومع ذلك فهي مستمرة في تقديم خدماتها رغم أنف القوانين المعطلة، ومواجهة منافستها الرئيسية في المنطقة “كريم”، ويعبر عن طموحها رئيسها التنفيذي ترافيس كالانيك الذي يعد بتقديم خدمة سيارات الأجرة من غير سائق في المستقبل القريب، مما يعني أن ادعاءات الشركة بأنها تهدف إلى توظيف الشباب المحليين هي شعار تسويقي ليس إلا، إذ قد تتخلص منهم جميعاً بعد سنوات بهدف جمع المزيد من المال. واتضح من الأمثلة السابقة أن ما تقدمه “أوبر” يقع في سياق الخدمة الجيدة، لا أكثر و لا أقل، لأن الخدمة الجيدة هي أساس التجارة المربحة، وإن اضطرت الشركة إلى الاختيار بين التوسع ومصلحة المجتمعات، فالواضح أن التوسع هو هدفها الأسمى.

وبينما تستثمر “أوبر”، مثل جوجل و تيسلا و غيرها، في تكنولوجيا جديدة، يحاول منافسوها مثل “كريم” وتطبيق جديد يدعى جونو، إظهار نهج “أوبر” على أنه نهج الشركات العالمية العدواني الذي يهدد لقمة عيش السائقين المحليين ولا تعنيه مصالحهم. تحاول جونو مثلاً منح حوافز طويلة الأمد كالأسهم المقيدة لمن يكمل خدمة ٢٤ شهراً بهدف أن يمتلك السائقون مجتمعين٥٠٪ من أسهم جونو بعد ١٠ سنوات.

من جهة أخرى، قد يقلب قرار وزارة النقل السعودية الأخير الكثير من المقاييس، اذ تعتزم السماح للمواطنين استخدام مركباتهم الخاصة في نشاط سيارات الأجرة بهدف سعودة القطاع وخلق ٢٢ ألف وظيفة للشباب على مدى ٥ سنوات. وقد يبدو أن خبراً كهذا يصب في مصلحة أوبر لكن مع ترخيص سبعة تطبيقات أخرى لبدء عملباتها في السعودية آخرها تطبيق كريم، تشتد المنافسة  للفوز بأكبر حصة ممكنة من السوق السعودي. وان نجحت هذه التجربة فما المانع من أن تمتد لأسواق أخرى في المنطقة مهددة وجود أوبر؟  

لا يمكن التنبؤ بمستقبل هذه التطبيقات، ولا إن كانت فكرة التاكسي المحلي والأخلاقي التي يحاول “جونو” و”كريم” الاستفادة منها ستحد من انتشار “أوبر”، ولا إن كانت “أوبر”، التي تؤكد أنها شركة تقنية عصرية لا مكتب تاكسي، قادرة على الوفاء بوعودها، لكن الأكيد أن أخلاقيات “أوبر” الهشة لن تكون كافية لمواجهة خدمات النقل الذكية التي ستنتشر في المنطقة بسرعة من خلال تطبيقات متنوعة عالمية كانت أم محلية كتطبيق Q8Taxi الذي ظهر في الكويت. والراكب العربي تذوق حلاوة خدمة التنقل الفعالة، ولن يرضى بالعودة إلى أيام ما قبل تطبيق “أوبر” و”بهدلة” التاكسي التقليدي.

There is one comment

  1. Global Markets

    رفض الحكومات والشعوب لخدمة تغير مبدأ تقديمها الجذري المتعارف عليه لفترات طويلة هو أمر بديهي. هذا الرفض في أغلب الأحيان يضعف ويختفي مع تغلغل هذه الخدمات في المجتمع لتقديمها خدمات أفضل بكثير مقابل الخدمات المتدهورة المقدمة تقليديا. مكالمات الواتساب التي منعت في كثير من الدول حماية لمشغلي الهواتف الخلوية هو خير مثال حيث تغيرت القوانين مقابل الطلب الشعبي للخدمات الحديثة الاجود والارخص.

    Like

Comments are closed.